تختبئ خلف بعض الملفات القديمة حكايات هندسية معقدة من الخداع الذي يمتد لعقود طويلة، قبل أن تسقط فجأة تحت ضربات التحقيق الدقيق. في دولة الكويت، فتحت الأجهزة الأمنية والمختصة فصلاً مثيراً من التحقيقات في قضية تزوير تاريخية يعود جذرها الزمني إلى نحو 115 عاماً، لتنتهي بقرار أمني أطاح بجنسيات 211 شخصاً دفعة واحدة.

تكشفت خيوط هذه اللعبة المعقدة عندما وقف رجال مباحث الجنسية أمام ملف عائلي ضخم لـ(ح)، المولود في عام 1911. أظهر الفحص الفني والتدقيق المستندي أن السجلات الرسمية تضمنت ست زوجات، اثنتان منهن فقط حقيقيتان، بينما كانت الأربع الأخريات مجرد أسماء وهمية تماماً تخلو من أي أرقام مدنية أو حركة دخول وخروج من البلاد. وعلى هذه الأسماء الخيالية، سُجل خمسة أبناء ذكور غابوا بصورة لافتة عن أي حصر رسمي للورثة بعد وفاة الأب، مما أطلق إشارات الإنذار الأولى لدى المحققين.

غير أن المفاجأة الأكثر عمقاً برزت عند تتبع مسار أحد الأفراد في الملف، وهو (س) المولود عام 1932 والذي توفي خارج البلاد. وتشير الوقائع إلى أنه انتظر حتى بلغ الأربعين من عمره ليحصل على الجنسية استناداً إلى شهادة شهود تكررت أسماءهم في قضايا تزوير أخرى مشابهة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أضاف بدوره شخصين كابنين له ثبت لاحقاً عدم وجود أي صلة بيولوجية تجمعهما به، وسُحبت جنسيتاهما في مراحل متفرقة.

ولحسم القضية بأدلة قاطعة لا تقبل الشك، لجأت السلطات الأمنية إلى الفيصل العلمي عبر فحوصات البصمة الوراثية (الحمض النووي). وأسفرت المقارنات المخبرية بين ذرية المعني وبين الأعمام المفترضين من الجانب الكويتي عن نتيجة حاسمة نفت تماماً وجود أي صلة دم أو قرابة حقيقية، ليتبين أن الاسم الحقيقي للمعني يحمل جنسية خليجية، وكان أبناؤه يستخدمون هويات مزدوجة للتنقل بين الدولتين.

وبهذا الانكشاف المتكامل الذي أثبتته المستندات، وحركة السفر، والأدلة المخبرية، سقطت منظومة التزوير الممتدة عبر الأجيال، لتصدر القرارات الرسمية بسحب الجنسية عن 211 فرداً من تلك العائلة، مسدلة الستار على واحدة من أغرب قضايا التحايل على الجهات الرسمية.