خادم الحرمين في حديث مع د. يوسف العثيمين.
خادم الحرمين في حديث مع د. يوسف العثيمين.




د. يوسف العثيمين
د. يوسف العثيمين


-A +A
حوار: محمد سعود (الرياض) mohamdsaud@
كشف الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي الدكتور يوسف العثيمين أن القمة الإسلامية المقرر إقامتها في مكة المكرمة الجمعة القادم، تعقد في وقت مهم تمر به الأمة الإسلامية، ويحظى اجتماعها بشرف المكان والزمان، لافتاً إلى أن عقد القمة في دورتها الرابعة عشرة في مكة المكرمة قلب العالم الإسلامي، يدل على المكانة الكبيرة للمملكة العربية السعودية في قلب كل مسلم وعربي. وقال العثيمين في حوار مع «عكاظ»: «نحن متفائلون بالخروج بنتائج تسهم في حل مشاكل العالم الإسلامي، وتؤكد في الوقت نفسه على قوة هذا التجمع في لمّ الشمل الإسلامي ووحدة الصف والمصير المشترك». وأضاف أن الموضوعات التي ستكون على طاولة القمة كثيرة وتصب في صالح الأمة، التي تواجه مع كل أسف تدخلات في شؤونها، وتواجه مخاطر الإرهاب والتطرف، الذي أصبح مهددا للمجتمعات جميعاً، وأيضاً سيكون ملف الإسلاموفوبيا حاضراً، إذ بات مقلقا وأسهم في زيادة أعمال العنف تجاه المسلمين في كثير من الدول.

• في البداية، كيف ترون استضافة المملكة للقمة الإسلامية وما توقعاتكم لنتائجها؟

•• أولاً أود أن أشيد بدعم حكومة المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان على الدعم الكبير الذي تلقاه المنظمة من المملكة كدولة مقر، ولاشك أن القمة الإسلامية تعقد في وقت مهم تمر به الأمة ويحظى اجتماعها بشرف المكان والزمان، وبكل تأكيد أن عقد هذه القمة في دورتها الرابعة عشرة في مكة المكرمة قلب العالم الإسلامي، يدل على المكانة الكبيرة للمملكة في قلب كل مسلم وعربي.

وكما هو معلوم فإن المنظمة حظيت بمكانة خاصة لدى المملكة وملوكها منذ مؤسس المنظمة، الملك فيصل طيب الله ثراه، وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، وهذا الأمر ليس بغريب فالمملكة أرض الحرمين الشريفين، ومهوى أفئدة المسلمين، مع حقيقة أن المنظمة هي التي تعبر عن صوتهم وهمومهم والتحديات التي تقف أمامهم، وتعتبر بيت المسلمين الجامع لهم. ونحن متفائلون بالخروج بنتائج تسهم في حل مشاكل العالم الإسلامي، وتؤكد في الوقت نفسه على قوة هذا التجمع في لمّ الشمل الإسلامي ووحدة الصف والمصير المشترك.

رسالة سلام ومحبة

• ما الموضوعات التي ستكون على طاولة القمة؟

•• كثيرة وتصب في صالح الأمة الإسلامية التي تواجه مع كل أسف تدخلات في شؤونها، وتواجه مخاطر الإرهاب والتطرف العنيف الذي أصبح مهددا للمجتمعات جميعاً، وأيضاً سيكون ملف الإسلاموفوبيا حاضراً، والذي بات مقلقا وأسهم في زيادة أعمال العنف تجاه المسلمين في كثير من الدول، وكان آخرها ما شهده العالم من جريمة إرهابية مروعة هزت نيوزيلندا بقتل 51 مسلماً بشكل بشع وغادر ولا ذنب لهم إلا أنهم مسلمون فقط.

وهناك بكل تأكيد حضور لقضية فلسطين التي تم تأسيس منظمة التعاون الإسلامي من أجلها وستبقى هي القضية الأولى حتى إنهاء الاحتلال الغاشم. ولا شك أن مكان وزمان انعقاد القمة له دلالته المهمة، فمكة المكرمة، هي أقدس المدن الإسلامية، والمملكة باستضافة القمة في مكة المكرمة في العشر الأواخر من رمضان ترسل مع شقيقاتها الدول الأعضاء إلى العالم رسالة سلام ومحبة وتضامن وتعاون من مهبط الوحي، ومن جوار بيت الله الحرام.

ظاهرة الإسلاموفوبيا

• انتقدتم كثيراً ظاهرة الإسلاموفوبيا، ما الحلول في التعامل معها بوجهة نظرك؟

•• هذه الظاهرة أثرت كثيراً على وضع المسلمين في الدول غير الإسلامية وعلى نمط حياتهم، بل أصبح الكثير منهم يتعرض للإساءة مع أنه يعيش في بلده الذي يحمل جنسيته، ويسهم في أمنه وتنميته، وليس لتقصير فيه أو مخالفة لقوانين بلده وإنما لأنه مسلم، وهذه مأساة كبيرة في نظرنا تسبب فيها الخطاب العنصري البغيض الذي استمر لسنوات عدة، وتسبب في ما بعد بالهجمات الإرهابية الأخيرة في نيوزيلندا التي طالت مسجدين في مدينة كرايس تشيرش، وراح ضحيتها 51 مسلماً آمناً.

وظاهرة الإسلاموفوبيا في أصلها تعتبر من الملفات المهمة على طاولة المنظمة بحكمها مظلة تجمع 57 دولة إسلامية ومن مسؤولياتها أن تبلور أهداف وتوقعات هذه الدول، ومسؤولية الأمانة العامة أن تقوم بتنفيذ ما تتخذه الدول الأعضاء من قرارات.

ولا شك أن ظاهرة كراهية الإسلام ليست مسألة تهم الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي فقط، بل هي بالأحرى قضية تهم البشرية جمعاء وتمثل تهديدا للسلم والأمن الدوليين، ومن ثم لا يمكن مكافحة هذه الظاهرة المرضية إلا بتعاون وشراكة دولية.

والمنظمة أسست في عام 2007 مرصداً خاصاً لرصد الظاهرة والعمل على وضع سياسات التصدي لها ومكافحتها انطلاقا من ميثاقها وتطبيقا لقرارات وزراء الخارجية للدول الأعضاء، ويعمل المرصد منذ تاريخ تأسيسه على إصدار تقارير دورية توزع على الدول الأعضاء في اجتماعات وزراء الخارجية بغية الوقوف على حقيقة الظاهرة ورصد مدى توسعها وانحسارها ومدى أثرها على المجتمعات المسلمة في الدول غير الإسلامية.

ويهدف المرصد إلى تتبع مد وجزر هذه الظاهرة لتحذير الدول الأعضاء من المخاطر الناتجة والمتوقعة لها. كما ينظم المرصد اجتماعات دورية وندوات في العديد من الدول للتوعية بمخاطر الإسلاموفوبيا ومناقشة القوانين والسياسات. ونبه المركز من خطر وقوع بعض الاعتداءات قبل حادثة نيوزيلندا بنحو أسبوعين، إذ أصدر المركز تنبيها من تصاعد وتيرة الإسلاموفوبيا واحتمال ازدياد عدد الاعتداءات على المساجد وعلى المسلمين وهو ما حدث مع كل أسف.

تفتيت وهياكل هشة

• هل تعتقدون أن وسائل التقنية الجديدة لها دور في ذلك؟

•• طبعاً، وهذه من أهم الوسائل التي يستخدمها أصحاب الفكر الخبيث، وينشرونه حول العالم ويلتقطون الشبان من كل الدول للتحريض وبث الكراهية، وبعض المواقع على الإنترنت في بعض دول العالم تبث السموم مع كل أسف ولا تخضع للرقابة. ونحن في المنظمة حذرنا كثيراً من خطر مواقع الإنترنت المنفلتة في التحريض والتخطيط للجرائم، ودعونا كثيراً لمواجهة ما يطرح من أفكار هدامة واعتراضها. والمنظمة تطالب دوماً بسن تشريعات حازمة تحكم الفضاء الإلكتروني الذي تحوّل إلى ساحة لتفريخ الأفكار المتطرفة، ولا بد من خطوات وقائية عاجلة ولازمة لاحتواء العنف والإرهاب.

• كيف تنظرون للوضع الذي تمر به الأمة الإسلامية حالياً، وما موقفكم من التدخلات وحالة الفوضى التي تعيشها بعض الدول الأعضاء؟

•• نحن في المنظمة نؤكد رفضنا الدائم للتدخلات في شؤون الدول الأعضاء بمختلف التوجهات، ولاشك أن الموجة التي انطلقت في 2011 أثرت على وضع الأمة الإسلامية وأحدثت نوعا من عدم الاستقرار وكانت أبعادها خطيرة على المواطن المسلم، إذ تعرضت كثير من البلدان لحالة من التفتيت الاجتماعي وفقدان الأمن، وإيجاد هياكل هشة ولاتزال المجتمعات الإسلامية تعاني منها حتى الآن مع كل أسف. والمنظمة أمام هذا العنف والفوضى والتدمير الذي تواجهه بعض الدول الأعضاء، تقف ثابتة وفي موقف قوي مع شرعيات هذه الدول للحفاظ على تماسكها من الانهيار ومساعدتها في الخروج من الوضع المتردي.

مركز صوت الحكمة

• هل أنتم راضون على ما تقدمه الدول الأعضاء في المنظمة من جهود لمكافحة الإرهاب؟

•• نعتبر أن قضايا الإرهاب هي أخطر القضايا التي تواجهها المجتمعات المسلمة، ونعمل دوماً على مكافحتها بسن الأنظمة والقرارات من خلال القمم والاجتماعات الوزارية التي تتم، أيضاً مساندة الدول الأعضاء التي أطلقت برامجها ومراكزها الفكرية الخاصة لمكافحة الإرهاب مثل المملكة العربية السعودية التي دشنت المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف «اعتدال» في الرياض ودولة الإمارات العربية التي أطلقت مركز هداية لمكافحة التطرف العنيف، وغيرها من المراكز التي تحتضنها الدول الأعضاء.

وعلى مستوى القرارات السياسية التي أصدرناها فقد بلغ عدد ما أصدرته المنظمة من قرارات سياسية تتعلق بالتصدي للإرهاب والتطرف ما يزيد على 53 قراراً وافقت عليها مؤتمرات القمة الإسلامية ومؤتمرات وزراء خارجية الدول الأعضاء، هذا على الصعيد السياسي والقانوني.

• ما مركز «صوت الحكمة» الذي تحتضنه المنظمة؟

•• كانت للمنظمة تجربة متميزة في البحث عن حلول لتنقية أفكار الشبان المسلمين من الأفكار التي اعتنقها بعضهم لأسباب كثيرة، وكان من الضرورة إنشاء مركز فكري حديث يقدم أسلوبا جديدا لمواجهة التطرف والإرهاب على الصعيد الفكري والثقافي، وهو ما دعا المنظمة إلى تأسيس مركز متخصص في التصدي للخطاب العنيف تحت اسم «مركز صوت الحكمة» ومن مهامه لعب دور في المقارعة الفكرية والشرعية والعقدية لفكر التيارات المنحرفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما يعمل على التعريف بجهود الدول الأعضاء في مكافحة التطرف والإرهاب، وإبراز أفضل الممارسات في التصدي لخطاب العنف والإقصاء. وقد أصدر المركز العديد من المواد العلمية والإعلامية التي تتمحور حول نقض الأسس الفكرية والدينية للتيارات المتطرفة، ونظم العديد من الندوات والمؤتمرات الدولية التي تناقش قضايا متخصصة تتعلق بالتصدي للتطرف والإرهاب.

مهرجانات المنظمة

• أقمتم نسختين من مهرجان منظمة التعاون الإسلامي أخيراً في مصر والإمارات، ما الرسالة لهذه المهرجانات؟

•• الحقيقة فكرة هذه المهرجانات هي الوصول إلى المسلم البسيط بأسلوب جديد بعيد عن الطرق الرسمية المعتادة، وأطلقنا المهرجان الأول في جمهورية مصر العربية والثاني في دولة الإمارات العربية المتحدة وحققت الدورتان نجاحا ملحوظا وسجلت الوصول إلى أكبر قدر من الجمهور. وكان المهرجان يقدم ندوات وفعاليات ثقافية وفنية ورياضية وأدبية وشعرية وسياسية، بالإضافة إلى الفكرة الأهم منه وهو إبراز مكنونات الدول الإسلامية للعالم وللشعوب الأخرى لتتعرف على العادات والتقاليد الإسلامية. واستطعنا أيضاً أن نوجه رسالة للعالم أن الإسلام دين ضد التطرف والعنف والإرهاب ولا يتعارض مع الثقافة والفنون والأدب والفلكلور وغيرها من تراث الشعوب.

وخرجنا من هذه المهرجانات بالتأكيد على صلابة العلاقات الأخوية بين الدول الأعضاء، وضرورة مواصلة العمل على تعزيز التضامن بمستوياته كافة بين الشعوب على أساس وحدة العقيدة، وتنوع الألسنة والثقافات والموروثات الشعبية، لتوجيه رسالة واضحة للعالم أجمع، هي أن الاختلاف لا يعني الخلاف، وأن التنوع الثقافي، هو حقيقة مصدر قوة وثراء يسهم ويؤثر إيجابا على تعاضدنا وتضامننا.

رؤية 2030

• ما رؤيتكم لحالة التحديث التي تعيشها المملكة حالياً، من خلال رؤية 2030 التي يشرف عليها ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان، ودعوته دائماً لنشر الإسلام الصحيح المعتدل؟

•• المنظمة تثمن الدور السعودي على المستوى العالمي، والسعودية عندما أعلنت رؤيتها الطموحة والتي يشرف عليها ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان ثمنت المنظمة ذلك، واعتبرت أنه تعزيز لدور المملكة في العالم، وتتوافق هذه الرؤية مع أهداف وميثاق المنظمة الداعي إلى التعايش والوسطية وتقديم الصورة الصحيحة عن الإسلام الصافي المعتدل.

وأشرت سابقاً في مناسبات عدة، أن الرؤية تقوم على ثلاثة مرتكزات تتمثل في العمق العربي والإسلامي، والقوة الاستثمارية، وأهمية الموقع الجغرافي الإستراتيجي للمملكة الدولة المؤسسة لمنظمة التعاون الإسلامي، وبدأت المملكة بالفعل في تنفيذ العديد من البرامج التي تسهم في بناء هذه الرؤية التي من بينها على سبيل المثال برامج تحقيق التوازن المالي، وإدارة المشروعات، ومراجعة الأنظمة، وقياس الأداء. ثم إن المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين ومتابعة ولي العهد أطلقت مجموعة من البرامج التنفيذية الهادفة لتحقيق الرؤية التي من ضمنها برنامج تعزيز حوكمة العمل الحكومي، حيث يأتي هذا في صلب ما يهدف له ميثاق منظمة التعاون الإسلامي وبرنامج عملها اللذان يحثان الدول الأعضاء على تعزيز دعائم الحكم الرشيد. لذلك فإن الجهود الحثيثة والهادفة لولي العهد تدعم مباشرة رسالة منظمة التعاون الإسلامي في مختلف البرامج والتوجهات التي تضطلع بها المنظمة والتي يأتي من ضمنها الحوار والتعايش.