أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1818.jpg?v=1762347796&w=220&q=100&f=webp

ناصر الدعجاني

الظل ليس مخالفة..!

في مدننا الحارة.. لا تبدو الشمس مجرد حالة طقس عابرة..

بل جزء يومي من تفاصيل الحياة التي يواجهها الناس بصبر طويل.

ولهذا لم تكن مظلات السيارات التي انتشرت أمام بعض المنازل مجرد قطعة حديد أو قماش..

بل محاولة بسيطة لاحتمال هذا الصيف الممتد.

ومنذ سنوات تتكرر حملات إزالة المظلات في بعض الأحياء تحت مبررات التنظيم وتحسين المشهد الحضري.. وهي أهداف محترمة لا يختلف عليها اثنان.. لكن السؤال الذي يعود مع كل حملة:

كيف يمكن أن يكون القرار نظامياً وإنسانياً في نفس الوقت؟

المواطن البسيط لا يحارب البلدية..

ولا يرفض التنظيم..

ولا يريد تشويه المدينة التي يحبها..

كل ما يريده أن يقي نفسه وأطفاله من لهيب الشمس القاسي.. وأن يحمي سيارته من الحرارة التي تلتهم كل شيء داخلها مع الوقت.

وربما لا يشعر كثيرون بحجم المعاناة لأنهم ببساطة لا يعيشونها.

.. قد لا يتخيل ماذا يعني أن تترك سيارتك ساعات طويلة تحت شمس الظهيرة ثم تدخلها وكأنك تواجه موجة نار محبوسة خلف الزجاج.

هنا لا نتحدث عن رفاهية..

بل عن الموظف.. والمعلم.. والمتقاعد.. والأرملة.. ورب الأسرة الذي يعود بأطفاله من المدارس أو الجامعات أو المستشفيات أو المكاتب في عز الصيف.

تخيلوا فقط تلك اللحظة:

طفل يفتح باب السيارة في ظهيرة يوم حار.. فيرتد سريعاً من لفح الحرارة.

أمٌ تحاول أن تُجلس أبناءها على مقاعد تكاد تحرق أجسادهم.

رجل يضع يده على المقود فيسحبها من شدة السخونة.

هواء مشتعل يندفع من فتحات التكييف قبل أن يبدأ التبريد بعد دقائق طويلة.

وليست لحظة عابرة ثم تُنسى..

بل معاناة تتكرر كل يوم.. مع كل خروج.. ومع كل عودة.

تتشقق بعض الأجزاء داخل السيارة مع الوقت..

وتذوب أشياء كثيرة تحت الحرارة القاسية..

ويتحوّل الوقوف دقائق داخل السيارة إلى اختبار صبر يومي يعرفه كل من عاش الصيف الحقيقي في هذه البلاد.

ولذلك يشعر بعض الناس أن إزالة المظلات لم تمس الحديد فقط.. بل مسّت شيئاً من رحمتهم البسيطة بالحياة.

لا أحد يرفض التنظيم..

لكن الناس تسأل: لماذا لا يكون التنظيم رحيماً أيضاً؟

المظلات ليست مشكلة مستحيلة الحل.

يمكن تنظيم أشكالها..

وتوحيد ألوانها..

وفرض اشتراطات جمالية عليها..

بل وحتى تحديد خاماتها ومواقعها وارتفاعاتها.

قولوا للناس اجعلوها بلون موحد..

أو بخامة محددة..

أو بتصميم معين..

اطلبوا ما تشاؤون لتحسين المشهد الحضري..

لكن لا تتركوا المواطن وحيداً في مواجهة الشمس.

فالقرار الجميل ليس فقط ذلك الذي يبدو صارماً على الورق.. بل الذي يشعر الناس بعده أن أحداً اقترب من تعبهم اليومي وفهمه.

فالإنسان.. مهما اتسعت المدن من حوله.. سيظل يبحث عن شيء بسيط جداً: فقط قليل من الظل.

00:00 | 26-06-2026

من وحي تهاني العيد

مع كل عيد.. تتحول الهواتف إلى موانئ مزدحمة ترسو فيها آلاف التهاني القادمة من كل اتجاه.. بطاقات أنيقة.. صور براقة.. أدعية جميلة.. وعبارات اجتهد أصحابها في اختيار الخطوط والألوان أكثر مما اجتهدوا في اختيار المتلقين ! وكلما ازداد عدد الرسائل.. ازداد سؤال صغير يتسلل إلى الذهن: كم واحدة منها كُتبت حقاً من أجلي؟ فالفرح لا يأتي من عدد الرسائل التي تصلنا.. بل من الرسالة التي نشعر أنها لم تكن لتُكتب لغيرنا.. أن يقتطع أحدهم دقيقة من يومه.. ويتوقف وسط الزحام.. ثم يكتب اسمه.. اسمه هو.. لا اسم مجموعة.. ولا اسم قائمة.. ولا اسم فئة كاملة من البشر.


ولعل هذا ما يجعل بعض الرسائل تعيش في الذاكرة سنوات طويلة.. بينما تموت أخرى بعد ثوان من وصولها. ليس لأن الأولى أكثر بلاغة.. بل لأنها أكثر صدقاً. فالرسائل المسبقة الصنع تشبه كثيراً الزهور البلاستيكية.. ألوانها زاهية.. وشكلها جميل.. وتصلح للعرض من بعيد.. لكن شيئاً ما ينقصها دائماً.. شيئاً لا تستطيع المصانع إنتاجه مهما بلغت دقتها «الحياة». وكذلك هي التهاني الجماعية.. تصل بسرعة.. وتنتشر بكفاءة.. وتؤدي المهمة بنجاح إداري باهر.. لكنها كثيراً ما تفشل في أداء المهمة الإنسانية ذاتها.. مهمة أن يشعر إنسان بأن أحدهم «خصه» بالتذكار.


ومن طرائف عصرنا أن بعض الناس يقضي وقتاً طويلاً في تصميم بطاقة العيد.. ثم يضغط زر الإرسال الجماعي في أقل من ثانية.. فتنطلق التهاني كالشحنات التجارية..لا تعرف أين هبطت.. ولا من قرأها.. ولا من تجاهلها.. ولا من كان ينتظر كلمة مختلفة فوجد نفسه مجرد محطة عابرة في خط توزيع طويل... وكأن بعض الرسائل لا تبحث عن أصحابها.. بل تبحث عن إبراء ذمة.


ومع ذلك تبقى هناك فئة أخرى من البشر.. أولئك الذين ما زالوا يؤمنون أن العلاقات لا تُدار بخدمة التوصيل السريع.. وأن الود ليس ملفاً يُنسخ ويُلصق.. ولا بطاقة جاهزة للاستخدام.. ولا قالباً محفوظاً منذ عيدين أو ثلاثة.. هؤلاء يكتبون ببطء. ويتذكرون ببطء. ويرسلون ببطء. لكن رسائلهم تصل بسرعة مدهشة إلى المكان الصحيح. إلى القلب. ففي الأعياد لا يفتش الناس عن عبارات جديدة.. العبارات متوافرة بكثرة. ولا يبحثون عن صور أجمل.. فالصور تملأ الشاشات. إنهم يبحثون عن ذلك الشعور النادر.. أن يتذكرهم أحد خارج الرسائل المعلبة.. وخارج خطوط الإنتاج.. وخارج قوائم الإرسال الجماعي.. أن يشعروا أنهم لم يكونوا جزءاً من المناسبة.. بل سبباً فيها.


ولذلك لا تبقى في الذاكرة تلك الرسائل التي مرت بنا ضمن قافلة طويلة من المرسلات.. بل تبقى الرسائل التي توقفت عند بابنا وحده. فالإنسان يمتن لمن هنأه في العيد.. لكنه لا ينسى من تذكره بين الزحام وناداه باسمه.

00:17 | 31-05-2026

إيران.. من تصدير الثورة إلى استيراد الأزمات...

لم تبدأ أزمة إيران مع محيطها من خلاف حدود...


ولا من تنافس طبيعي بين دول...


بل من فكرةٍ خرجت من حدودها، وقررت أن تعيش خارج الجغرافيا:


ما عُرف بسياسة «تصدير الثورة» التي ارتبطت بثورة 1979 في إيران.


منذ ذلك الحين، لم تعد العلاقة مع الجوار تُدار بمنطق الدولة،


بل بمنطق المشروع...


وشتّان بين دولةٍ تحمي حدودها، ومشروعٍ يبحث عن حدود جديدة.


وعلى امتداد نحو خمسة عقود، والمنطقة تدفع كلفة هذه الفكرة...


توترات لا تهدأ، وملفات لا تُغلق، وشعوب تُستنزف، بينما تتكشّف الحقيقة المؤلمة:


أن الضحايا لا يدركون مغزى الشعارات... لكنهم يدفعون أثمانها كاملة.


ثم لنذهب إلى ما هو أبعد من النقد... إلى ما هو أعمق من الحلم:


ماذا لو توقفت فكرة تصدير الثورة عند حدودها؟


ماذا لو تحوّلت الموارد إلى الداخل بدل أن تتشظى في الخارج؟


لماذا لا تتفهم إيران أن الاختلاف لا يُدار بالصواريخ... ولا يُحسم بالوكلاء،


وأن الشعوب —سنيةً كانت أو شيعية— لم تكن يوماً بطبيعتها وقوداً للفرقة، بل عاشت دهوراً من التعايش، حتى جاءت الأيديولوجيات فحوّلت الاختلاف إلى مشروع صراع؟


أي مشهد كان سيُكتب للمنطقة؟


وأي قوة كان سيملكها العالم الإسلامي لو أنه تماسك بدل أن يتشظى؟


لكن الواقع يقول غير ذلك...


فالسياسات التي تُبنى على التمدد، لا تعرف الاكتفاء،


والمشاريع التي تتغذى على الصراع، لا تعيش إلا به.


ولهذا، فإن أخطر ما في تصدير الثورة...


أنه لا يكتفي بإشعال محيطه،


بل يعود —عاجلاً أو آجلاً— ليأكل نفسه.

00:15 | 24-03-2026

تقاطع المصالح.. حين تتعرى الغابة داخل الإنسان..!

لا يجمع البشر الحب كما يقال.. ولا تفرقهم الكراهية كما يروّج.. الذي يجمعهم غالباً هو تقاطع المصالح.. والذي يباعد بينهم هو تعارضها.. وبين التقاطع والتعارض تدور أكثر المعارك هدوءاً.. وأكثر الابتسامات برودة.

الحضارة لم تلغِ شريعة الغاب.. هي فقط ألبستها بدلة رسمية.

في الغابة يفترس القوي الضعيف بلا خطاب إخلاقي.. وفي المجتمع قد يحدث الشيء نفسه لكن عبر أنظمة.. وعقود.. وتحالفات.. وتفسيرات قانونية.. وتبريرات ذكية.. تتغيّر الأدوات.. ولا يتغير الدافع.

قال توماس هوبز.. الإنسان ذئب لأخيه الإنسان.

ليست عبارة أدبية.. بل توصيف لطبيعة تنفلت إذا غاب الضابط.

صراع البقاء ليس فكرة بيولوجية فقط.. بل سلوك اجتماعي متكرر.. وظيفة.. صفقة.. نفوذ.. مكانة.. فرصة.. كلها ساحات افتراس ناعم.. كم من حق أزيح لأن صاحبه ضعيف.. وكم من فرصة خطفت؛ لأن الخاطف أسرع لا أحق.

المصالح لا تعرف الوفاء بطبيعتها.. الوفاء قيمة تزرع فوقها.. لذلك حين تترك المصالح بلا تهذيب تتحوّل العلاقات إلى سوق.. والناس إلى أدوات.. والوعود إلى أوراق تفاوض.

قال ميكافيلي.. الغاية تبرر الوسيلة.

لم يكن يعلم الفضيلة.. بل يشرح كيف يفكر الطامح إلى السلطة حين تتقدم المصلحة على المبدأ.

هل الإنسان محكوم بهذه الفطرة الصراعية فقط..؟ لو كان كذلك لما بقي معنى للتضحية.. ولا للعدل.. ولا للرحمة.. ولا للأمانة حين لا يراك أحد.

هنا يأتي الدين.. لا كطقس.. بل ككابح.. كميزان يقيّد اليد حين تقدر.. وكضمير يبقي للحق قيمة حتى حين لا توجد كاميرات.

في الحديث الشريف.. لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

هذه العبارة وحدها تهدم شريعة الغاب من جذورها.. لأنها تنقل الإنسان من منطق الغلبة إلى منطق المشاركة.

وقال ابن خلدون.. الظلم مؤذن بخراب العمران.

ليست موعظة.. بل قانون تاريخي.. المجتمعات التي تطلق يد المصلحة المجردة تسقط.. ولو بعد حين.. لأن الثقة تتآكل.. والثقة هي العملة الحقيقية لأي عمران.

الدين لا يلغي المصلحة.. بل يهذبها.. لا يمنع السعي.. بل يمنع الافتراس.. لا يوقف التنافس.. بل يمنع الفتك.

وحين يتجرد الإنسان من خصال الدين.. أيّاً كان معتقده.. تعود الغابة فوراً.. حتى لو بقيت ناطحات السحاب واقفة.

الفارق بين إنسان متديّن حقاً.. وإنسان بلا وازع.. يظهر في لحظة القدرة.. هل يبطش.. أم يعدل.. هل يخطف.. أم ينصف.. هل ينجو وحده.. أم ينجو ومعه غيره.

الحضارة الحقيقية لا تقاس بارتفاع المباني.. بل بعمق الضمير.

وما لم تضبط المصالح بقيم أعلى منها.. سنظل نبدل اسم الغابة فقط.. لا قانونها.

00:00 | 17-02-2026

ما بين ضفتين... أمن لا يقبل الحياد   

في الجغرافيا يمكن تجاهل المسافات.. لكن في البحر الأحمر لا يمكن تجاهل النتائج..

هنا.. ما بين ضفتين متقابلتين.. يصبح الأمن خيارًا واحدًا.. لا يقبل الحياد بين الساحل السعودي والساحل السوداني خط مستقيم لا يتجاوز أربعمائة كيلومتر عبر البحر الأحمر.. مسافة قصيرة في حساب الجغرافيا.. لكنها في حساب السياسة والأمن والإنسان أوسع أثرًا من خرائط كثيرة.. هذا الخط ليس وهمًا على ورق.. بل شريان حياة حقيقي.. عبره تعارف الناس.. وتُبودِلَت السلع.. وتحركت السفن.. وتكوّنت مصالح لا يمكن فصلها بقرار.. ولا تجاهلها ببرود.

من هنا.. يصبح البحر الأحمر أقل شبهًا بالحاجز.. وأكثر شبهًا بالمرآة.. ما يحدث على إحدى ضفتيه ينعكس سريعًا على الأخرى.. ولهذا لا تبدو السعودية بعيدة حين تنظر إلى السودان.. ولا طارئة حين تمد يدها إليه في لحظة تعثّر.. فالسودان ليس جارًا خلف الجبال.. بل شريكًا مباشرًا على ضفة مقابلة.. وأي فراغ أمني أو إنساني هناك.. هو تهديد صامت هنا.

حين اندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023.. لم تحتج السعودية إلى تبرير تحرّكها.. البحر نفسه كان كافيًا.. عبر موانئ البحر الأحمر جرت عمليات الإجلاء.. ونُقلت مئات الأرواح من بورتسودان إلى جدة.. في مشهد أعاد تعريف الجوار.. لا بوصفه مجاملة سياسية.. بل مسؤولية عملية.. لم يكن ذلك فعل استعراض.. بل استجابة طبيعية لجغرافيا لا ترحم من يتجاهلها.

ولأن السياسة الحكيمة لا تكتفي بالإسعاف الطارئ.. تحوّلت جدة إلى منصة تهدئة ومحاولة رأب صدع.. فاحتضنت مسار الوساطة.. وخرجت منها بيانات هدنة.. وإعلانات لحماية المدنيين.. ومساعٍ لفتح ممرات إنسانية.. قد تتعثر السياسة.. وقد تخذل البنادق موائد الحوار.. لكن مجرد بقاء الجهد قائمًا.. يعني أن هناك من يفهم أن ترك السودان ينزف.. ليس خيارًا آمنًا لأحد.

وفي موازاة السياسة.. حضرت الإنسانية.. مشاريع طبية.. قوافل إغاثة.. وعمليات جراحية أُجريت في مدن سودانية ساحلية.. في وقت كانت فيه المستشفيات تُستهدف أو تُغلق.. هنا.. لم تعد المسافة البحرية رقمًا في الأطالس.. بل زمن استجابة.. وفارق حياة.

السعودية.. وهي تنظر إلى الضفة الأخرى من البحر الأحمر.. لا ترى دولة فقط.. بل ترى استقرار الإقليم كله.. ترى الملاحة.. والتجارة.. وأمن البحر.. ومستقبل شرق أفريقيا.. ترى أن السودان إذا وقف على قدميه.. وقف معه ميزان المنطقة.. وإذا سقط.. فلن يسقط وحده.

لهذا.. لا غرابة أن تلتفت السعودية إلى شريكها في الضفة المقابلة.. تحاول تضميد جراحه.. ومساعدته على استعادة عافيته.. لا بدافع العاطفة وحدها.. بل بحساب الدولة التي تعرف أن أقرب طريق إلى أمنها.. قد يكون خطًا مستقيمًا.

00:08 | 6-01-2026

الزواج من الخارج.. ناقوس خطر على الأسرة السعودية..!

لم يعد الزواج من الخارج مسألة شخصية تُناقش في إطار الخيارات الفردية وحدها.. بل أصبح ـ وفق الأرقام الرسمية ـ ظاهرة متنامية تستدعي وقفة وطنية جادة.. لا بدافع التضييق أو الوصاية، بل من منطلق حماية المجتمع واستقراره على المدى البعيد.. فحين تُسجَّل أكثر من ألف موافقة زواج من الخارج في ربعٍ واحد فقط من هذا العام فإن الأمر يتجاوز الحالات الاستثنائية، ليصبح مساراً اجتماعياً يتوسع بهدوء.. دون نقاش عام كافٍ.. ودون قراءة معمّقة لعواقبه.


التجربة الواقعية تُظهر أن اختلاف العادات والتقاليد لا يطفو على السطح في السنوات الأولى من الزواج.. بل يتأخر ظهوره إلى مراحل لاحقة.. حيث تبدأ الخلافات حول أسلوب التربية.. والقيم.. وحدود السلطة داخل الأسرة.. وطبيعة العلاقة مع المجتمع.. وفي كثير من الحالات يكون الأبناء.. وهم سعوديون في الهوية والجنسية.. هم أول الضحايا... إذ ينشأون في حالة ارتباك ثقافي وانتمائي.. بين نمطين اجتماعيين مختلفين.. ما ينعكس على استقرارهم النفسي.. وتكيّفهم الاجتماعي.


كما أن الأسرة السعودية بطبيعتها ليست علاقة ثنائية مغلقة.. بل منظومة ممتدة تقوم على الترابط والتكافل.. وعندما يدخل طرف غير منسجم ثقافياً واجتماعياً.. تبدأ مشكلات التوافق مع الأسرة الكبرى.. فتظهر القطيعة.. وتتصاعد الخلافات.. وتضعف الروابط التي شكّلت عبر عقود ركيزة من ركائز الاستقرار الاجتماعي في المجتمع السعودي.


ولا يمكن إغفال البعد القانوني والإنساني لهذا النوع من الزيجات.. إذ تشير الوقائع إلى أن عدداً من النزاعات الزوجية يتحول إلى ملفات عابرة للحدود.. تشمل قضايا حضانة.. وسفر أبناء.. واستغلال ثغرات قانونية في دول أخرى.. أو اللجوء إلى محاكم خارجية.. وهنا لا نتحدث عن معاناة أسرية فحسب.. بل عن تحديات قانونية وسيادية تُحمّل الدولة والمواطن أعباء متراكمة كان بالإمكان تقليلها عبر سياسات أكثر حذراً وتنظيماً.


وفي خضم هذا المشهد.. تبرز المرأة السعودية بوصفها المتضرر الأكبر.. وإن لم يُصرَّح بذلك صراحة.. فالتوسع غير المنضبط في الزواج من الخارج ساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تضييق فرص الزواج أمام فتيات الوطن.. ورفع معدلات العنوسة.. وزيادة أعداد المطلقات.. وحين نضع هذه المعطيات بجانب حقيقة صادمة.. وهي أن المملكة شهدت خلال العام الماضي حالة طلاق كل عشر دقائق.. ندرك أن أي عامل إضافي يزعزع استقرار الأسرة يجب أن يُناقش بجدية.. لا أن يُترك دون مساءلة.


المسألة هنا لا تتعلق بالتشكيك في النوايا.. ولا بتجريم خيار بعينه.. بل بقراءة النتائج على أرض الواقع.. فالدول التي تنظر إلى مستقبلها بوعي تدرك أن التحولات الديموغرافية والاجتماعية ليست تفصيلًا هامشياً.. بل عنصر أساسي من عناصر الأمن الوطني.. والتراكم الصامت للزيجات العابرة للثقافات.. دون إطار واضح أو ضوابط صارمة.. قد يفرز على المدى البعيد إشكالات في الهوية والانتماء.. وهي قضايا لا تُعالج بعد وقوعها.. بل تُدار مسبقاً بالحكمة والتنظيم.


إن فتح هذا الملف لا يعني الدعوة إلى المنع المطلق.. ولا إلى التضييق غير المبرر.. وإنما يعني الانتقال من سياسة التجاهل إلى سياسة الترشيد.. ومن ردّ الفعل إلى التخطيط الاستباقي.. فالمجتمع الذي لا يحمي أسرته.. ولا يضع مصلحة فتياته وأبنائه في مقدمة أولوياته يدفع ثمن ذلك لاحقاً بأشكال مختلفة.. اجتماعية ونفسية وأمنية.


لقد آن الأوان لأن نقر بأن الزواج من الخارج.. حين يتحول من خيار فردي محدود إلى ظاهرة متنامية.. يصبح شأناً عاماً يستحق النقاش والتنظيم.. وأن ندق ناقوس الخطر اليوم.. قبل أن نجد أنفسنا بعد سنوات أمام مشكلات أعمق.. وأكثر تعقيداً.. يصعب احتواؤها أو إصلاح آثارها.

00:04 | 23-12-2025

زيارة قلبت سردية النفوذ.. الرياض تكتب المعادلة من جديد

في واشنطن، لم يكن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يعقد زيارة بروتوكولية بقدر ما كان يعيد تشكيل معادلة القوة بين الرياض وواشنطن بما يجعل المملكة شريكاً لا يمكن تجاوزه.. لا سياسياً ولا اقتصادياً ولا أمنياً.

فاللافت لم يكن التصريحات ولا الصور الرسمية.. بل التحوّل العميق في طبيعة العلاقة.. من علاقة قائمة على الاعتمادية التقليدية.. إلى علاقة تُبنى على توازن نفوذ مدروس.. وثقة سياسية.. واستحقاق اقتصادي تفرضه المملكة بثقلها الجديد.

كانت أولى إشارات التحوّل تتجلّى في أن أجندة النقاش لم تُبنَ على الملفات التقليدية المعهودة.. بل دخلت إلى عمق التكنولوجيا المتقدمة.. الذكاء الاصطناعي.. سلاسل التوريد.. المعادن الحرجة.. وأمن الرقائق.. وهذه المجالات كانت واشنطن تحصرها تاريخياً في دائرة الحلفاء الكبار فقط.. أما أن تدخل السعودية هذا النطاق فهو إعلانٌ غير مباشر بأن المملكة أصبحت لاعباً مركزياً في صناعات المستقبل.. لا مجرد قوة نفطية ضخمة.

اليوم لا تتعامل السعودية مع الولايات المتحدة بمنطق «الطرف التابع».. بل بمنطق دولة واسعة الخيارات.. من بكين إلى نيويورك.. ومن نيودلهي إلى بروكسل؛ ولذلك جاءت الرسالة واضحة: شراكتنا مع الولايات المتحدة خيار استراتيجي.. لكن قوتنا تُبنى بتنوع الشركاء لا بأحادية التحالفات.. هذه الفلسفة هي حجر الأساس في الاتفاقيات الدفاعية والاستثمارية التي خرجت بها الزيارة؛ لأنها قائمة على لغة المصالح المتبادلة لا على علاقة فوق– تحت.

وفي واشنطن لاحظ الخبراء قبل السياسيين أن ولي العهد لم يذهب ليطلب.. بل ليشارك في صياغة معادلة تقوم على مكاسب متبادلة.. فقد عُرضت شراكات استثمارية تتجاوز التريليون دولار بما يخدم تطلعات رؤية 2030 كما يخدم احتياجات الاقتصاد الأمريكي في قطاعات المستقبل.. وطرحت رؤية أمنية تهدف إلى:

1- صناعة استقرار مستدام في المنطقة. 2- تخفيف الأعباء عن جميع الأطراف لا عن طرف دون آخر. 3- إعادة صياغة بيئة إقليمية تجعل الشراكات مربحة للجميع. ولهذا وصفت مراكز الأبحاث الأمريكية الزيارة بأنها «أعمق نقلة في العلاقات السعودية – الأمريكية منذ الثمانينيات».

أما الاتفاقية الدفاعية فقد أعادت السعودية إلى قلب منظومة الأمن الإقليمي.. لكن هذه المرة بوصفها صانعة استقرار لا متلقّية لضمانات.. فالمملكة اليوم تمارس دورها بثقة..

1- توظيف القوة الاقتصادية لبناء النفوذ. 2- موازنة العلاقات مع القوى الكبرى. 3- قيادة تكتلات إقليمية جديدة. 4- تعزيز استقلال القرار الأمني. وتشير تقارير غربية إلى أن واشنطن باتت ترى السعودية قطباً لا يمكن تجاوزه في ثلاثة ميادين كبرى:

1- اقتصاد الطاقة المتغيّر. 2- التكنولوجيا وسلاسل التوريد.3- هندسة الاستقرار الإقليمي. وهذا الاعتراف لم يأتِ مجاملة.. بل جاء نتيجة مسار سياسي صلب.. وقرارات اقتصادية دقيقة.. وقدرة حقيقية على تغيير خرائط النفوذ العالمية.

هذه الزيارة ليست مجرد صفحة جديدة في العلاقات السعودية – الأمريكية.. بل هي إعادة صياغة لطبيعة النفوذ السعودي نفسه.. نفوذ يقوم على قوة اقتصادية مؤثرة.. وحضور سياسي مستقل.. وذكاء في موازنة القوى.. وقدرة على صناعة القرار لا انتظاره.. السعودية اليوم لا تبحث عن مكان في المعادلة.. بل هي من يعيد صياغة المعادلة ذاتها.

00:05 | 23-11-2025

الباحة.. والهوية المعمارية المواكبة للرؤية..!

في جبال الباحة، لا تُقاس قيمة البناء بارتفاع الجدران.. بل بمدى اتساع الأفق من شرفاتها،

فالمنزل الذي لا يُطلّ على الغيم.. لا يليق بأرضٍ وُلدت من رحم الضباب.. وتربت على النسيم البارد وصوت المطر.

لقد أرهقنا تكرار النمط نفسه:

مبانٍ مربعة.. مغلقة على نفسها.. نوافذها خجولة لا ترى منها إلا الجدار المقابل.. وكأننا نبني في صحراء.. لا على سفوحٍ تحتضن الغيوم.

إن السائح الذي يقطع المسافات إلى الباحة.. لم يأتِ ليُغلق على نفسه باب غرفة.. بل جاء ليجلس في مواجهة الوادي.. يسمع خرير الماء.. ويشمّ عبير العرعر.. ويرى كيف يعانق الغيمُ الشجر.. جاء ليجد هواءً نقياً ومكاناً مفتوحاً للحياة، لا علبة إسمنتية مغلقة.

نقولها بلا خجل: من أراد أن يبني في الباحة، فليبنِ بوعي الجبل لا بعشوائية المدينة! اجعلوا الإطلالة محور التصميم، لا الإكساء الخارجي.

واجعلوا الضوء والهواء يدخلان قبل النزيل.. فالشرفة ليست كمالاً... إنها روح المكان. ومن دونها، يفقد البناء معناه، وتفقد الباحة هويتها السياحية التي لوّنتها الطبيعة لا الخرسانة.

الباحة تستحق أن تُبنى كما تُحب أن تُرى:

• بواجهات حجرية تتنفس هواء الجبل.

• بشرفات تمتد على الوادي.

• بجلسات تحاكي الضباب لا تخشاه.

• بنمط معماري يحفظ شكلها الطبيعي وهوية قراها القديمة.

فالمعماري الحقيقي ليس من يملأ الأرض جدرانًا، بل من يجعل الهواء جزءًا من التصميم.

نرجو من أمانة الباحة وهيئة السياحة أن تُعيد النظر في اشتراطات البناء السياحي..

وأن تُلزم المشاريع الجديدة بتوفير شرفات مطلة وجلسات مفتوحة ومساحات تناغم بين الداخل والخارج.

فالباحة ليست مشروعًا تجاريًا فحسب... إنها هوية وطنية ومتنفس للروح..

ختامًا:

الباحة لا تُطلب لتُسكن،

بل لتُعاش.

ومن يبني فيها، فليبنِ مشهدًا من الغيم، لا جدارًا من الصمت.

00:17 | 5-11-2025

خالد الفيصل.. رجلٌ بصيغة التأثير

في زمنٍ يزدحم بالأسماء، قلّما يصنع أحدهم فرقًا حقيقيًّا. لكن خالد الفيصل لم يكن اسمًا عابرًا، بل كان حضورًا لا يُشبه سواه.

حين يُذكر الشعر، يحضر خالد الفيصل.

وحين يُتناول الفن السعودي، تتقدّم تجربته.

وحين يُناقش الفكر الإداري في المملكة، يُستشهد بمسيرته.

هو رجلٌ صنع ثلاثة مسارات، ونجح فيها جميعًا:

شاعرٌ جدّد القصيدة، إداريٌّ أعاد تعريف المنصب، ومفكّرٌ عزّز مكانة الإنسان.

لم يكن الشعر عنده ترفًا، بل كان موقفًا.

ولم تكن الإدارة سلطة، بل مسؤولية.

ولم يكن الفن لوحةً تُعلّق، بل رسالة تُنقش في الذائقة.

في عسير، طوّع الجغرافيا لتُغني الإنسان.

وفي مكة، جعل من التنمية نموذجًا لا استثناء.

وفي القصيدة، أعاد للكلمة احترامها، وللذوق مكانته.

خالد الفيصل ليس امتدادًا لأحد، بل بدأ من حيث انتهى غيره، وصنع لنفسه أسلوبًا وهوية وموقفًا.

لم يُساوم على مبادئه، ولم يتنازل عن ذائقته، ولم يكتب ليسمع، بل كتب ليُهذب.

هو الذي جمع بين القول والفعل، بين الذوق والحزم، بين المنصب والشعر، دون أن يختلّ ميزانه.

ولأنه كذلك، فهو لا يغيب ولا يُغاب عنه.

لا ينتظر الأضواء.. بل هو الضوء.

ولا يستجدي المديح؛ لأن إنجازه يفرض الاحترام.

خالد الفيصل هو ذاكرة حية،

وصوتٌ لا يهدأ،

ورمزٌ لا يُنسى؛ لأنه لم يتوقف عن التأثير.

Naser Aldajani@
00:01 | 3-07-2025