أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وزارة الدفاع الأمريكية بخفض حجم المناورات العسكرية السنوية المشتركة مع كوريا الجنوبية، مبررًا قراره برفض سول المشاركة إلى جانب واشنطن في الحرب ضد إيران، ومشيرًا في الوقت نفسه إلى علاقته الجيدة بزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون.

وقال ترمب، في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إن المناورات التي بدأت (الإثنين) مكلفة، كما أنها تبعث، بحسب رأيه، «إشارة غير مناسبة وعدائية تمامًا» إلى كوريا الشمالية، التي وصفها بأنها «لم تشكل تهديدًا وكانت محترمة» خلال فترة وجوده في البيت الأبيض.

وأضاف ترمب أنه أصدر تعليماته إلى وزير الحرب بيت هيغسيث بـ«خفض كبير» في حجم المناورات، موضحًا أن إلغاءها بالكامل لم يعد ممكنًا بسبب بدء التدريبات بالفعل.

وكشف الرئيس الأمريكي أنه سأل مؤخرًا نظيره الكوري الجنوبي عما إذا كانت بلاده مستعدة للانضمام إلى الولايات المتحدة في ما وصفه بـ«نزع السلاح النووي من إيران»، لكنه تلقى، بحسب روايته، ردًا بالرفض.

تحول في سياسة واشنطن تجاه حليفها الآسيوي

ويمثل قرار ترمب أحدث مؤشر على تحول في تعامله مع حلفاء الولايات المتحدة، مقابل تبنيه لهجة أكثر انفتاحًا تجاه زعيم كوريا الشمالية، الذي ظلت الإدارات الأمريكية السابقة تتعامل معه باعتباره خصمًا استراتيجيًا.

كما يأتي القرار في وقت يوجه فيه ترمب ومسؤولون في إدارته انتقادات متكررة إلى حلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، بسبب ما يرونه نقصًا في الدعم للحرب ضد إيران، بالتزامن مع سعي واشنطن إلى مواجهة روسيا التي تصاعد نشاطها في منطقة البلطيق.

ويشكل موقف ترمب تحولًا لافتًا عن نظرة إدارته إلى كوريا الجنوبية خلال الأشهر الماضية، ففي مايو، أشاد وزير الحرب بيت هيغسيث بسول، مشيرًا إلى «التزامها بزيادة الإنفاق الدفاعي» و«قيادتها في تحمل المسؤولية الأساسية عن أمن شبه الجزيرة الكورية».

واعتبر هيغسيث آنذاك أن ذلك يمثل نموذجًا لتقاسم أعباء التحالف، داعيًا بقية شركاء الولايات المتحدة إلى الاقتداء بكوريا الجنوبية.

ما طبيعة المناورات الأمريكية ـ الكورية الجنوبية؟

وتستمر المناورات المشتركة، المعروفة باسم «درع الحرية أولتشي» (Ulchi Freedom Shield)، لمدة 11 يومًا، ويشارك فيها نحو 18 ألف جندي كوري جنوبي.

وتهدف التدريبات إلى تعزيز جاهزية القوات الأمريكية والكورية الجنوبية لمواجهة التهديدات الصادرة عن كوريا الشمالية.

ويقول الجيش الأمريكي إن المناورات تعزز دور التحالف الأمريكي ـ الكوري الجنوبي باعتباره ركيزة أساسية للسلام والأمن الإقليميين، كما تؤكد التزام البلدين بالدفاع عن أراضيهما.

وتعد هذه المناورات واحدة من تدريبات عسكرية مشتركة رئيسية تُجرى سنويًا بين البلدين، إلى جانب تدريبات أخرى تنظم خلال فصل الربيع.

وكان من المقرر أن تتضمن التدريبات عمليات عسكرية مشتركة في سيناريوهات معقدة، من بينها تدريبات بالذخيرة الحية لاختبار عمليات الاستهداف الدقيق والمناورة المشتركة، إلى جانب تدريبات لعبور مناطق مائية وتوزيع معدات عسكرية مخزنة مسبقًا.

وأكدت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية أن المناورات بدأت (الإثنين) وفق الجدول المقرر.
بسبب إيران وكيم جونغ أون.. ترمب يأمر بتقليص المناورات العسكرية مع سول

انتقادات لقرار ترمب

وقوبل قرار ترمب بانتقادات داخل الولايات المتحدة، إذ وصف السيناتور الديمقراطي مارك كيلي، وهو طيار سابق في البحرية الأمريكية، تقليص المناورات بأنه «قرار قصير النظر وخطأ».

وجاءت تصريحات كيلي بعد ساعات قليلة من إعلان ترمب قراره.

وتزامن بدء التدريبات مع استئناف كوريا الشمالية تجارب إطلاق الصواريخ الباليستية، في تحدٍ للحظر المفروض عليها من الأمم المتحدة.

وفي وقت سابق من أغسطس، رصدت كوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان إطلاق كوريا الشمالية صاروخين باليستيين، في أول اختبار من هذا النوع تجريه بيونغ يانغ منذ أواخر يونيو، وسقط الصاروخان في المياه قبالة الساحل الشرقي لكوريا الشمالية.

بيونغ يانغ تهدد برد قوي

بدورها، صعّدت كوريا الشمالية خلال السنوات الماضية جهودها لتطوير ترسانتها النووية والصاروخية، خصوصًا بعد انهيار الدبلوماسية المباشرة بين كيم وترمب عام 2019.

ويرى خبراء أن كيم جونغ أون يعتقد أن امتلاك ترسانة أكبر من الأسلحة قد يمنحه قدرة أكبر على انتزاع تنازلات من الولايات المتحدة في أي مفاوضات مستقبلية.

والجمعة، هددت كوريا الشمالية باتخاذ إجراءات صارمة، دون تحديد طبيعتها، ضد الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، ووصفت المناورات العسكرية المشتركة بأنها «تدريب على حرب عدوانية» من شأنه زيادة حالة عدم الاستقرار في المنطقة.

وتكرر بيونغ يانغ عادة هذا النوع من الخطاب الحاد قبل المناورات العسكرية الأمريكية ـ الكورية الجنوبية الكبرى، بينما يرى خبراء أن كوريا الشمالية تستخدم أحيانًا هذه التدريبات ذريعة لتكثيف تجاربها العسكرية وتطوير أسلحتها وحشد الدعم الداخلي لقيادتها.

ترمب يتمسك بعلاقته مع كيم

والتقى ترمب كيم جونغ أون ثلاث مرات خلال ولايته الرئاسية الأولى، في إطار محاولات للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي لكوريا الشمالية، وكان آخر لقاء بينهما في عام 2019.

ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، أعرب ترمب عن اهتمامه باستئناف المحادثات مع الزعيم الكوري الشمالي.

وفي سبتمبر 2025، قال كيم إنه يحتفظ بـ«ذكريات شخصية جيدة» عن ترمب، مشيرًا إلى إمكانية العودة إلى طاولة المفاوضات إذا تخلت واشنطن عما وصفه بـ«هوسها الوهمي بنزع السلاح النووي» لكوريا الشمالية.

وجاء إعلان ترمب الأخير بعد يوم واحد من نشره صورة تجمعه بكيم جونغ أون، وكتب أن العلاقة بينهما جيدة للغاية، رغم أن الصورة أظهرت، بحسب تعليقه، «نظرة غير ودية» من كيم.

ليست المرة الأولى

ولا يمثل قرار ترمب تقليص المناورات المرة الأولى التي يسعى فيها إلى وقف التدريبات العسكرية الأمريكية ـ الكورية الجنوبية، فخلال ولايته الأولى، أعلن بشكل مفاجئ عقب لقائه كيم في سنغافورة عام 2018 أن الولايات المتحدة ستوقف ما وصفه حينها بـ«ألعاب الحرب» المكلفة والمستفزة.

وقال ترمب آنذاك إن وقف التدريبات سيوفر على الولايات المتحدة قدرًا كبيرًا من الأموال، مؤكدًا أن استئنافها قد يصبح مطروحًا إذا لم تسر المفاوضات المستقبلية مع كوريا الشمالية بالشكل المطلوب.