في مشهد استثنائي يحبس أنفاس المسافرين والسائقين ويحول قواعد الطيران التقليدية إلى أسطورة حية، تتوقف مئات السيارات والحافلات فجأة أمام إشارة مرور حمراء وحواجز أمنية مشددة، ليس بسبب حادثة مرورية ولا أعمال صيانة، بل لإفساح المجال أمام طائرة ضخمة تعبر الطريق العام وتستعد للإقلاع أو الهبوط.
هذا ليس مشهداً من فيلم خيالي، بل هو واقع ساحر يعيشه مطار جبل طارق الدولي، المنشأة الوحيدة في العالم التي يتقاطع مدرجها الرئيسي مباشرة مع شارع رئيسي حاد الحركة يصل شبه الجزيرة بالحدود الإسبانية.
يعود هذا التصميم الغريب إلى ظروف جغرافية وتاريخية شديدة الخصوصية، فشبه جزيرة جبل طارق عبارة عن شريط قاسي وضيق لا يتجاوز عرضه في بعض المناطق كيلومترين اثنين، وتسيطر عليه صخرة جبل طارق العملاقة التي ترتفع لأكثر من 400 متر.
- نشأة من رحم الحرب: أنشئ المطار خلال الحرب العالمية الثانية على مساحة مسطحة ضيقة كانت تُستخدم كميدان لسباق الخيل بطول 800 متر فقط.
- الاقتطاع من البحر: مع تطور الطيران والحاجة لاستقبال طائرات الركاب الكبيرة، جرى ردم أجزاء من البحر لتمديد المدرج ليصل إلى 1660 متراً، مما جعل الشارع الرئيسي مجبراً على التقاطع مع قلب المدرج لعدم وجود أي خيار جغرافي آخر.
بمجرد اقتراب الطائرة من الهبوط أو الاستعداد للإقلاع، تحول أجهزة التحكم الإشارات الضوئية على الشارع إلى اللون الأحمر وتنزل الحواجز الحديدية كلياً، ليتوقف الشريان المروري كاملاً وتتحول منطقة عبور السيارات إلى جزء من مدرج الطيران.
ولأن المحركات النفاثة للطائرات شديدة الحساسية، لا يُعاد فتح الطريق فور مرور الطائرة، بل تترجل كوادر التفتيش للمدرج لمسحه بالكامل وتنظيفه من أي مخلفات قد تضر بالإطارات والمحركات، وهو ما قد يمتد لـ20 أو 30 دقيقة من الانتظار تحت أنظار السائقين والسياح الشغوفين بالتقاط الصور.
ورغم تصنيفه الدائم في البرامج الوثائقية كواحد من «أكثر المطارات غرابة وخطورة في العالم» بسبب الرياح القوية المحيطة بالصخرة، تؤكد سلطات الطيران أن العمليات تتم بسلامة وبأعلى المعايير، فيما تم إنشاء مشروع نفق أسفل المدرج لتخفيف الضغط المروري وإنهاء أغرب تقاطع بين حركة السيارات والطائرات في التاريخ.