اسماء فرنان
اسماء فرنان


-A +A
أسماء فرنان (باريس) Okaz_online@
في باريس، هذه المدينة القديمة، لا يخلو شارع فيها إلا ومدّ أواصره للتاريخ أو الأدب أو العلوم، 6500 اسم سميت بها شوارع باريس لتمد جسورا بين الماضي والحاضر. العرب لهم نصيبهم في هذه الشوارع، فتعود تسمية بعض الشوارع لأسماء مغاربية. ففي الدوائر الباريسية، هناك العديد من الشوارع لها أسماء عربية، مثل شارع طنجة، وشارع الجزائر أو بئر الحكيم أو الأمير عبدالقادر، وكل هذه الأسماء الموجودة على لوحات الشوارع والطرقات لا تثير الجدل ولا التذمر من قبل الفرنسيين. يشير الدليل الطبوغرافي الذي حل محل (الدليل الحبوسي للطرق والشوارع) إلى وجود مليون و500 مسار وأكثر من 5 ملايين شارع أو موقع بأسماء مختلفة لها علاقة بالتاريخ الفرنسي.

فكثيرا ما نجد في فرنسا أن الشوارع تحمل أسماء أدباء وعلماء ومثقفين وسياسيين وعسكريين. وبعض هؤلاء العسكريين يثيرون موجة غضب من قبل النخب التي تطالب السلطات الفرنسية بإزالة بعض التماثيل ولوحات شوارع لرموز لها تاريخ أسود.

فالطبقة النخبوية والجمعيات المدافعة عن حقوق الإنسان، والمناهضة للعنصرية في فرنسا، تنتقد على نطاق واسع أسماء لبعض شوارع لها علاقة بالماضي الاستعماري الفرنسي. يأتي في مقدمة هذه الرموز أو الأسماء جون باتيست كولبار، واحد من الذين أنشأوا المستعمرات وقنن للعبودية الفرنسية في تلك المستعمرات، يعرف بأنه مؤسس نظام العبودية في القرن السابع عشر، حيث كان وزيرا في عهد لويس الرابع عشر. ولأن اسم كولبار يطلق على المؤسسات التربوية وعلى شوارع بمدن فرنسية إحداها بالدائرة العاشرة، فقد رُفعت شكاوى من فرنسيين أنفسهم تطالب بإزاحة اسمه من الأماكن العامة وإزالة تمثاله المنصب أمام البرلمان الفرنسي. أسماء أخرى بشوارع المدن الفرنسية كانت ولا تزال مثار جدل بين الجمعيات المدافعة عن الحق العام والمنظمات الحقوقية، أكثرها أسماء لرموز العبودية في الماضي. الماريشال غالياني، يطلق على الكثير من الشوارع والأحياء الفرنسية، قائد عسكري فرنسي، شارك في بداية الحرب العالمية الأولى، وأباد الكثير من الأسر ويعتبر أحد رموز التعذيب في المستعمرات الأفريقية. يقام له تمثال في الدائرة السابعة بالعاصمة الفرنسية باريس. التمثال عبارة عن مجسد لغالياني بلباسه العسكري، وتحت قدميه بنفس المجسد ترزح امرأة سوداء عارية، وهو دليل على تكريسه للعبودية في المستعمرات الأفريقية، وهذا النُصب يثير سخط كل من يراه، الأمر الذي دفع بالجمعيات والمثقفين لرفع دعاوى قضائية من أجل إزاحة التمثال. وفي الدائرة السادسة عشرة، يثير شارع بيجو «Bugeaud» سخط المغاربة والجمعيات المناهضة للاستعمار، فبيجو أباد الجزائريين وكان قائدا للمحرقة التي تعرض لها الجزائريون، وكذلك حملات القتل والتعذيب إبان الاستعمار الفرنسي للجزائر. وبالإضافة إلى بيجو، هناك شوارع ومحطات قطار ارتبط اسمها بأسماء رموز الاستعمار والإبادة، وقد رافعت منظمة اليونسكو من أجل تنحية هذه الأسماء من على شوارع فرنسية منها محطة الميترو دوغومييه Dugommier، الذي يعتبر أحد المستعبدين للإنسان في عهده. وقد طالبت اليونسكو السلطات الفرنسية بنزع أسماء رموز العبودية في الماضي الفرنسي. هذا الجدل المتعلق برموز تاريخية التي تطلق على أسماء شوارع أو يقام لها نصب في الساحات العمومية، ليس جديدا في المشهد العام الفرنسي، فعلى مدار التاريخ الفرنسي وتعاقب الجمهوريات، كان مشهد تحطيم النصب ونزع لوحات أسماء الشوارع يتكرر، ففي الجمهورية الثالثة، أقامت السلطات الفرنسية حملة لإزالة تسمية بعض الشوارع التي تثير السخط والجدل وكذلك بالنسبة للنصب التاريخية. فمثلا اسم العسكري والدبلوماسي الفرنسي الماريشال بيته Pétain لم يعد له ذكر في شوارع فرنسا وأزيح النصب الذي أقيم له بعد مطالبة الجمعيات التي عرضت ماضيه السيئ، وأقيمت حملات لعدم تمجيده. أسماء كثيرة توجد على لوحات شوارع مدن فرنسية لها ارتباط وثيق بماضي فرنسا الكولونيالية، هذه الرموز الموجودة في الساحات وعلى لوحات الشوارع والطرق والمحطات، هي محل جدل ونقاش من أجل إعادة النظر فيها، فالمختصون يربطون هذه الأسماء المرتبطة بالشأن العام، بضرورة اعتراف فرنسا بماضيها الكولونيالي. وفي هذا السياق، وأثناء خطابه في 14 جوان 2020، قال الرئيس الفرنسي، ردا على المطالبين بمسح أسماء من على شوارع مدن فرنسية، لها ماض تعيس، قال «لن تمحو الجمهورية أي أثر أو أي اسم من تاريخها». المؤرخ باسكال بلانشير، الذي اعتبر أن «هذه الرموز هي صفحة سوداء في تاريخ فرنسا، وأن الجمهوريات المتعاقبة لم تدرك حجم كارثية تمجيد هذه الرموز ومضت تطلق أسماء على شوارع وطرقات المدن الفرنسية دون أن تستوعب حجم الخطر. فاليوم لم تعد الأجيال تغض الطرف عن هذه الأسماء ولذلك من الضروري اتباع الطرق البيداغوجية في التعريف بالأسماء التي أساءت لتاريخ فرنسا وكشف الحقيقة للعلن».