يا شاعرنا اليمني العظيم عبدالله البردوني.. يوم وقفت أمام أبي تمام وسألته: «ماذا أحدث عن صنعاء يا أبتِ؟».. لم تكن تدري أن السؤال سيبقى بعدك.. وأن صنعاء ستبلغ من الوجع ما يجعل الجواب أشق من السؤال.


فماذا أحدثك عنها يا أبا اليمن؟ أحدثك أن الحوثيين دخلوا مدينتك باسم إنقاذها.. ثم ضاقت بأهلها واتسعت للسلاح. أخذوا من اليمن اسمه وتاريخه.. وتركوا لأهله الخوف والجوع والحرب. كلما تحدثوا عن النصر.. سألت أم يمنية عن ابنها.. وسأل أب عن خبز بيته.. وسأل طفل متى يعود إلى مدرسته.


قلت يوماً: «فظيع جهل ما يجري.. وأفظع منه أن تدري». ونحن ندري يا بردوني.. نرى بلداً يريد أن يعيش.. وجماعة تريد له أن يظل في الحرب. تدعي أنها تتكلم باسم اليمنيين.. ثم لا تترك لهم حق الاعتراض عليها. ترفع راية اليمن.. وتطلب من اليمني أن يسلمها صوته وولده ومستقبله.


وكنت تقول: «يمانيون في المنفى.. ومنفيون في اليمن». ما أقسى أن يخرج الإنسان من بلاده هرباً من الحرب.. وما أقسى أن يبقى فيها.. ثم يشعر بالغربة في مدينته. أن يبحث عن الأمان وراء باب بيته.. وعن كلمة يقولها بلا خوف.. وعن غدٍ لا يتقرر تحت فوهة بندقية.


يا بردوني.. زفرتك القديمة ما زالت تعبر جبال اليمن وسهوله. وحين وصفت قوماً بأنهم «يقتاتون أفئدة الجوعى».. تركت لنا صورة يصعب نسيانها. يشتد جوع الناس.. فلا يشبع الذين يتاجرون بمأساتهم. يحتاج اليمني إلى رغيف ودواء وعمل.. ويجد من يطالبه بالمزيد من الصبر.. كي تستمر حرب لم يخترها.


ناديت اليمن: «يا أمي اليمن الخضرا». وبلغنا حبك لها في الجوار.. فأحببنا أهلها.. ولبينا نداءها حين امتدت المحنة إلى ديارنا. لكن عصبة جعلت من أرض اليمن منطلقاً للسلاح نحو جيرانه.. وأساءت إليه وإلينا. ومع ذلك.. لم تختلط علينا الوجوه يوماً.. نعرف اليمن بأهله.. ولا نختصره فيمن صادروا قراره. نعرفه في بيوته وأسواقه وحقوله.. وفي رجال ونساء يريدون لأبنائهم حياة لا تقاس بطول الحرب.


يا بردوني.. لم تكن تتنبأ بالحوثيين.. لكنك عرفت ما يفعله الاستبداد حين يلبس ثوب الوطن.. وما تفعله الحرب حين تصبح رزق من يشعلونها. لهذا ما زالت كلماتك توجعنا في الوطن العربي كله.. لأن صنعاء التي خاطبتها لم تكن مدينة في قصيدة فحسب.. كانت أماً تخاف عليها.


سألت أبا تمام ماذا تحدثه عن صنعاء.. واليوم نقول لك: لا يزال فيها من يحبها كما أحببتها.. ومن يريد لها أن تعود بيتاً لأهلها جميعاً. صنعاء تنتظر أبناءها.. كي يعيدوها إلى نفسها.