تتعدّد عوالم الإنترنت بين ما هو ظاهر للعيان وما هو خفي. بينما يتصفح الملايين الشبكة التقليدية في حياتهم اليومية، يغوص آخرون في عالم مظلم لا يدركه كثيرون، يُعرف بـ«دارك ويب»، فهذا الجزء من الإنترنت لا يمكن الوصول إليه عبر محركات البحث المعتادة، ولا تُفهرسه الأنظمة التقليدية، بل يتطلب متصفحات وبرامج متخصصة تتيح إخفاء الهوية والوصول إلى محتوى غير ظاهر للعامة.

ورغم أن «دارك ويب» قد يُستخدم في بعض الأنشطة القانونية، إلا أنه ارتبط بشكل واسع بالأنشطة الإجرامية والممارسات المخالفة للأنظمة، ما جعله بيئة خصبة للاحتيال والمحتوى غير المشروع، ومصدراً لمخاطر سيبرانية وأمنية كبيرة.

وصُمّم هذا الفضاء الرقمي ليضمن سرية العمليات التي تُجرى داخله، وحماية هوية مستخدميه، الأمر الذي جعله ملاذاً لمن يسعون لإخفاء أنشطتهم بعيداً عن أعين الرقابة ومحركات البحث.

في المقابل، يظل كثير من الناس، خصوصاً الأسر والشباب، غير مدركين لطبيعة هذا العالم المظلم، أو كيفية استغلاله من قبل الشبكات الإجرامية، أو حجم التهديدات التي قد تطالهم عند الولوج إليه، وما قد يسبّبه من مخاطر على النشء في حال الانجراف إلى أعماقه.

لماذا ينجرف القاصرون؟

خبير أمن المعلومات والأمن السيبراني فيصل السيف، يشير إلى وجود العديد من التساؤلات الجوهرية حول كيفية انجراف القاصرين إلى ارتكاب جرائم إلكترونية خطرة، والدور الذي يلعبه الفضاء الإلكتروني المظلم في تغذية هذا النوع من العنف المنظم، مشدّداً على أهمية رفع الوعي لدى النشء وتنبيههم إلى مخاطره.

وأوضح أن الإنترنت المظلم يُعد جزءاً مهماً من منظومة الإنترنت، إلا أن استخدامه ينطوي على مخاطر كبيرة، أبرزها احتمال انتهاك البيانات الشخصية، إذ تنتشر فيه الثغرات والروابط غير الآمنة التي تسهّل عمليات الاختراق والاستغلال. وأضاف أن «الويب المظلم» يمثل بيئة خصبة للأنشطة غير النظامية، نظراً لكونه جزءاً مخفياً من الشبكة لا يخضع للفهرسة التقليدية، ويتيح مستوى عالياً من إخفاء الهوية.

منصة لإخفاء الهوية

السيف بيّن أن الإنترنت العميق يشمل جميع المواقع غير المدرجة في محركات البحث، وبعض هذه المواقع تُعد أسواقاً غير تقليدية تُعرض فيها منتجات وخدمات مقلقة وغير نظامية، مثل الأسلحة، والسلع المقلدة، وبطاقات الائتمان المسروقة، والبيانات المخترقة، والبرمجيات الضارة، إضافة إلى بطاقات الهوية وجوازات السفر التي تُستغل بطرق غير قانونية.

وأشار إلى أن الويب المظلم يستضيف أنشطة قانونية وأخرى غير قانونية، ويوفّر بيئة لإخفاء الهوية، لكنه في الوقت ذاته يحمل مخاطر جسيمة، من بينها عمليات الاحتيال والمحتوى غير المشروع. ويمكن النظر إليه بوصفه مساحة يلجأ إليها من يسعون للبقاء مجهولين، سواءً لممارسة الاحتيال أو للمشاركة في أسواق ومنتديات محظورة.

وشدّد السيف على أن سمعة الويب المظلم ارتبطت بشكل كبير بالنوايا الإجرامية والمحتوى غير القانوني، مضيفاً أنه حتى عند استخدامه بدافع الخصوصية، يبقى السؤال قائماً: هل استخدام الويب المظلم خطير؟ ليؤكد أن الإجابة للأسف نعم، فهو يحمل تهديدات واسعة أبرزها البرمجيات الخبيثة المنتشرة بكثافة، والتي تُستخدم لشن هجمات إلكترونية أو لإصابة المستخدمين غير المنتبهين، كما يحدث في بقية أجزاء الإنترنت.

لا يلتزم بمعايير الحماية

خبير أمن المعلومات والأمن السيبراني فيصل السيف يضيف، أن الويب المظلم لا يلتزم بمعايير الحماية والأمن المتبعة في المواقع التقليدية، ما يجعل المستخدم عرضة لأنواع متعددة من البرمجيات الضارة، مثل برمجيات الفدية وبرمجيات التصيّد الاحتيالي.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن الدارك ويب جزء مخفي من شبكة الإنترنت العالمية لا تفهرسه محركات البحث التقليدية، ولا يمكن الوصول إليه إلا عبر تقنيات تشفير وبرمجيات خاصة مثل متصفح Tor، مما يجعله ساحة للأنشطة القانونية وغير القانونية على حد سواء، ويُميّزه تماماً عن الإنترنت السطحي (Clearnet).

بيع منتجات وهمية

في الجانب الأمني، يوضح الخبير الأمني اللواء متقاعد حسين الحارثي، لـ«عكاظ»، أن الخطورة التي تحيط بمستخدمي برمجيات دارك ويب كبيرة للغاية، إذ تعج هذه الشبكة بالفيروسات والبرمجيات الضارة التي تستهدف بيانات المستخدمين وتعرّضهم للاختراق والاستغلال. وأوضح أن شبكة الإنترنت المظلم تُعد بيئة خصبة لانتشار البرامج الخبيثة التي تعمل على سرقة البيانات، إلى جانب كونها منصة لتنفيذ عمليات الاحتيال والنصب بمختلف صورها.

وأشار إلى أن دارك ويب يُستخدم في بيع منتجات وهمية أو تقديم خدمات غير حقيقية، إضافة إلى الترويج لعمليات استثمار وهمية تستدرج الضحايا وتوقعهم في فخ الخسارة المالية. وأكد أن كثيراً من الضحايا يترددون في الإبلاغ عن تعرضهم للاحتيال، لأنهم في الأصل كانوا يسعون للحصول على خدمات غير قانونية، ما يجعلهم يفضلون الصمت خشية المساءلة أو الإحراج.

وشدّد الخبير الأمني اللواء الحارثي على أن هذه البيئة الإلكترونية المظلمة تمثل تهديداً مباشراً للمستخدمين، نظراً لغياب الضوابط الأمنية وانتشار المحتوى غير المشروع، ما يجعل التعامل معها محفوفاً بالمخاطر ويستدعي وعياً عالياً وتحذيراً مستمراً من الانجراف خلف ما تروّج له من خدمات أو منتجات مضللة.

تجريم التنصت الإلكتروني

في الجانب القانوني، يرى المحامي ماجد الأحمري، أن الجرائم الإلكترونية تُعد من أخطر الجرائم الحديثة، نظراً لتأثيرها المباشر على الأفراد والمجتمع والاقتصاد، مشيراً إلى أن القانون السعودي شدّد العقوبات على مرتكبيها لتصل إلى السجن لمدة قد تصل إلى 10 سنوات، وغرامات مالية تصل إلى 5 ملايين ريال، إضافة إلى مصادرة الأجهزة المستخدمة في ارتكاب الجريمة، وترحيل غير السعوديين بعد تنفيذ العقوبة.

وأوضح أن المادة الثالثة من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية نصّت على معاقبة كل من يرتكب جرائم معلوماتية بالسجن مدة لا تزيد على سنة، وبغرامة لا تزيد على 500 ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وتشمل هذه الجرائم: التنصت على ما يُرسل عبر الشبكة المعلوماتية أو أحد أجهزة الحاسب الآلي دون مسوغ نظامي، التقاط أو اعتراض البيانات والمعلومات بطرق غير مشروعة، الدخول غير المشروع لتهديد شخص أو ابتزازه لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه، حتى لو كان الفعل مشروعاً، الدخول غير المشروع إلى موقع إلكتروني لتغيير تصميمه أو إتلافه أو تعديله أو شغل عنوانه.

الإعداد والإرسال والتخزين

المحامي الأحمري يقول: إن المادة السادسة شدّدت العقوبات لتصل إلى السجن مدة لا تزيد على 5 سنوات، وغرامة لا تزيد على 3 ملايين ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وذلك لكل من يقوم بإنتاج أو إعداد أو إرسال أو تخزين أي محتوى يمس «النظام العام، القيم الدينية، الآداب العامة وحرمة الحياة الخاصة». وأشار إلى أن العقوبة ذاتها تُطبّق على من ينشئ أو ينشر مواقع إلكترونية تتعلق بـ«الاتجار بالبشر، تسهيل التعامل بالشبكات الإباحية، أنشطة الميسر المخلة بالآداب العامة ونشر المواد الإباحية أو الترويج لها»، كما تشمل العقوبات إنشاء أو نشر مواقع إلكترونية للاتجار بالمخدرات أو المؤثرات العقلية أو ترويجها أو شرح طرق تعاطيها أو تسهيل التعامل بها.

رفع الوعي المجتمعي

أكد القانوني الأحمري أن النظام شدّد العقوبة إلى السجن مدة لا تزيد على 10 سنوات وغرامة لا تزيد على 5 ملايين ريال لكل من ينشئ أو ينشر موقعاً إلكترونياً لمنظمات إرهابية، بهدف تسهيل الاتصال بقياداتها أو أعضائها، الترويج لأفكارها، تمويلها، ونشر طرق تصنيع المتفجرات أو الأدوات المستخدمة في الأعمال الإرهابية. وختم الأحمري بالتأكيد على أن القانون يتعامل بصرامة مع الجرائم الإلكترونية، نظراً لخطورتها واتساع نطاق تأثيرها، داعياً إلى رفع الوعي المجتمعي والالتزام بالأنظمة لحماية الأفراد والمؤسسات من مخاطر الفضاء الرقمي.