-A +A
بقلم: د. عبدالله المدني
بمناسبة عودة قيادة مجلس التعاون لدول الخليج العربية للمرة الثانية إلى دولة الكويت في شخص الأمين العام الجديد «نايف فلاح الحجرف»، كتب صديقنا المحبر الكبير سمير عطا الله في صحيفة الشرق الأوسط الدولية (12/‏12 /‏2019) عمودا ذكر فيه أنه خلال أربعين عاما من عمر المجلس توالى على قيادته، خمس شخصيات كانت لكل واحدة منها ميزة، وجاءت كلها من أروقة الدبلوماسية ما عدا الأمين المنتهية ولايته عبداللطيف بن راشد الزياني «الذي قدم من العسكرية بدقّة الضبّاط. غير أن (بحرينيته) طغت على تعاليم المدرسة الحربية فكانت ولايته للأمانة العامة عملاً هادئاً في مرحلة مضطربة». مالم يقله عطا الله أن كل واحد من تلك الشخصيات كانت له إنجازاته لجهة تحقيق شيء ما من الأهداف النبيلة التي تأسس من أجلها المجلس سنة 1981، وأن الأمناء الثلاثة الأوائل جمعهم قاسم مشترك واحد هو تخرجهم في فترات مختلفة من كلية الحقوق بجامعة القاهرة.

وإذا كان الأمين العام الأول عبدالله يعقوب بشارة (تولى منصبه بين شهري مايو 1981 وديسمبر 1993) جاء بشخصيته الحيوية وقدراته الخطابية وتجاربه الدبلوماسية من أروقة الخارجية الكويتية، تسبقه شهرة اكتسبها من صولاته وجولاته في أروقة الأمم المتحدة، ولا سيما تلك التي استمدها من نجاحه في ترتيب أول اجتماع بين ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة زهدي الطرزي ونظيره الأمريكي أندرو يونغ والذي اضطر يونغ بسببه إلى الاستقالة في عام 1979، فإن خلفه الشيخ فاهم بن سلطان القاسمي، الأمين العام الثاني للمجلس، جاء أيضا من خلفية دبلوماسية مشابهة مع فارق تميز الأخير بالكثير من الهدوء الإعلامي وتجنب المعارك والتصريحات الصاخبة، لذا وصفه عطا الله بصاحب الآداب.

اختيار الأمين

حينما انطلق مجلس التعاون عام 1981 كمنظومة محاكية للمنظومات والتجمعات الإقليمية الأخرى بهدف أسمى هو تحقيق الوحدة الخليجية من خلال عمليات مرحلية متتابعة من التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين (المادة الرابعة من النظام الأساسي)، تمّ الاتفاق على أن تكون للمجلس أمانة عامة مقرها الرياض وأن يكون الأمين من مواطني دول المجلس على أن يتم تعيينه من قبل المجلس الأعلى لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، وأن يكون له أمناء عامون مساعدون يرشحهم هو نفسه من بين مواطني الدول الأعضاء، وأن يكون الأمين العام مسؤولا مباشرة عن أعمال الأمانة العامة وحسن سير العمل في مختلف قطاعاتها ويمثل مجلس التعاون لدى الغير وذلك في حدود الصلاحيات المخولة له (المادة الرابعة عشرة من النظام الأساسي). أما المادة الخامسة عشرة من النظام الأساسي للمجلس فقد اختصت بالأعمال التي تتولاها الأمانة العامة تحت قيادة الأمين العام ومنها: إعداد الدراسات الخاصة بالتعاون والتنسيق والخطط والبرامج المتكاملة للعمل المشترك لدول المجلس، إعداد التقارير الدورية عن أعمال مجلس التعاون، متابعة تنفيذ قرارات وتوصيات المجلس الأعلى والمجلس الوزاري، إعداد التقارير والدراسات التي يطلبها المجلس الأعلى أو المجلس الوزاري، إعداد مشروعات اللوائح الإدارية والمالية التي تتمشى مع نمو المجلس وتزايد مسؤولياته؛ إعداد الميزانيات والحسابات الختامية للمجلس؛ التحضير للاجتماعات وإعداد جدول أعمال المجلس الوزاري ومشروعات القرارات؛ الاقتراح على رئيس المجلس الوزاري، الدعوة لعقد دورة استثنائية للمجلس الوزاري إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ أية مهام أخرى تسند إليها من المجلس الأعلى أو المجلس الوزاري.

ومختصر القول هو أن الأمين العام يتم اختياره وفقا للتتابع الدوري، ويتمتع باستقلالية الدور والحركة كي يشكل قناة للاتصال بين الدول الست الأعضاء ويعكس سياساتها ويشرف على التنظيم الإداري والهيكلي للمجلس.

ما يعنينا هنا حصريا هو تسليط الضوء على شخصية الأمين العام الثاني، والتعريف به والسياحة في عالمه الذي تجاوز حدود الاشتغال بالسياسة وتقلد المناصب الوزارية والدبلوماسية إلى العمل في مجال المحاماة والانخراط في النشاط الرياضي.

ينتمي الشيخ فاهم بن سلطان بن سالم بن سلطان بن صقر بن رحمة بن مطر القاسمي إلى العائلة الحاكمة في إمارة رأس الخيمة، فعمه هو الشيخ محمد بن سالم القاسمي الذي حكم رأس الخيمة من عام 1917 حتى عام 1919 ثم تنازل عن الحكم لأخيه الشيخ سلطان في عام 1919. ووالده هو الشيخ سلطان بن سالم القاسمي الذي حكم رأس الخيمة من عام 1919 حتى 17 يوليو عام 1948، وهو التاريخ الذي تنازل فيه عن الحكم إلى إبن أخيه الشيخ الراحل صقر بن محمد القاسمي الذي ظل حاكما للإمارة حتى تاريخ وفاته رحمه الله في 27 أكتوبر 2010 عن 92 عاما. كما يعتبر والده من كبار شعراء عصره ممن تركوا قصائد شعبية مشهورة لا زالت متداولة إلى اليوم.

ولد الشيخ فاهم بن سلطان برأس الخيمة في الأول من يناير سنة 1948 الموافق لسنة 1368 للهجرة، أي قبل سبعة أشهر فقط من تاريخ تنازل والده عن الحكم، وكان ميلاده في أسرة كثيرة الأبناء. إذ سبقه في الميلاد إخوانه الشيوخ صقر وخالد وعمر وعوض وفيصل، وتلاه الشيوخ أحمد وناصر وحميد، علما بأن أخاه الشيخ فيصل بن سلطان القاسمي شغل العديد من المناصب بعد تخرجه من الكلية العسكرية الأردنية وكلية مونز الحربية للضباط بالمملكة المتحدة، حيث كان رئيسا لمجلس إدارة «الهيئة العربية للتصنيع الحربي» في السبعينات، ووكيلا لدائرة الدفاع في أبوظبي، وأول رئيس لأركان القوات المسلحة الإماراتية، ورئيسا لديوان ولي العهد (الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان) قبل أن يتقاعد برتبة لواء ركن.

الحياة الدبلوماسية

تلقى مراحل تعليمه الأولى في رأس الخيمة، وقبل أن يرتحل إلى مصر لإكمال دراسته الجامعية تولى في سنة 1968 رئاسة دائرة الكهرباء في مدينة العين. وحينما عاد من مصر في عام 1974 حاملا ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة التحق بوزارة الخارجية التي كانت قد تأسست حديثا بـُعيد قيام الكيان الإتحادي، حيث بدأ من أول السلم، شاغلا منصب سكرتير ثالث بالوزارة في يناير من عام 1975. وسرعان ما تمت ترقيته في سبتمبر من نفس العام إلى منصب سكرتير أول بوزارة الخارجية.

غير أنه لم يشغل المنصب الجديد طويلا، إذ ما لبت أن غادر بلاده في عام 1975 إلى مدينة لاهاي الهولندية حيث حصل على دورة من محكمة العدل الدولية في القانون الدولي. وفي العام التالي توجه إلى الولايات المتحدة حيث التحق هناك بمعهد الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز البحثية الخاصة في بالتيمور بولاية ماريلاند وحصل من المعهد المذكور في عام 1976 على درجة الماجستير في السياسات الدولية.

لم يكتف الشيخ فاهم بكل ما سبق من درجات علمية، فحينما تمّ تعيينه في العام 1977 مندوبا دائما لدولة الإمارات العربية المتحدة لدى المقر الأوروبي لهيئة الأمم المتحدة بجنيف، بالإضافة إلى منصب القنصل العام لبلاده في جنيف انتهز فرصة تواجده في سويسرا لإشباع نهمه المعرفي، فتلقى خلال السنوات الثلاث التي أمضاها هناك ما بين 1977 ــ 1980 المزيد من الكورسات في القانون الدولي والسياسة والإقتصاد، وهو على رأس العمل.

وهكذا فإنه حينما صدر قرار في عام 1980 بنقله من جنيف إلى نيويورك كي يتولى منصب السفير الدائم لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة، ثم قرار آخر في عام 1981 بتعيينه ــ إضافة إلى منصبه ــ سفيرا فوق العادة مفوضا لدى كندا، كان الرجل مؤهلا بدرجة عالية لشغل هذين المنصبين، ولا سيما المنصب الأول الذي خلف فيه الدكتور علي محمد حميدان أول ممثل لدولة الإمارات في المنظمة الدولية الأهم.

مهمة خاصة من نيويورك

في عام 1984 حدث أن احتاجت دولة الإمارات إلى مواطن من أبنائها يمتلك باعا طويلا وشهادات عالية في مجال القانون الدولي كي يدير الإدارة القانونية بوزارة الخارجية في أبوظبي، فلم تجد شخصا أفضل من الشيخ فاهم لتكلفه بالمنصب. وهكذ أستدعي الرجل من نيويورك ليشغل المنصب المذكور في الفترة ما بين 1984 و 1992. وخلال هذه الفترة شارك في مناقشة الكثير من الاتفاقيات عن الجانب الإماراتي، كما مثل بلاده في العديد من اللجان والمؤتمرات الدولية ذات الصلة بمعالجة القضايا القانونية والسياسية الهامة.

في شهر ديسمبر من عام 1993 كان الشيخ فاهم على موعد لدخول التاريخ كثاني أمين عام لمجلس التعاون، خلفا لعبدالله يعقوب بشارة، وأول أمين عام من دولة الإمارات. ففي ذلك التاريخ وقع عليه الاختيار من لدن قائده المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لشغل هذا المنصب، حيث ظل ممسكا به إلى عام 1996 حينما خلفه فيه الشيخ جميل بن إبراهيم الحجيلان من المملكة العربية السعودية.

إنجازات الأمين الثاني

وإذا كان عهد الأمين العام الأول الذي استمر لمدة 12 سنة متواصلة شهد الكثير من الإنجازات التي صبت في ترسيخ العمل الخليجي المشترك وتعزيز الروابط بين دول المجلس الست وشعوبها ومؤسساتها القطرية مثل: إنشاء مؤسسة الخليج للاستثمار برأسمال قدره ملياران ومائة مليون دولار أمريكي؛ تحويل الهيئة العربية السعودية للمواصفات والمقاييس إلى هيئة خليجية تختص بالمواصفات والمقاييس بدول المجلس، حق التملك للمواطنين فى الدول الأعضاء، إعطاء الأولوية للمنتجات الوطنية بالمشاريع الحكومية، معاملة الطلبة في المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية معاملة الطلبة من أبناء دول المجلس في الدولة التي يدرسون فيها، معاملة الشهادات الدراسية الصادرة من دول المجلس معاملة الشهادات الصادرة من الدولة التي تتم فيها المعاملة، السماح للمستثمرين من مواطني دول المجلس بالحصول على قروض من مصارف وصناديق التنمية الصناعية في الدول الأعضاء ومساواتهم بالمستثمر الوطني، السماح لمواطني دول المجلس بممارسة تجارتي التجزئة والجملة في أية دولة عضو ومساواتهم بمواطني الدولة وفقا لضوابط معينة، فإن عهد الأمين العام الثاني شهد أيضا إنجازات مكملة لما سبق تحقيقه. ففي فترة ولاية الشيخ فاهم تمت الموافقة على نظام براءات الاختراع لدول مجلس التعاون والنظام الأساسي لمكتب براءات الاختراع الذي تقرر أن يكون مقره في الرياض. كما تم إقرار توصيات وزراء الدفاع في الدول الأعضاء، وعلى رأسها تطوير قوة درع الجزيرة وتعزيز أوجه التعاون والتنسيق في مختلف المجالات العسكرية المتنوعة. هذا علاوة على قيام المجلس بإقرار تشكيل لجنة عليا لمتابعة تنفيذ قرارات الدفاع الجماعي والتعاون العسكري، على أن تكون رئاستها دورية كل عام بين وزراء دفاع دول المجلس، وتضم رؤساء الأركان ورئيس اللجنة العسكرية بالأمانة العامة، وعلى أن تبدأ دورية الرئاسة بدولة الإمارات.

ما بعد الأمانة.. مشوار القاسمي الهادئ في الحكومة

في أعقاب مشواره الناجح والهادئ في أروقة الأمانة العامة لمجلس التعاون بالرياض، عاد الشيخ فاهم إلى بلاده ليبدأ فيها حقبة جديدة من العمل من خلال توليه حقيبة الاقتصاد والتجارة في الحكومة الاتحادية السادسة في تاريخ دولة الإمارات، والتي شكلها المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم في عام 1997. وفي الأول من نوفمبر 2004 أجرى الشيخ مكتوم تعديلا على التشكيل الوزاري السادس كان من ضمنه تعيين الشيخ فاهم وزيرا لشؤون المجلس الأعلى ومجلس التعاون، فكان ذلك آخر عهد للرجل بالحقائب الوزارية. إذ تفرغ بعدها لأعماله الخاصة والتي تمثلت في رئاسته لمجلس إدارة «الإمارات الدولية للمحاماة» وهي مؤسسة تقوم بتقديم الاستشارات الاقتصادية والسياسية والقانونية فيما يخص المشاريع والقضايا المحلية والخليجية.

إلى جانب تكريس وقته لأعمال هذه المؤسسة الاستشارية، لم يتوقف الشيخ فاهم عن المشاركة في أنشطة أخرى عديدة من خلال عضويته في الاتحاد الدولي للمحامين، ومجلس أمناء مؤسسة الإمارات (مؤسسة أنشئت في العام 2005 كمبادرة وطنية متكاملة لتنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص والاستثمار في طاقات الشباب)، ومجلس أمناء جائزة الشيخ الدكتور سلطان بن خليفة آل نهيان العالمية، ناهيك عن اهتماماته بأعمال وأنشطة المنتدى الدولي للاتصال الحكومي وكذلك المركز الدولي للاتصال الحكومي الذي أطلقه المكتب الإعلامي بإمارة الشارقة، تجسيدا لرؤى الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، واهتمامه بالدراسات والأبحاث ذات الصلة بعلاقة الحكومة مع الجمهور.

على أن الوجه الآخر للشيخ فاهم، والذي قد لا يعرفه الكثيرون خارج الإمارات هو أن جانبا كبيرا من اهتماماته، خارج مجال تخصصه العلمي، ينصب على رياضة الغولف التي يهواها ويعشقها بصفة خاصة. ذلك العشق الذي دفعه إلى نشر هذه الرياضة الراقية في بلاده، وتخصيص برامج للبحث عن المواهب بالتعاون مع موانئ دبي العالمية وأكاديمية تطوير الأداء في عقارات جميرا والمدارس المختلفة من أجل تشكيل جيل من اللاعبين كي ينافسوا أبطال اللعبة باسم دولة الإمارات. ومما لاشك فيه أن جهود الرجل أتت أكلها. حيث نجد تجليات ذلك، طبقا لصحيفة البيان (13 /‏11 /‏2017)، في رئاسته للاتحاد الإماراتي للغولف، وانتخابه منذ عام 2009 لدورتين متتاليتين كرئيس للاتحاد العربي لرياضة الغولف، واستضافة الإمارات لمقر الاتحاد العربي لدورتين متتاليتين، ناهيك عن تقلد الإماراتي عادل الزرعوني منصب الأمين العام للاتحاد العربي وحصول مواطنه خالد مبارك الشامسي على عضوية اللجنة التنظيمية الخليجية للغولف، علاوة على ارتفاع أعداد ممارسي الغولف في الإمارات من المواطنين والوافدين، وفوز الإمارات بذهبية فردي خليجي للناشئين، واحتفاظ فريقها للسيدات بذهبية الفردي والفرق للعام الثاني على التوالي، واستضافة الإمارات في عام 2015 لمسابقات «كأس نيمورا» العالمية كأول بلد شرق أوسطي يحظى بهذا الشرف، ومشاركة لاعبين ولاعبات من الإمارات في بطولة كأس آسيا للغولف بنيوزيلندا، وبطولات آسيا والمحيط الهادئ للناشئين.