-A +A
عدنان الشبراوي (جدة) Adnanshabrawi@
لم تردع السنوات التي قضاها كثيرون من متهمي تشغيل الأموال في ما يعرف باسم المساهمات، وراء القضبان، عددا من هواة الثراء السريع، للتراجع عن محاولاتهم وخططهم لبدء مسارات جديدة في ذات اتجاه النصب والاحتيال.

ومع أن التاريخ القريب يسجل أن مليارات سجلت باسم مساهمات وهمية سواء في سوا أو البيض والعسل والبورصة والعقار وشقق التمليك، إلا أن ما تنظره 4 محاكم سعودية حاليا يؤكد أن الحيل مستمرة رغبة في الغنى الفاحش بأي وسيلة.

وحسب المعلومات التي اطلعت عليها «عكاظ»، فإن بطل المساهمة الأخيرة التي حملت مسمى «مساهمات التجارة الإلكترونية والبرمجيات»، هو شاب لم يتعد الثلاثينات من عمره، صاحب سوابق جمع 370 مليون ريال في أشهر معدودات من عدد من المساهمين، أوهمهم بأنه سيستثمر أموالهم ويوظفها في شركات وبورصات عالمية في مجال البرمجيات.

وأكدت المصادر أن المحكمة الجزائية قررت أخيرا الإبقاء على حبس 4 متهمين «3 سعوديين ومقيم سوري».

وفي المحاكمات اتضح أن حياة الشاب تحولت إلى ثراء فاحش بسرعة، وبمساعدة متورطين معه، إذ استأجر مقراً سكنياً ومكتباً بقيمة مليون ريال سنوياً في أحد الأبراج على كورنيش جدة، وامتلك أكثر من 20 سيارة فارهة تزيد قيمتها الإجمالية على 40 مليون ريال.

واستعان المتهم، الذي أودع سجون جدة بعدد من المحاسبين والمستشارين والإداريين خلال تشغيل الأموال، وبدأ نشاطه بجمع مبالغ من مساهمين على أيام الأسبوع ما عدا يومي السبت والأحد، متخذاً من مسكنه في البرج الشهير مقرا لنشاطه، متنقلا بأكثر من 10 سيارات فارهة من نوع روزرايز وبنتلي ومرسيدس ورانج روفر ولمبرجيني، والتي حولها إلى خزانة للنقود، إضافة إلى خزانته الحديدية في مكتبه.

وانطلت الحيلة على المساهمين، بعدما عمد المتهم إلى توزيع عمولات وأرباح مغرية لهم عبارة عن أرباح يومية، إذ كان يوزع يومياً مليون ريال على أكثر من 200 عميل، في حين كان يغطي أعماله المريبة بتوزيع مبالغ في مجالات خيرية لمساعدة المحتاجين.

وبعد القبض على المتهم زعم أن نشاطه في الوساطة المالية ولديه سجل تجاري ومرخص للتجارة الإلكترونية وتقنية المعلومات، ويملك خبرات في سوق العملات، لتتضح الحقيقة المرة، وأن المساهمين وقعوا في فخ النصب والاحتيال، ليموتوا من الغيظ، ولسان حالهم يقول «يا ليتنا ما فعلنا».

وأعادت هذه المحاكمات، إلى الواجهة المساهمات الشهيرة، مثل البورصة العالمية التي قدرت أموالها بأكثر من 700 مليون ريال، ومساهمات سوا التي جمعت أكثر من 3 مليارات ريال، منها مليونا ريال لـ 3 رؤساء مجموعات تحولوا إلى مشغلي أموال، ومساهمة ثالثة بمبلغ 1.3 مليار ريال تم خلالها جمع 148 ألف سهم، بزعم استثمارها في إنشاء مدينة ترفيهية على كورنيش جدة.

وقدرت بعض المصادر ضحايا المساهمات بأكثر من 150 ألف ضحية تتعدى إجمالي المبالغ لها بأكثر من 11 مليار ريال لأكثر من 12 مساهمة، في عدد من المجالات منها البيض والعسل والتمور والمساهمات العقارية والأجهزة الكهربائية.

واتهمت النيابة رؤساء المجموعات بالنصب والاحتيال وأكل أموال الناس بالباطل، بالإضافة إلى التعامل العشوائي مع الضحايا في جمع الأموال، وعدم وجود نظام محاسبي أو قانوني أو اقتصادي للتعامل مع هذه الأموال.

15 سنة.. و5000 يطاردون «الوهم»

رغم مضي نحو 15 عاما من حجز أموال وممتلكات لمشغل مساهمات الصريصري أو ما يعرف بمساهمات البورصة العالمية، ما زال مساهمون ينتظرون حتى الآن الحصول على مستحقاتهم، في وقت دققت المحكمة العليا نحو 150 ملفا من الدعاوى، وبيع عقارين اثنين في جدة والمدينة المنورة، وجارٍ استكمال الإجراءات لإعادة مستحقات 5000 مساهم يقودهم 30 رئيس مجموعة، منهم من توفي ومنهم من أصبح مقعدا. وكان المحكوم في المساهمة قد هرب وقبض عليه عبر «الإنتربول»، وأدانته محكمة جدة الجزائية بالنصب والاحتيال وأكل أموال الناس بالباطل، ليعاقب بالسجن 15 سنة والغرامة مليون ريال ومنعه من السفر لـ 10 سنوات، وقد ألف المحكوم كتابين اثنين من داخل السجن في كيفية استثمار الأموال، وأهدى نسخا منها إلى القضاة الذين باشروا قضيته وأصدروا عليه الأحكام. وجاء في صك الحكم أن مشغل المساهمات زعم أنه صاحب شركات ويدون لقب شيخ قبل اسمه لتسويق نفسه، وهو ليس شيخ علم ولا هو ذو منصب، بل إنه من أرباب السوابق وزعمه في إحدى المرات أن حجم استثماراته في البورصة العالمية بلغ 550 مليون دولار، وأنه يملك 60% من عدد من الشركات الأمريكية، وكذلك قناة فضائية ومدنا ترفيهية في أوروبا، وهي أقوال وصفتها المحكمة بالمرسلة والكذب والتضليل.

20 مليونا محجوزة على ذمة «الأجهوري»

علمت «عكاظ» أن محكمة جدة نقلت العام الماضي، إلى الهيئة العامة للولاية على أموال القاصرين، ملفات قضايا قديمة وديات لمتوفين محفوظة لدى بيت المال في جدة؛ من بينها أموال تتعلق بمساهمات الأجهوري القديمة، إذ يحتجر بيت المال سابقا (الهيئة العامة للولاية على أموال القاصرين)، ما يقارب 20 مليون ريال في مساهمة الأجهوري، خلاف عشرات الملايين محجوزة في ديات وإرث وحقوق.

وتعتبر مساهمات الأجهوري من أقدم المساهمات العقارية في المملكة، شهدت أكبر طفرة للعقار قبل نحو 35 عاما، شارك فيها أكثر من 10 آلاف مساهم، وظل صاحب المساهمة في السجن ما يقارب 25 عاما لسداد مستحقات مساهمين رغم امتلاكه عقارات داخل المملكة تفوق قيمة المساهمات العقارية وأموال المساهمين، وفق ما صرح به سابقا، بالإضافة إلى الممتلكات والعقارات خارج المملكة، وانتهت المساهمات بإعلان إفلاسه رغم امتلاك الأجهوري عقارات في مواقع متميزة واستثمارية بمئات الملايين من الريالات، إضافة إلى مشاريع سياحية وفندقية، وبيعت ملايين الأمتار من عقاراته في المزادات العلنية لإعادة مستحقات المساهمين.

أموال في أكياس نفايات.. توريط زوجات

أظهرت أحكام في عدة قضايا مساهمات تابعتها «عكاظ»، أن المعاملات التي كانت تتم بين المشغلين والوسطاء ورؤساء المجموعات في أكثرها نقدا، وبلا أوراق رسمية أو تحويلات بنكية، وتخلو من المحاسبين، بل ذهب بعضهم إلى تسليم الأموال في أكياس نفايات، ودفن بعضها في منازل الوسطاء أو المشغلين.

وباع كثير من المساهمين عقاراتهم وسياراتهم بحثا عن الأرباح الأسبوعية، واستغل آخرون حسابات زوجاتهم وأمهاتهم لمناقلة الأموال لاحقا، خشية انكشفاف أمرهم وخضوعهم للمساءلة من الجهات المختصة، إلا أن مركز الإيداع في هيئة سوق المال السعودية، رصد تعاملات بنكية مشبوهة على أرصدة متهمين.

كما أظهرت المحاكمات أن المشغلين كانوا يتداولون عقودا وهمية للترويج لمساهماتهم، بالإضافة إلى استخدام مؤسسات وهمية وأخرى بأسماء زوجاتهم.

وجمع معلم وسيط مبالغ تصل إلى 1.3 مليار ريال.

وحصل عدد من رؤساء مجموعات في مساهمات سوا على صكوك إعسار عقب سجنهم عدة سنوات في مساهمات كان بينهم وسيط ضخ مبالغ مالية في حسابات الوسطاء.

وحسب المصادر فإن بعض قضايا المساهمات لم تنته في الحق الخاص، ويتواصل البعض الآخر وصولا إلى حلول ودية في الحق الخاص.

أرباب سوابق.. ملاحقون بـ«الإنتربول»

برز القاسم المشترك بين مشغلي المساهمات أن مهنهم السابقة قبل بدء المساهمات، إما أصحاب سوابق من ممتهني النصب والاحتيال، أو من ذوي الدخل المحدود.

ورغم أن مشغل مساهمات سوا ظل لغزا حتى الآن، إلا أن بداية عمله كان حارس أمن (سيكيورتي)، وكان تعليمه أقل من المتوسط، ليشتهر بمساهمات سوا ويجمع ما يقارب مليارا ومائتي مليون تقريبا، زاعما أنه يتاجر في بطاقات سوا الهاتفية، وأنه يبيع في اليوم الواحد ما يقارب 5 ملايين بطاقة.

وظل يتسلم مبالغ أسهم المساهمين بواقع 8500 ريال للسهم الواحد، وكون شبكة معه من الوسطاء وكسب ثقة المساهمين من خلال توزيعه أرباحا أسبوعية تصل إلى 2000 ريال للسهم الواحد في الأسبوع الواحد، وظل كذلك حتى انكشف أمره وأودع السجن، بعدها ظل يتعهد بإعادة نحو ملايين الريالات في «مساهمات سوا»، التي أدارها وظل يطالب وسطاء ورؤساء مجموعات مبالغ كبيرة، وظلت التهم متبادلة بين أكثر من 50 رئيس مجموعة ووسيطا، خلفهم أكثر من 20 ألف مساهم.، لتمضي السنوات ويظل مشغل المساهمات ومن معه لغزا غامضا.

أما مساهمات البيض فكان بطلها مقيما استخدم السجل التجاري لشقيقته السعودية، فيما كانت مساهمات التجارة الإلكترونية تدار من شاب أربعيني صاحب سوابق.

في الاتجاه الآخر بشأن الملاحقات للمشغلين، جرى القبض على عدد من المتهمين عبر الشرطة الدولية (الإنتربول) من عدد من الدول بناء على أوامر قضائية صدرت بالقبض عليهم.

مستلزمات الخديعة.. مكتب فخم وموقع إستراتيجي

يمثل المكتب الفخم في موقع إستراتجي أو في شارع شهير، أبرز مستلزمات تشغيل المساهمات وجمع الأموال، بالإضافة إلى أهمية توفر أرقام جوالات مميزة ومساعدين وعقود مساهمات، تليها توزيع أرباح دورية، ومن هنا يبدأ سيناريو اصطياد الزبائن والعملاء، ليتحول مشغل الأموال بين عشية وضحاها إلى هامور ومليونير، تنهال عليه أموال المخدوعين الباحثين عن الثراء السريع والأرباح المشبوهة دون تفكير في عواقب الأمور.

وتظل أبواب المساهمات غير المشروعة تفتح مصراعيها لتبتلع الأخضر واليابس بعد أن ترسل رسائل تطمين للعملاء.

ويتحلى مشغلو المساهمات، بقدرات إقناعية للعملاء، بقدرتهم على منافسة صالات البنوك وقاعات الأسهم، وقادرون على تحقيق حلم الثراء السريع عبر بوابة أرباح المساهمات، التي تتعدد وتتنوع ما بين مساهمات عقار أو أخرى في بطاقات سوا، وثالثة مساهمات في البيض واللحوم، ورابعة في العسل والتمور والأجهزة الكهربائية، وليس انتهاءً بمساهمات الأسهم في البورصة العالمية ومساهمات التعليم، وأخيرا المساهمات في التجارة الإلكترونية وتقنية المعلومات.

وينتهي الأمر بالفصل الأخير الذي فيه يسقط الضحايا واحداً تلو الآخر مع تسويق الوهم من هوامير يتمسكون بأن القانون لا يحمي المغفلين، بعد أن غرروا بالبسطاء وأمطروهم بأرباح في البدايات كطعم لكسب ثقتهم.

قانونيان: أفعال مجرَّمة نظاماً

أجمع قانونيان على تجريم مساهمات جمع وتوظيف الأموال. وقال المحامي خالد أبو راشد، إن قضايا المساهمات التي ظهرت في السنوات الأخيرة تمثلت في عمليات نصب واحتيال وأكل أموال الناس بالباطل ومخالفة أنظمة البنوك. وبين أن الحقوق فيها تنقسم إلى حق عام وحق خاص، وينعقد الاختصاص للمحاكم الجزائية لإثبات الحق العام أولاً ومن ثم النظر في الحق الخاص. وحذر المحامي سعيد المالكي من الانسياق خلف الوعود والأوهام، لافتا إلى أن البعض يموه بسجل تجاري باسم تجارة محددة ليجمع الأموال ويدعي توظيفها، وهذه أساليب تنطلي على البعض للأسف الشديد.