في جدة، المدينة التي تعرف جيداً كيف تخبئ أصواتها الجميلة داخل أمسياتها الخاصة، جاء صوت الفنان الشاب برهان عابراً ذات مساء دون موعد مسبق. لم تكن ليلة اكتشاف بالمعنى التقليدي، ولا جلسة معدّة للإنصات النقدي، بل مصادفة كاملة؛ واحدة من تلك اللحظات النادرة التي يلتقط فيها السمع شيئاً مختلفاً وسط ضجيج اعتيادي لا يترك أثراً غالباً.

كان الصوت يصل بهدوء لافت، بلا استعراض ولا رغبة في اقتحام المكان بالقوة. مجرد خامة ناعمة تتحرك بثقة داخل اللحن، وتفرض انتباهها تدريجياً. عندها فقط بدا واضحاً أن المسألة لا تتعلق بمغنٍ جديد يؤدي أغنية عابرة، بل بصوت يملك حساسية موسيقية حقيقية، وصاحب موهبة يعرف كيف يترك أثره دون افتعال.

منذ تلك اللحظة، ظل برهان بالنسبة لي أحد أكثر الأصوات السعودية الشابة إثارة للاهتمام من الناحية الفنية الخالصة، ليس لأن صوته جميل فحسب، فالجمال وحده لا يصنع مشروعاً غنائياً، بل لأن خامته تحمل توازناً نادراً بين الإحساس والوعي الموسيقي؛ يملك قدرة واضحة على الإمساك بالجملة اللحنية دون أن يرهقها، ويعرف كيف يتعامل مع الطبقات بهدوء يحفظ للنغمة روحها الطبيعية.

هذا النوع من الأصوات لا يعتمد على الصراخ كي يثبت حضوره، ولا يحتاج إلى مبالغات الأداء حتى يقنع المستمع. على العكس تماماً، تبدو قوة برهان في تلك المسافة الهادئة بينه وبين الاستعراض؛ كأنه يغني بعقل موسيقي أكثر من كونه يلاحق الانفعال اللحظي.

وفي زمن أصبحت فيه الأغنية الحديثة تميل إلى الإيقاع الصاخب والاستهلاك السريع، تبدو المحافظة على صوت نقي مهمة شاقة.

كثير من الأصوات الشابة تقع في فخ الأعمال المُرهقة للحنجرة والذائقة معاً كما هو عائض مثلاً، فتخسر خصوصيتها تدريجياً تحت ضغط الانتشار.

أما برهان، حتى الآن، فيبدو أكثر انتباهاً إلى قيمة خامته، وأكثر حرصاً على ألا يتحول صوته إلى مجرد أداة صخب داخل سوق مزدحم.

ما يلفتني فيه أيضاً ذلك الاتزان الواضح في حضوره الفني. لا يبدو مستعجلاً على البطولة، ولا مأخوذاً بفكرة الظهور المستمر، بل يتحرك بهدوء الفنان الواثق أن الزمن الحقيقي لأي صوت يبدأ بعد انطفاء الضجيج.

وربما لهذا السبب تحديداً أشعر أن برهان يمثل واحداً من أهم الرهانات القادمة في الأغنية الشبابية. صوت قادر على إعادة شيء من الهدوء إلى المشهد، وإعادة الاعتبار للخامة والإحساس وسط زحام التأثيرات السريعة. وحتى وسط توهج أسماء عديدة في الساحة؛ من بينها نوف الجبرتي، الذي استطاع أن يحتفظ بمساحته الخاصة دون أن يذوب داخل الموجة العامة.