-A +A
د. فيصل مرزا *
شهد عام 2016 أحداثا كثيرة ومثيرة من الصعب أن تستثنى من الذاكرة النفطية، بدأ العام بأسعار نفط انخفضت إلى أقل مستويات للأسعار منذ 15 عاما حين وصلت إلى 27 دولارا، ولكن انتهى العام عند ضعف ذلك تقريبا حين تعدى الـ 55 دولارا نهاية العام.

متوسط سعر النفط في عام 2016 وصل إلى 43 دولارا تقريبا وهو أقل متوسط منذ عام 2004 أي منذ 12 عاما.


شهد عام 2016 رفع أمريكا حظرها على تصدير النفط بعد 40 عاما بالرغم من تخمة المعروض؛ ما أثر سلبا على توازن أسواق النفط العالمية، وخلق المزيد من المنافسة أمام أنواع الخام العالمية المشابهة للنفط الصخري الخفيف مثل نفط بحر الشمال النرويجي، ونفط ليبيا، نفط الجزائر، والأثر الأكبر لحق بنفط غرب أفريقيا (نيجيريا وانغولا).

وقد لوحظ أن أمريكا سمحت بتصدير هذا النفط الخفيف غير المرغوب فيه محليا والصعب التصدير وأبقت النفط الثقيل المرغوب محليا والسهل التصدير لتستفيد منه اقتصادات مصافي التكرير الأمريكية المعقدة.

شهد عام 2016 انطلاق رؤية 2030 المباركة، التي حاول الإعلام النفطي أن يشكك فيها لما سوف تحدثه من نقله نوعية في الاقتصاد السعودي، عندها بدأ الإعلام الغربي يعيد اجترار موضوع التشكيك في احتياطات المملكة من النفط، الذي لطالما أثير أنه أقل بكثير مما أعلن عنه!

ولعل هذا الاجترار من الإعلام الغربي للتشكيك في وقت جاءت فيه رؤية المملكة 2030 لتغير واقع الاعتماد الكلي على النفط، حتى وإن كان ارتفاع الأسعار بلا شك داعما ومحفزا قويا، لكن رؤية 2030 لا تحتاج أسعار نفط مرتفعة، بل تتعامل حتى مع أسعار النفط المنخفضة.

وكما رأينا جاءت ميزانية 2017 غير مرتبطة كليا بالواردات النفطية، ولكن مرتبطة بأهداف وإستراتيجيات رؤية 2030، التي أهم ركائزها هو البدء في تفعيل الاعتماد على الواردات غير النفطية من عام 2017.

شهد عام 2016 اجتماعين لدول منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) مع دول خارجها، تكلل الأخير بالنجاح بقرار تاريخي بخفض الإنتاج بعد عامين من إستراتيجية عدم تخفيض مستويات الإنتاج ومقاومة التراجع الكبير في الأسعار، وهو ما يعتبر عودة لأوبك إلى سياسة إدارة السوق بعدما فشلت كل آمال أسواق النفط خلال سنتين في إيجاد بديل يعتمد عليه في تحقيق التوازن المطلوب للأسواق دون تعاون منظمة أوبك، وهذا ما جعل العالم أمام واقع ثابت، وحقيقة لا يتطرق إليها الاحتمال ترد على كل من ادعى أن منظمة أوبك ماتت سريريا، وأنها خسرت دورها القوي كصمام أمان لتوازن أسواق النفط!

شهد عام 2016 منظومة تعاون دول الخليج العربي والتنسيق بينهم والجهود المشتركة التي كانت هي المحفز، والاتفاق الخليجي هو الذي أعطى الثقة والقوة لبقية الدول الأعضاء في إبرام هذا الاتفاق التاريخي. وأيضا لانضمام دول من خارج أوبك للاتفاقية، وليس من السهل أن تبرم اتفاقية كهذه في ظل تعنت بعض الدول في المنظمة.

شهد عام 2016 لأول مرة في التاريخ إنشاء دول أوبك وخارجها لجنة مراقبة وزارية موثقة لتراقب الجدية في التزام دول أعضاء أوبك وخارجها في اتفاقية تخفيض الإنتاج، لجنة مراقبة وزارية ترأسها الكويت بعضوية الجزائر وفنزويلا من داخل أوبك وهناك أيضا أعضاء من خارج أوبك روسيا أحدها.

أكد عام 2016 للعالم أجمع إن منتجي النفط الصخري الأمريكي، هم من كانوا السبب المباشر في معضلة إغراق الأسواق، وخلق عدم التوازن وعدم الاستقرار، وذلك لأن دخول النفط الصخري إلى أسواق النفط جاء بطريقة غير مرحلية لأن تستوعبه الأسواق.

شهد عام 2016 رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران التي بدورها بدأت في زيادة صادراتها من النفط، وحيث إن البنية التحتية لصناعة النفط الإيرانية تمر بتحديات مع أسعار النفط المنخفضة، التي لا تشجع استثمارات المنبع للشركات الأجنبية، هناك غموض يدور حول إمكانية ارتفاع إنتاج النفط الإيراني دون زيادة استثمارات المنبع، ولعل عام 2017 سيوضح ذلك أكثر.

وفي العام نفسه صادق مجلس الشيوخ الأمريكي على قرار تمديد العقوبات ضد إيران لمدة 10 أعوام أخرى، وتزامن ذلك مع انتخاب دونالد ترمب الذي عارض بشدة الاتفاق النووي إبان حملته الانتخابية، ما يهدد صناعة النفط الإيراني أن يكون على شفا جرف هار مع احتمال عودة العقوبات، وسوف نرى أثر هذه المتغيرات على صناعة النفط الإيرانية في عام 2017.

شهد عام 2016 انتخاب دونالد ترمب رئيسا لأمريكا والذي من المتوقع أن يدعم صناعة النفط الأمريكية بعيدا عن قيود الطاقة النظيفة، وأن يضرب عرض الحائط باتفاقية باريس لتغيير المناخ، حيث من المتوقع أن يأتي باستقلالية لسياسات الطاقة الأمريكية والقضاء على خطة الطاقة النظيفة.

نهاية عام 2016 شهدت ارتفاع سعر الفائدة الأمريكية التي كان من المفترض أن تؤثر على أسعار النفط نزولا وتهبط بعد ارتفاع الدولار الأمريكي إلى أعلى مستوياته في 14 سنة، والذي يجعل شراء النفط أكثر تكلفة بالنسبة للتجار الذين يستخدمون عملات أخرى لشراء النفط الخام، ومع ذلك استقرت أسعار النفط لأن تركيز الأسواق منصب على خفض إنتاج دول أوبك وخارجها، واقتراب زوال التخمة من أسواق النفط بوتيرة أسرع من المتوقع في عام 2017 كما أفادت وكالة الطاقة الدولية.

فشلت أمريكا في محاولة لتكرار سيناريو عام 1986 عندما جرفت أسعار النفط إلى الانخفاض إلى 10 دولارات للبرميل لتحفيز الاقتصاد الأمريكي آنذاك، لأن أمريكا تقوم بالتحكم في قيمة الدولار وذلك عبر التحكم بسعر فائدة الدولار، لأنه العملة الأولى في العالم من حيث القوة الاقتصادية، والعملة التي يتم تداولها في أغلب التعاملات النفطية العالمية.

وبذلك نجد أنه من الواضح أن ارتفاع مؤشر الدولار الأمريكي هو الذي تسبب في انهيار أسعار النفط من 31.72 دولار للبرميل الواحد في نوفمبر عام 1985 إلى 10.42 دولار للبرميل الواحد في مارس من عام 1986 وهو من أدنى مستويات الانخفاض لأسعار النفط.

وفي النهاية فإنه وبحسب الوقائع فإن الأسواق ستتوازن -إن شاء الله- وبوتيرة تظهر للجميع، لأن تخفيض ما مجموعه 1.8 مليون برميل يوميا، 1.2 مليون برميل من دول أوبك، مضاف إليه 600 ألف برميل يوميا، من خارج أوبك كفيل بتصحيح الأسواق وتعافيها، وبالتالي تحسن الأسعار وانتعاش الاقتصاد.

والكثير من المحللين والمتابعين والفاعلين في أسواق النفط يعول على هذه الخطوة لتوازن العرض والطلب وعودة الاستقرار لأسواق النفط، بعد أن شهدت تخمة في المعروض بنحو مليون ونصف إلى 2 مليون برميل يوميا، وتلاشي تخمة المعروض من المؤكد أنها سوف تنعش أسواق النفط وترفع الأسعار التي بدأت بالارتفاع فعلا فور صدور القرار وحتى من قبل أن نرى أثره على الأسواق.

لقد مهد عام 2016 الطريق لمعنويات أسواق نفط إيجابية لعام 2017، حيث إن بوادر تطبيق اتفاقية تخفيض الإنتاج بدأت تلوح في الأفق مما سوف يقضي على تخمة المعروض ويقلل من المخزون النفطي العالمي، الذي وصلت إلى مستويات قياسية.

ومع ذلك يظل التحفظ الشديد وإن رأينا بوادر اتجاه تصاعدي للأسعار في 2017 إلا أن أسواق النفط شديدة الحساسية ولا يستطيع أحد التنبؤ بها أو بمتغيراتها.

* مستشار في الطاقة وتسويق النفط، مدير دراسات الطاقة في منظمة أوبك سابقًا