تتكرر في أواخر شهر رمضان من كل عام، مشاهد باتت مألوفة لدى كثير من الناس، إذ تُعرض أكياس الأرز المخصصة لزكاة الفطر على الأرصفة وأمام المحال التجارية، وتتحلّق حولها مجموعات من الأشخاص الذين ينتظرون خروج المتصدّقين. وما إن يقترب أحد المزكّين حتى تتعالى الأصوات مطالبةً بنصيب من الزكاة، في مشهد يبدو لأول وهلة تعبيراً مباشراً عن الحاجة، لكنه في الحقيقة يخفي خلفه ممارسات غير منضبطة تُفقد الزكاة معناها الحقيقي الذي شُرعت من أجله.

فالمشكلة الأساسية لا تكمن في وجود المحتاجين، بل في أن جزءاً من هؤلاء الذين يتلقّون الزكاة يقومون فوراً ببيعها للبائع نفسه أو لغيره، لتعود السلعة إلى البسطة وتُعرض من جديد، فيتحول الأمر إلى دائرة تجارية مغلقة لا يستفيد منها المحتاج الحقيقي. وهكذا تصبح الزكاة، التي شرعها الله لإغناء الفقير يوم العيد، وسيلة ربح سريع لبعض الأشخاص الذين يستغلون العاطفة الدينية للناس في هذا الموسم.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فمشاهد عرض الزكاة وبيعها على الأرصفة تخلق فوضى في المشهد العام، وتشوه صورة العمل الخيري الذي يفترض أن يكون منظماً ويحفظ كرامة المحتاج. كما أن اختلاط المستحق بغير المستحق يجعل المتصدّق في حيرة من أمره، وقد يدفعه ذلك إلى إعطاء زكاته لمن لا يستحقها فعلاً، وهو ما يضيع المقصد الشرعي ويضعف أثر الزكاة في المجتمع.

وللحد من هذه الظاهرة، يرى المختصون ضرورة توجيه الزكاة عبر قنوات موثوقة، مثل الجمعيات الرسمية أو الجهات المعتمدة التي تتولى إيصالها إلى مستحقيها الحقيقيين. كما يؤكدون أهمية نشر الوعي بين الناس بأن الزكاة عبادة لها ضوابط، وأن حسن النية وحده لا يكفي إذا لم يصل الحق إلى أهله، فمعالجة هذه الظاهرة لا تتطلب فقط تنظيماً رسمياً، بل تحتاج أيضاً إلى وعي اجتماعي يجعل من الزكاة وسيلة رحمة حقيقية، لا حلقة بيع وشراء تتكرر كل عام.

وتسعى الفرق الرقابية سنوياً لمراقبة عناصر بيع الزكاة والحد من العشوائية، بإطلاق حملات رقابية ميدانية موسعة على الباعة المتجولين الذين يعرضون الأرز المخصص لزكاة الفطر في عدد من الأحياء وعلى الأرصفة والشوارع، مستغلين قرب عيد الفطر المبارك.

حيرة وشك

كشف عدد من المواطنين أنهم يشعرون بتأنيب الضمير تجاه هذه الممارسات، خصوصاً بعد أن لاحظوا أن الزكاة تُباع وتُعاد إلى البسطات نفسها، مما جعلهم يتساءلون عن مدى قبول هذا التصرف شرعاً، وعن حقيقة الأجر الذي ينالونه، هذا الشعور دفع بعضهم إلى تسليم زكاتهم للجمعيات الخيرية التي تعتمد على التنظيم الرقمي والحَوْكمة الخاضعة لرقابة الجهات المعنية.

ويقول سلطان العتيبي إنه شاهد بنفسه عملية تدوير الزكاة في الأعوام الماضية، إذ كان يرى الأرز يُسلّم ثم يُعاد بيعه في اللحظة نفسها، مما جعله يشك في أن أصحاب البسطات العشوائية يحققون مكاسب كبيرة من هذا السلوك.

أما نواف العجمي، فقد قرر عدم دفع الزكاة إلا لمستحقيها الحقيقيين، وأصبح يسلمها سنوياً لإحدى الجمعيات الخيرية التي يثق بها. ويضيف ماجد البقمي أن مشاهد البسطات العشوائية لزكاة الفطر تشكل تشوهاً بصرياً سنوياً وتربك المارة، بينما يتمنى فيصل الزايدي أن يتم تخصيص أكشاك مؤقتة عبر البلديات وفق ضوابط واضحة تسهم في معالجة العشوائية والقضاء على مسألة التدوير المصطنعة، مع إخضاع المعروض للرقابة من حيث سلامة التغليف وتواريخ الانتهاء.

تجدد الثقة

وقال المستشار في القطاع غير الربحي حامد حنيف العتيبي: إن الثقة تتجدد سنوياً في الجمعيات الأهلية وقدرتها على إيصال زكاة الفطر لمستحقيها من خلال حوكمة رشيدة وإشراف إداري وفني من قطاعات حكومية تعزز الثقة. وأشار إلى حملة «لا تتبرع إلا بأمان» التي أطلقها المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي لتعزيز التبرع الآمن للجمعيات الرسمية.

وأوضح العتيبي أن قوة الجمعيات الأهلية تستند إلى أربع ركائز أساسية: الامتثال الرقمي عبر منصات وطنية موحدة مثل منصة إحسان، إذ يتم ضبط التدفقات المالية وتوثيق العمليات لحظياً، إدارة بيانات المستفيدين عبر قواعد بيانات محدثة وربط تقني مع الجهات ذات العلاقة لضمان وصول الزكاة للأسر الأشد حاجة، الرقابة والتدقيق على عمليات شراء وتخزين وتوزيع الأرز بما يضمن مطابقة المواصفات الفنية والشرعية، الشفافية التشغيلية عبر تقارير توضح أعداد المستفيدين والكميات الموزعة.

توقيت الإيصال

وأكد مدير عام جمعية نماء الأهلية فيصل الحميد، أن الجمعية تمتلك خبرات رائدة في تنفيذ مشروع زكاة الفطر سنوياً، وتطبق أدق الإجراءات للراغبين في توكيلها. وأوضح أن الجمعية تعمل بمنظومة رقمية متكاملة من لحظة التوكيل حتى التسليم، عبر قنوات تقنية آمنة مرتبطة بقاعدة بيانات المستفيدين، وتضمن إيصال الزكاة في وقتها الشرعي خلال آخر ليلتين من رمضان وقبل صلاة العيد.

وأضاف الحميد أن الزكاة تُخرج عيناً أرزاً، ويتم اختيار الموردين مبكراً عبر لجان مختصة، ثم تُسلّم للمستفيدين في المحافظات والقرى بالتعاون مع الجمعيات الشريكة.

تنمية التكافل

وأوضح الإخصائي الاجتماعي جالي العتيبي أن زكاة الفطر صورة من صور التكافل والتضامن الاجتماعي التي يحث عليها الدين الحنيف، وسار عليها المجتمع منذ عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام. وهي كغيرها من المظاهر الاجتماعية تحتاج إلى التنظيم عبر تسليمها للجمعيات والجهات الرسمية التي تحقق هدفها الاجتماعي.

وبيّن العتيبي أن تسليم الزكاة للجمعيات يسهم في تنمية روح التكافل، وتزكية النفس من الشح، وغرس المسؤولية تجاه المحتاجين، وتعزيز قيمة العطاء، وسد حاجة الفقراء قبل العيد، ونشر الفرح بينهم، وتقوية أواصر التضامن الاجتماعي بسرية تحفظ كرامتهم. كما أشار إلى أن الجمعيات تعمل وفق قواعد بيانات دقيقة أُعدت بدراسة اجتماعية لتحديد الأسر الأشد حاجة، مما يضمن عدالة التوزيع وسرعة الوصول ويعزز الشفافية والثقة بين المزكين والجهات الخيرية.

المنظومة الرقمية

وأوضح مدير الاتصال المؤسسي بجمعية البر بالمنطقة الشرقية همدان الراشدي، أن الجمعية انتقلت خلال 10 سنوات من نموذج تقليدي إلى منظومة تشغيل رقمية متكاملة. وأشار إلى أن البرنامج شهد تحولاً رقمياً كاملاً في استقبال التوكيل وإدارة التوزيع عبر منصة موحدة؛ ما أسهم في تقليل الازدواجية بنسبة 90% ورفع نسبة الأتمتة إلى 100%.

وبيّن الراشدي أن البرنامج ركز على حفظ كرامة المستفيد عبر تنظيم آلية الاستلام من خلال مراكز وأسواق معتمدة تمنح خصوصية ومرونة بعيداً عن مظاهر العشوائية.

البيع العشوائي

وقال عضو هيئة التدريس بجامعة الباحة الدكتور مطير الزهراني: ينبغي النظر إلى المسألة في سياقها الكامل بعيداً عن الانفعال اللحظي؛ لأن الحكم على الظواهر الاجتماعية من زاوية واحدة قد يحجب أبعادها الحقيقية. فالدافع الإنساني وراء إخراج الزكاة مباشرة صادق ومقدّر، وهو امتداد لضمير حي يتحرك حين يرى الحاجة رأي العين، ولذلك فإن التفاعل الفوري مع المحتاج يظل سلوكاً مفهوماً ومحل احترام.

وأضاف الزهراني أن الانتقال من المشهد الفردي إلى زاوية العمل المؤسسي يكشف أن الصورة أوسع وأعمق؛ فالجمعيات الخيرية اليوم لا تعمل بعفوية، وإنما وفق قواعد بيانات محدثة وزيارات ميدانية وتقييم دقيق للحالات يعقبه إشراف ومتابعة. وبذلك يتحول العطاء من استجابة عاطفية آنية إلى مسار منظم يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه ويمنع الازدواجية ويعزز كفاءة الإنفاق.

وأشار إلى أن تداول الزكاة في محيطات البيع العشوائي يؤدي غالباً إلى اختزالها في أثر لحظي محدود، إذ تدور في دورة قصيرة لا تمنح الأسرة المحتاجة فرصة للاستقرار أو التحسن الحقيقي. ومن هنا يتضح أن الفارق بين العطاء المنظم والعطاء العابر يتجلى في نتائجهما الممتدة لا في نيات أصحابهما، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب رفع مستوى الوعي بأهمية تمرير الزكاة عبر القنوات الموثوقة والمعتمدة؛ لأن جودة الإدارة هي التي تصنع الأثر المستدام وتصون كرامة المستفيد وتحقق المقصد الشرعي والاجتماعي للزكاة.

أعلى معايير الحوكمة

وقال الأكاديمي المتخصص في الاتصال والإعلام ياسر المالكي: إن الثقة عامل مهم لتحقيق غايات العمل الخيري، وقد واجهت القطاعات الخيرية عالمياً تحديات بسبب سوء استخدام أموال المانحين. وفي ظل هذا التحدي برزت المؤسسات الحكومية في المملكة كجهات موثوقة تعتمد الضبط لضمان وصول أموال المانحين إلى مستحقيها.

وأضاف المالكي أن الاعتماد على القنوات الرسمية يسهم في القضاء على الظواهر السلبية مثل الازدحام وظهور السوق السوداء، مؤكداً أن توجيه المجتمع نحو الجهات الرسمية مسؤولية تربوية وإعلامية، في ظل نجاح المملكة في إدارة العمل الحكومي والمؤسسات الخيرية.

مقدار الزكاة

وأوضح عضو هيئة كبار العلماء الشيخ عبدالله المطلق أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر أن زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث، فهي تزكيه وتكمل صيامه، وقد فرضها على عموم المسلمين لتُدفع لمن لا يجدون ما يكفيهم. وأشار إلى أنه يجوز للمسلم إخراجها عن نفسه وعن أولاده، مبيناً أن فرضها كان بعد قيام الدولة الإسلامية في المدينة مواساةً للفقراء وإدخالاً للسرور عليهم يوم العيد. وأضاف الشيخ المطلق أن مقدارها صاع نبوي يُقدَّر حالياً بنحو ثلاثة كيلوغرامات، وهو مقدار يزيد على الصاع احتياطاً، مشدداً على ضرورة إخراجها قبل صلاة العيد وعدم تأخيرها إلى ما بعد الصلاة، حتى يتمكن الفقراء من الانتفاع بها واستقبال العيد بفرح. كما أوضح أنه يجوز إخراجها قبل العيد بيومين، أي ابتداءً من يوم 28 رمضان.