أظهرت دراسة علمية حديثة أن علاجًا تجريبيًا يعتمد على تعديل الجينات لمرة واحدة تمكن من خفض مستويات الكوليسترول بشكل كبير، مع استمرار التأثير لمدة عام بعد تلقي العلاج، في نتيجة قد تفتح الباب أمام استخدام تقنيات تعديل الجينات مستقبلًا لعلاج أمراض شائعة، وليس فقط الأمراض الوراثية النادرة.

وبحسب صحيفة نيويورك تايمز، أعلن العلماء أن المرضى الذين تلقوا أعلى جرعة من العلاج سجلوا انخفاضًا بنحو 50% في مستويات الكوليسترول، مع استمرار هذا الانخفاض طوال فترة المتابعة البالغة عامًا.

وعُرضت النتائج خلال مؤتمر الجمعية الأوروبية لأمراض القلب، كما نُشرت في مجلة «نيو إنجلاند الطبية».

ورغم النتائج المشجعة، لا تزال الدراسة في مراحلها الأولى، إذ شملت 15 مريضًا فقط، ما يجعل من المبكر اعتبار العلاج خيارًا متاحًا للمرضى، في وقت قد تستغرق فيه عملية تطويره واختبار سلامته وفعاليته سنوات.
بدل الحبوب اليومية.. علاج جيني  يخفض الكوليسترول 50% لعام كامل

تعديل الجينات بدل العلاج مدى الحياة

يقوم العلاج على فكرة إجراء تغيير دائم في الخلايا بدل الاعتماد على أدوية أو حقن يتعين استخدامها بصورة مستمرة لسنوات.

وقال طبيب القلب في كليفلاند كلينك وقائد الدراسة، الدكتور لوك لافين، إن أطباء القلب الوقائي اعتادوا علاج المرضى بصورة مزمنة، لكن إمكانية تقديم علاج لمرة واحدة قد تغير طريقة التعامل مع بعض أمراض القلب.

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في ظل صعوبة التزام بعض المرضى بالعلاجات طويلة الأمد.

ورغم توافر أدوية متعددة لخفض الكوليسترول، تشير بيانات الدراسة إلى أن نحو نصف الأشخاص الذين يبدأون تناول أدوية الستاتين يوميًا يتوقفون عنها، فيما لا يبدأ بعض المرضى الذين يمكن أن يستفيدوا منها العلاج أصلًا.

كيف يعمل العلاج؟

تلقى المشاركون جرعة واحدة عن طريق التسريب الوريدي لجسيمات نانوية دهنية تحمل أدوات تعديل الجينات إلى الكبد.

وتستهدف هذه الأدوات جينًا يعرف باسم ANGPTL3، الذي يؤدي دورًا في استقلاب الكوليسترول والدهون داخل الجسم.

ويستند النهج إلى ملاحظات سابقة لأشخاص يحملون طبيعيًا نسخًا غير فعالة من هذا الجين، ويتمتعون عادة بمستويات منخفضة من الكوليسترول والدهون الثلاثية، مع انخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

ويحاول العلاج محاكاة هذه الحالة الطبيعية عبر تعطيل الجين لدى المرضى.

انخفاض «الكوليسترول الضار» والدهون الثلاثية

وكانت النتائج الأبرز لدى المرضى الأربعة الذين تلقوا أعلى جرعة، إذ انخفضت مستويات كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة (LDL)، المعروف بـ«الكوليسترول الضار»، إلى جانب الدهون الثلاثية، بنحو 50%، وظل الانخفاض مستقرًا بعد مرور عام.

وقال طبيب القلب بجامعة كولورادو، الدكتور أمروت أمبارديكار، إن جاذبية العلاج تتمثل في حصول المريض على جرعة واحدة بدل الحاجة إلى الالتزام بعلاج مستمر، لكنه شدد على أن السلامة طويلة الأمد لا تزال السؤال الأهم، خصوصًا مع صغر حجم الدراسات الحالية.

كما وصف طبيب القلب بجامعة بنسلفانيا، الدكتور كيران موسونورو، البيانات المتعلقة باستقرار التأثير بأنها مشجعة، لكنه أكد الحاجة إلى تجارب أكبر بكثير.

تجارب أخرى وخطوات مقبلة

ولا تعد هذه المحاولة الوحيدة لتوظيف تعديل الجينات في علاج ارتفاع الكوليسترول، ففي وقت سابق من العام، أظهرت تجربة سريرية أخرى شملت 35 مريضًا انخفاضًا ملحوظًا في مستويات LDL باستخدام أسلوب مختلف لتعديل الجينات.

وتشير النتائج إلى إمكانية توسع استخدام تقنيات تعديل الجينات مستقبلًا من علاج الأمراض الوراثية النادرة إلى أمراض شائعة مثل أمراض القلب، إلا أن الطريق لا يزال طويلًا قبل إثبات سلامة وفعالية هذه العلاجات على نطاق واسع.

ومن المقرر أن تشمل المرحلة التالية من الدراسة عشرات المرضى بحلول نهاية العام، على أن تليها مناقشات مع الجهات التنظيمية بشأن تجربة أكبر من المرحلة الثالثة.

وبسبب الأسئلة المتعلقة بسلامة تعديل الجينات واستمرار تأثيره، يخضع المشاركون في مثل هذه التجارب لمتابعة طويلة قد تصل إلى 15 عامًا.

ويرى الباحثون أن العلاج قد يصبح خيارًا محتملًا لبعض مرضى القلب في أوائل ثلاثينيات هذا القرن، إذا أثبتت الدراسات المقبلة سلامته وفعاليته واستمرارية تأثيره.