في أعماق جبال الأورال، تكشف أعمال بناء وتحديث واسعة داخل منشأة عسكرية روسية شديدة السرية عن مساعٍ لتعزيز واحدة من أكثر منظومات الردع النووي غموضًا منذ الحرب الباردة.
وتقع المنشأة 1335، المعروفة باسم «غروت»، داخل جبل كوسفينسكي كامين قرب قرية كيتليم، وقد ارتبط اسمها بمنظومة «بيريميتر» للقيادة والسيطرة النووية، التي عُرفت في الغرب باسم «اليد الميتة».
وكشفت تحقيقات صحفية بريطانية ودنماركية، استندت إلى وثائق مشتريات وسجلات إنشاءات وصور أقمار صناعية ومصادر مفتوحة، عن أعمال توسعة وتحديث كبيرة في الموقع، شملت أكثر من 22 ألف طن من الفولاذ، و56 ألف طن من الأسمنت، ونحو 600 كيلومتر من الكابلات، و182 وحدة تهوية، إلى جانب تجهيزات كهربائية وهندسية أخرى.
وترتبط المنشأة، وفق التحقيقات، بشبكة القيادة والاتصالات الاحتياطية للقوات النووية الروسية، المصممة لضمان استمرار وصول الأوامر إلى القوات الاستراتيجية حتى في حال تعرض مراكز القيادة الرئيسية لهجوم أو انقطاع الاتصالات.
ورغم ارتباط «بيريميتر» في الأدبيات الغربية بفكرة الإطلاق النووي التلقائي، يشير خبراء إلى أن جوهر المنظومة يتمثل في تأمين قناة قيادة واتصال احتياطية، وليس بالضرورة تشغيل نظام مستقل يتخذ قرار إطلاق الصواريخ من تلقاء نفسه.
ويرى الباحث في السياسات الدفاعية ديفيد فيشر أن تحديث المنشأة يمكن فهمه في إطار تعزيز قدرة البنية النووية الروسية على الصمود أمام الأسلحة الدقيقة والهجمات السيبرانية والتشويش الإلكتروني، وليس بالضرورة باعتباره مؤشرًا على تحول المنظومة إلى إطلاق آلي.
وتأتي هذه الأعمال بالتزامن مع تحديث روسيا لقواتها النووية الاستراتيجية، وفي أعقاب اعتماد الرئيس فلاديمير بوتين في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 نسخة محدثة من عقيدة الردع النووي الروسية.
وتكشف منشأة 1335 في النهاية عن جانب أساسي من الردع النووي الحديث: امتلاك السلاح لا يكفي، بل يجب ضمان بقاء سلسلة القيادة والاتصالات قادرة على العمل حتى في أسوأ سيناريو.
ولهذا، فإن ما يجري داخل جبل كوسفينسكي كامين قد يكون جزءًا من سباق صامت لتحصين القدرة النووية الروسية، فيما تبقى التفاصيل الدقيقة لمنظومة «بيريميتر» ومستوى أتمتتها الفعلي محاطة بسرية شديدة.
