بعد أكثر من 6 عقود على اغتيال الرئيس السوري السابق أديب الشيشكلي في منفاه بالبرازيل، تعود سيرته إلى الواجهة من بوابة وثائق قضائية وتاريخية تُنشر للمرة الأولى، في الطبعة الثانية المزيدة والمنقحة من كتاب «أديب الشيشكلي.. الحقيقة المغيبة» لمؤلفيه بسام برازي وسعد فنصة، الصادرة عن دار رياض الريّس للكتب والنشر في بيروت، في 575 صفحة تتخللها صور ووثائق وشهادات جديدة.
ولا تكتفي الطبعة الجديدة بإعادة قراءة السنوات التي كان فيها الشيشكلي الرجل الأقوى في سورية، بل تفتح الملف الأكثر غموضاً في نهاية حياته: اغتياله في البرازيل في 27 سبتمبر 1964، والمحاكمة التي أعقبت الجريمة، وما دار فيها من شهادات ومرافعات واتهامات متبادلة.
ويحاول المؤلفان، من خلال الوثائق التي جمعاها، تقديم روايتهما لحقبة الشيشكلي وموقعه في سلسلة الانقلابات والصراعات التي عاشتها سورية بعد الاستقلال، ومناقشة الصورة التي ترسخت عنه في عدد من الكتب والروايات التاريخية.
من «ثغرة» في الطبعة الأولى إلى 1200 صفحة قضائية
يكشف بسام برازي في مقدمة الطبعة الثانية أن صدور النسخة الأولى عام 2020 وما أثارته من نقاش دفع المؤلفين إلى مراجعة ما أنجزاه، ليكتشفا أن أهم حادثة في نهاية سيرة الشيشكلي، وهي اغتياله، لم تحظ بالتوثيق الذي أراداه.
فالمحاكمة التي جرت في البرازيل للمتهم بقتل الشيشكلي ومن شاركوا في التخطيط للجريمة كانت لها وثائقها وشهاداتها ومرافعاتها، لكن أياً منها لم يكن حاضراً في الطبعة الأولى.
ومن هنا بدأت رحلة بحث شاقة عن ملف قضائي مضى عليه نحو 60 عاماً، وسط مخاوف من أن تكون وثائقه قد فقدت أو أتلفت.
لكن المفاجأة، وفق برازي، كانت العثور على ملف المحاكمة في البرازيل وإنقاذه من إتلاف كان وشيكاً، قبل أن يعمد مسؤولو المحكمة إلى رقمنته وأرشفته، وحفظ الملف الورقي الأصلي في متحف المحكمة، وتسليم الباحثين نسخة منه.
من البرتغالية إلى الإنجليزية
لم تكن استعادة الملف نهاية المهمة؛ إذ تجاوزت وثائقه 1200 صفحة باللغة البرتغالية، ما دفع المؤلفين إلى الاستعانة بجهة متخصصة في الترجمة ولديها دراية بالمصطلحات القانونية لترجمته إلى الإنجليزية.
وأضيفت إلى الوثائق مقابلة أجرتها صحيفة «Correio Braziliense» البرازيلية مع تامر بسام البرازي، الذي تابع عملية الحصول على ملف المحاكمة، فضلاً عن مادة صحفية تناولت الجريمة والإجراءات القضائية التي أعقبتها.
وتكشف الوثائق، بحسب ما يورده الكتاب، تفاصيل دفاع محامي المتهم بالقتل، والمرافعات التي قُدمت أمام القضاء، والجدل الذي أحاط بصورة الشيشكلي وأحداث جبل الدروز، فضلاً عن الظروف التي قادت إلى نقل المحاكمة من البلدة التي شهدت الجريمة إلى مكان آخر.
اغتيال في المنفى.. ومحاكمة تعود من الأرشيف
اغتيل الشيشكلي، المولود في حماة عام 1909، في ولاية غوياس البرازيلية في سبتمبر 1964، بعد نحو عقد من خروجه من سورية وابتعاده عن السلطة.
وتعيد الطبعة الجديدة بناء جوانب من القضية اعتماداً على ملف المحكمة، بما يتضمنه من شهادات ومرافعات ودفوع قانونية، وتعرض رواية المؤلفين بشأن دوافع الجريمة والجهات والشخصيات المرتبطة بها.
ولا يتوقف الملف، وفق الكتاب، عند تفاصيل الاغتيال، بل يتوسع إلى أحداث جبل الدروز في خمسينات القرن الماضي، مستنداً إلى تقارير ووثائق تحمل أسماء مسؤولين عاصروا الأحداث، من بينهم قائد درك السويداء عادل البغدادي ومحافظ السويداء رفعت زريق.
ويجادل المؤلفان بأن هذه الوثائق تقدم أرقاماً وروايات تختلف بصورة كبيرة عن تلك التي طرحتها هيئة الدفاع خلال المحاكمة بشأن ضحايا الأحداث، معتبرين أنها تتيح إعادة مناقشة مسؤوليات الأطراف المتورطة. وتظل هذه الاستنتاجات جزءاً من قراءة المؤلفين للوثائق ولتلك المرحلة التاريخية الجدلية.
نحو 2000 وثيقة.. ماذا كان يجري خلف الكواليس؟
تتجاوز مادة الكتاب وثائق المحاكمة البرازيلية إلى نحو ألفي وثيقة من محفوظات وزارات خارجية الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، يقول المؤلفان إنها تتضمن معلومات لم يسبق نشرها عن سورية وصراعات النفوذ الإقليمي والدولي خلال سنوات الشيشكلي.
ويستعيد الكتاب مسيرة الرجل منذ كان عقيداً في الجيش السوري، مروراً بانقلابه في 19 ديسمبر 1949، وصولاً إلى تحوله إلى صاحب النفوذ الأكبر في البلاد، ثم توليه رئاسة الجمهورية عام 1953 وخروجه من السلطة في العام التالي.
وفي قلب هذه السيرة، يعيد المؤلفان طرح السؤال الذي رافق اسم الشيشكلي لعقود: هل كان ديكتاتوراً استولى على السلطة بالقوة، أم قائداً عسكرياً براغماتياً دفعته ظروف الصراع السياسي والعسكري إلى حكم فردي؟
ويضيفان إليه سؤالاً آخر يتعلق بنهاية الرجل: هل كان اغتياله في منفاه، بعد نحو 10 سنوات من خروجه من السلطة، امتداداً لصراعات مرحلة لم تنتهِ آثارها بخروجه من سورية؟
شخصية إشكالية.. وسيرة لم يكتبها صاحبها
تزداد صعوبة رسم صورة نهائية للشيشكلي لأنه لم يترك مذكرات شخصية تروي تجربته، إذ اغتيل في الرابعة والخمسين من عمره، وبقيت أجزاء من سيرته موزعة بين كتب السياسيين والعسكريين ووثائق الدول وتقارير تلك المرحلة.
ويقر برازي، وهو ابن شقيقة الشيشكلي، بأن الشخصية التي يتناولها الكتاب «إشكالية»، لكنه يرى أن كثيراً مما كتب عنها لم يكن منصفاً، وأن أحداث تلك المرحلة تعرضت، وفق رؤيته، لتفسيرات متباينة رسمت صورة الشيشكلي بوصفه حاكماً لا يتردد في استخدام القوة للبقاء في السلطة.
ومن هذا المنطلق لا يخفي الكتاب سعيه إلى إعادة قراءة الرجل وإنصافه من وجهة نظر مؤلفيه، مستنداً إلى الوثائق والشهادات التي جمعاها.
انقلاب 1949.. صراع داخلي أم نفوذ دولي؟
يضع الكتاب انقلاب الشيشكلي في ديسمبر 1949 ضمن شبكة أوسع من التنافس الداخلي والإقليمي والدولي. ويربط المؤلفان تحركه بمعارضته التوجه نحو مشروع وحدة سورية مع العراق الملكي، وبالصراع بين النفوذين البريطاني والأمريكي في المنطقة.
وبحسب الرواية التي يقدمها الكتاب، كان الشيشكلي يخشى اندفاع قائد الانقلاب السابق سامي الحناوي، بالتعاون مع حزب الشعب، نحو ربط سورية بالنظام الملكي الهاشمي في العراق.
كما يناقش الكتاب علاقات الشيشكلي بالولايات المتحدة في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دالاس، والخلافات التي ظهرت لاحقاً بشأن قضايا المنطقة، وفي مقدمتها إسرائيل والترتيبات الدفاعية الأمريكية في الشرق الأوسط.
وينقل المؤلفان عن الشيشكلي خلال لقائه دالاس عام 1953 رؤية مفادها أنه كان يدرك استحالة هزيمة إسرائيل عسكرياً في تلك الظروف، ويرى في المقابل إمكانية مواجهتها اقتصادياً.
لماذا غادر سورية دون قتال؟
إحدى النقاط المركزية التي يركز عليها الكتاب تتعلق بخروج الشيشكلي من السلطة عام 1954. فوفق رواية المؤلفين، كان يمتلك وحدات عسكرية قادرة على الدخول في مواجهة مع خصومه، لكنه اختار الاستقالة ومغادرة البلاد لتجنب صدام داخل الجيش قد يتحول إلى حرب أهلية.
ويستشهد الكتاب بوثيقة فرنسية مؤرخة في 27 فبراير 1954، تتناول دور الرئيس اللبناني آنذاك كميل شمعون في الأزمة السورية، ومغادرة الشيشكلي إلى السعودية على متن طائرة أرسلها إليه الملك سعود بن عبدالعزيز، بحسب ما تنقله الوثيقة.
وهذه اللحظة تمثل، في قراءة المؤلفين، مفتاحاً أساسياً لفهم الشخصية: رجل وصل إلى الحكم بانقلاب عسكري، لكنه غادره عندما رأى أن الاحتفاظ بالسلطة قد يقود إلى مواجهة دامية.
الاقتصاد في عهد الشيشكلي
ويخصص الكتاب مساحة للسياسات الاقتصادية خلال حكم الشيشكلي، إذ يشير إلى اهتمامه بتشجيع الاستثمار وتنظيمه، وإعادة الموازنة العامة إلى دائرة النقاش، وتشجيع الصناعة المحلية وزيادة الإنتاج ومواجهة الاحتكار.
كما يتناول تأثره بأفكار الخبير الاقتصادي والمصرفي الألماني يالمار شاخت، وانعكاس ذلك، بحسب المؤلفين، على مشاريع زراعية وصناعية، مستفيداً من خلفيته الدراسية في المدرسة الزراعية بمدينة السلمية.
ويذهب الكتاب إلى أن سورية حققت خلال تلك المرحلة تقدماً في عدد من المؤشرات الاقتصادية والتنموية مقارنة بدول نامية أخرى، مستعرضاً شهادات وروايات يستخدمها المؤلفان للدفاع عن رؤيتهما لتجربة الشيشكلي في الحكم.
«الحقيقة المغيبة».. وثائق تفتح النقاش ولا تغلقه
الطبعة الجديدة من «أديب الشيشكلي.. الحقيقة المغيبة» لا تقدم نفسها مجرد سيرة لرئيس سوري سابق بقدر ما تحاول إعادة فتح ملف مرحلة كاملة من التاريخ السوري: الانقلابات العسكرية، والتدخلات الخارجية، وأحداث جبل الدروز، والصراع على هوية الدولة واتجاهاتها، وصولاً إلى خروج الشيشكلي من الحكم واغتياله بعد سنوات في البرازيل.
والإضافة الأبرز هذه المرة تتمثل في انتقال الكتاب من البحث في حياة الشيشكلي وحكمه إلى أرشيف مقتله ومحاكمة قاتله؛ إذ أعادت وثائق قضائية كادت أن تتلف قضية عمرها أكثر من نصف قرن إلى طاولة البحث التاريخي.
وبين صورة «الديكتاتور» التي رسختها روايات خصومه، وصورة «القائد الذي ظُلم تاريخياً» التي يدافع عنها مؤلفا الكتاب، تظل الوثائق الجديدة مادة مفتوحة للباحثين والمؤرخين، وربما تعيد إشعال الجدل حول أديب الشيشكلي أكثر مما تحسمه.

