في قلب وادي السيليكون، حيث تُصنع الثروات الضخمة بسرعة البرق، بدأت ثورة الذكاء الاصطناعي ترسم ملامح طبقة جديدة ومحدودة من الأثرياء الخياليين، بينما تزرع في المقابل رعباً وخوفاً غير مسبوقين داخل مكاتب مهندسي البرمجيات والمطورين، الذين كانوا حتى وقت قريب يُعتبرون النخبة المدللة في القطاع التقني بأكمله.

حمّى الذهب الرقمي

المدينة التي اعتادت سباقات المليارات تعيش اليوم ما يشبه «حمّى الذهب الرقمية»، لكن هذه المرة ليس النفط ولا العملات المشفرة من يصنع الأثرياء، بل الخوارزميات ونماذج الذكاء الاصطناعي.

وبحسب شهادات متداولة من مستثمرين ورواد أعمال في سان فرانسيسكو، فإن الانقسام داخل قطاع التكنولوجيا أصبح أكثر حدة وعنفاً من أي وقت مضى. فبينما تحوّل موظفون ومؤسسو شركات عملاقة مثل OpenAI وAnthropic وNVIDIA إلى أصحاب ثروات فلكية خلال سنوات قليلة، يعيش آلاف المهندسين الآخرين حالة قلق حقيقي من أن تصبح مهاراتهم «قديمة وميتة» فجأة.

«ديدي داس»، الشريك في شركة الاستثمار الشهيرة Menlo Ventures، وصف هذا المشهد بأنه الأسوأ على الإطلاق من حيث الفجوة بين الرابحين والخاسرين داخل عالم التقنية، مشيراً إلى أن بضعة آلاف من الأشخاص فقط تمكنوا من اقتناص «اليانصيب الحقيقي» للذكاء الاصطناعي، بينما يقف الباقون في منطقة رمادية مليئة بالخوف وعدم اليقين.

سباق ضد الآلة

المفارقة القاسية والمؤلمة أن التكنولوجيا الفائقة نفسها التي تخلق مليارديرات جدداً كل شهر، هي ذاتها التي تدفع كثيراً من الموظفين المحترفين للتساؤل عمّا إذا كانت وظائفهم ستختفي أصلاً خلال سنوات قليلة.

وداخل أروقة شركات البرمجيات الكبرى، لم يعد الحديث السري يدور حول الرواتب والمكافآت السنوية، بل حول سؤال أكثر رعباً: «هل ما أتعلمه اليوم سيظل مطلوباً غداً؟».

ومع تسارع موجات التسريح العنيفة في القطاع التقني، بدأ بعض مهندسي البرمجيات يشعرون بأنهم يخوضون سباقاً خاسراً ضد الآلة نفسها، خصوصاً مع التطور المرعب لأدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على كتابة الأكواد البرمجية المعقدة، وتصميم المنتجات الرقمية، وحتى تنفيذ مهمات تقنية كاملة كانت تحتاج سابقاً إلى فرق كاملة من المطورين والبشر.

وفي الوقت الذي يرى فيه المتفائلون أن هذه الثورة ستخلق فرصاً جديدة وتكتفي بإعادة تشكيل سوق العمل فقط، يعتبر آخرون أن العالم يشهد اليوم ولادة أكثر الفجوات الطبقية قسوة داخل الاقتصاد الرقمي، إذ قد يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة لزيادة الإنتاجية إلى ماكينة جبارة لتكديس الثروات لصالح قلة صغيرة جداً تهيمن على الشيفرة المصدرية.

ومع تضخم تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي بمليارات الدولارات، يزداد الشعور السائد داخل القطاع بأن المستقبل لن يكون متساوياً للجميع، وأن «أغنى جيل تقني» قد يُولد في اللحظة المأساوية نفسها التي تبدأ فيها مهن بشرية كاملة بالاختفاء والاندثار.