أكد المحلل الباحث في الشأن الاقتصادي الدكتور علي الحازمي، في حوار مع «عكاظ»، أن الاقتصاد السعودي يمتلك مقومات قوية تمكّنه من التعامل مع التوترات الجيوسياسية والتقلبات الاقتصادية العالمية. وأوضح أن الإصلاحات الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل عززا متانة الاقتصاد الوطني.

وأشار إلى أن قوة الهوامش المالية للمملكة تعد أبرز العوامل، لافتاً إلى امتلاك الاقتصاد السعودي أدوات مالية ومؤسسية متقدمة تمكّنه من التعامل مع التحديات؛ ما يجعله أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بكثير من الاقتصادات في المنطقة. وإلى تفاصيل الحوار:

كيف تقيّم قدرة الاقتصاد السعودي على التعامل مع الأزمات الجيوسياسية؟

•• التجارب الاقتصادية السابقة تؤكد أن الحروب والاضطرابات الإقليمية تنعكس سريعاً على الأسواق المالية وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة، لكن المملكة نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء منظومة اقتصادية أكثر صلابة، واليوم يمتلك الاقتصاد السعودي أدوات مالية ومؤسسية متقدمة تمكّنه من التعامل مع هذه التحديات بثقة، وهو ما يجعله أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بكثير من الاقتصادات في المنطقة.

سياسة مالية متوازنة

• ما أبرز العوامل التي تمنح الاقتصاد السعودي هذه القدرة؟

•• قوة الهوامش المالية للمملكة أحد أبرز العوامل، فالسعودية تبنت خلال العقد الماضي سياسة مالية متوازنة تقوم على إدارة الدين العام بحذر، إضافة إلى بناء احتياطيات مالية وأصول سيادية كبيرة، وهذه الهوامش تمنح صانع القرار الاقتصادي مرونة واسعة للتحرك في أوقات الأزمات، سواء عبر دعم الاقتصاد أو الحفاظ على استقرار المالية العامة.

• كيف تنظر المؤسسات الدولية إلى قوة الاقتصاد السعودي؟

•• المؤسسات الدولية ووكالات التصنيف الائتماني تعكس هذه المتانة بوضوح، فالسعودية حافظت على تصنيفات ائتمانية قوية مع نظرة مستقبلية مستقرة من وكالات مثل «ستاندرد آند بورز» و«فيتش» و«موديز»، وهذا الأمر يعكس ثقة الأسواق العالمية في قدرة الاقتصاد السعودي على مواجهة الصدمات الخارجية والاستمرار في تحقيق النمو خلال السنوات القادمة.

تعزيز استدامة النمو

• ماذا عن جهود تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط؟

•• إن التنويع الاقتصادي يمثل أحد أهم التحولات الهيكلية في الاقتصاد السعودي خلال السنوات الأخيرة. اليوم أصبح القطاع غير النفطي يشكل حصة أكبر من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بما كان عليه قبل سنوات، هذا التحول يقلل من حساسية الاقتصاد لتقلبات أسعار النفط ويعزز استدامة النمو على المدى الطويل.

شهدنا أخيراً ارتفاع أسعار النفط متجاوزة حاجز 100 دولار للبرميل في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية، كيف ترى دور المملكة في استقرار أسواق الطاقة العالمية؟

•• المملكة تمتلك واحدة من أكثر منظومات الطاقة تكاملاً وكفاءة في العالم، سواء من حيث القدرات الإنتاجية أو البنية التحتية للنقل والتخزين والتصدير، لكن الأهمية الحقيقية لا تكمن فقط في حجم الإنتاج، بل في الدور الذي تلعبه السعودية كعامل استقرار في سوق الطاقة العالمية، وتجاوز أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل يعكس حجم القلق في الأسواق العالمية، لأن الارتفاعات الحادة قد تفرض ضغوطاً تضخمية على الاقتصاد العالمي وتؤثر على وتيرة النمو. وفي هذا السياق، تلعب السعودية دوراً محورياً في موازنة السوق النفطية من خلال سياسات إنتاجية مدروسة تهدف إلى الحد من التقلبات الحادة في الأسعار، كما أن امتلاك المملكة طاقة إنتاجية احتياطية يمنحها مرونة كبيرة للتدخل عند حدوث اضطرابات في الإمدادات العالمية. وهذه القدرة تجعل السعودية أحد أهم عوامل الاستقرار في سوق النفط. إضافة إلى ذلك، طورت المملكة خلال السنوات الماضية بنية تحتية متقدمة لنقل وتصدير النفط، من بينها خطوط أنابيب تنقل الخام من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر، إلى جانب قدرات تخزين كبيرة وشبكة تصدير متعددة المنافذ، ما يعزز مرونة منظومة الطاقة السعودية حتى في الظروف الجيوسياسية المعقدة، كما أن السياسة النفطية للمملكة تقوم أساساً على تحقيق التوازن بين مصالح المنتجين والمستهلكين، لأن الارتفاعات الحادة والمطولة في الأسعار قد تضر بالنمو الاقتصادي العالمي، كما أن الانخفاضات الحادة تضر بالاستثمارات في قطاع الطاقة. لذلك تعمل السعودية بالتنسيق مع شركائها في تحالف «أوبك بلس» للحفاظ على استقرار السوق النفطية ومنع التقلبات المفرطة في الأسعار.

مستويات رسملة قوية

هل يقتصر هذا الاستقرار على قطاع الطاقة فقط؟

•• قوة الاقتصاد السعودي لا تقتصر على قطاع الطاقة، فهناك أيضاً متانة واضحة في القطاع المصرفي وعمق في السيولة المحلية، والقطاع المالي يتمتع بمستويات رسملة قوية وقاعدة واسعة من المستثمرين المؤسسيين، وهذا يساعد الأسواق المحلية على امتصاص التقلبات العالمية والحد من تأثيرها على النشاط الاقتصادي.

• ماذا عن دور صندوق الاستثمارات العامة؟

•• صندوق الاستثمارات العامة أصبح أحد أهم أدوات دعم الاقتصاد الوطني، والصندوق يقود استثمارات إستراتيجية في قطاعات جديدة ويحفّز المشاريع الكبرى، وهذا يسهم في تنويع الاقتصاد والحفاظ على زخم النمو حتى في فترات عدم اليقين العالمي.

كيف تقيّم موقع السعودية في الاقتصاد العالمي حالياً؟

•• المملكة عززت خلال السنوات الأخيرة سياستها الاقتصادية الخارجية عبر تنويع الشراكات الدولية والانفتاح على مختلف القوى الاقتصادية العالمية. كذلك أصبح الطلب المحلي مدعوماً بالمشاريع الكبرى والاستثمارات الحكومية محركاً مهماً للنمو، وهذه العوامل تعكس تحولاً عميقاً في بنية الاقتصاد السعودي. اليوم لا تقتصر قوة المملكة في قدرتها على تجاوز الأزمات الجيوسياسية، بل أصبحت أيضاً أحد عوامل الاستقرار في الاقتصاد الإقليمي والعالمي بفضل قوتها المالية وتنوع اقتصادها ودورها المحوري في أسواق الطاقة، في ظل رؤية إستراتيجية طويلة المدى تقودها رؤية السعودية 2030.