بالعقل الحاسوب والانضباط المطلوب والإدارة بأحسن أسلوب، نهضت رياضتنا العامّة وكرة القدم الهامّة، فاشتعل كلُّ دوري بشكلٍ ثوري وقرارٍ فوري، ولكل اشتعال وقود وكان هذا الوقود تركيبة سعودية مدروسة من جلْب ألمع نجوم المستديرة ومديريها الفنيين وأطقمها الماهرين، وضخ المال الجالب للأموال والمنعش للأحوال، والملهب للموهوبين والصانع للأبطال. انتعشت المدرجات وزادت المخرجات وكاد أن يرتوي شغف اللاعب وشغف المتابع واستيقظ فضول صنّاع كرة القدم وأساطيرها فرغبوا أن يكونوا جزءًا من هذا المشهد اللّافت والجمع الماضي للإبداع والمتهافت. هذا الوقود الظاهر، كان ولازال ثميناً وكبيراً وباهراً، لدرجة أنه أخفى وأذكى وراءه وقوداً خفيّاً من نوعٍ آخر، ألا وهو وقود التنافس الشريف بين الأقران (أو «الديربيّات» بالمفهوم الكروي الدارج). نعم، وقود التنافس ليس بجديد، ولكن لهيب وقود الرؤية الثاقبة تعالت ألسنته وزاد اشتعال التنافس من خلفِه فنضجت طبخة المسابقات وزادت حلاوتها. اذهب أينما شئت في ربوع البلاد ستجد سباقاً وقّاداً، واندفاعاً غير معتاد، يهديك الاستمتاع ويصنع التاريخ والأمجاد.

يا عشاق المستديرة الأمثلة كثيرة ونتائجها مثيرة، فمن كان سيتوقع أن نادي الخلود سيلعب يوما من الأيام في نهائي كأس الملك المفدى، فقد أتى من الأبواب الخلفية في مدينة الرس متجاوزاً قرينه نادي الحزم الذي كان له صولات في السنين الفوات، فقال الخلود ها أنذا. لمَ لا ! فليس المجد الذي صنعه نادي الفيصلي من المجمعة عنا ببعيد حين تُوّج بكأس الملك فشحذ همة قرينه نادي الفيحاء وأشعل الحماس في أروقته حتى اختطف الكأس الغالية. فيا لشطارة الجارين واحتفاء محافظة المجمعة بالاثنين. هنا قد يسأل سائل ويقول قائل إنّ نادي الخلود وصل إلى ما وصل إليه بسبب المستثمر الأجنبي فنقول له أين هذا المستثمر الأجنبي من إنجازات الفيصلي والفيحاء أو التعاون والوحدة حين الحصول على الكأس أو الوصول إلى النهائي، بل هي روح التنافس الشريف التي قد يضيف إليها المستثمر ما يمكن أن يضيف.

أما فيما بين الأربعة الكبار ها هو الاتحاد يدفع الأهلي للعودة من كبوة النزول للدرجة الأولى إلى الحصول مرتين متتاليتين على دوري أندية النخبة الآسيوي. أمّا التنافس بين قطبي العاصمة، النصر والهلال، فهو في كل لقاء بينهما أشبه بمعركة صناعة للتاريخ وإثبات للقوة والسيطرة، كما أنه فاكهة مجتمعية أخرى تجمع بين المناكفات المسلّية والاستمتاع بمشاهدة المباريات. لاحظوا هنا أنّني بدأت أثناء الكتابة بالنصر قبل الهلال متخذاً مبدأ ترتيب الحروف الهجائية، النون ثم الهاء، وأنا أرفع هنا راية إنقاذ المعلقين على المباريات وكتّاب المحتوى الرياضي والعاملين في البرامج الرياضية كي لا يرغمون أنفسهم على تكرار عبارة «الهلال والنصر أو النصر والهلال» مرات عديدة، فالمستمع منها قد ملّ، فما هو الداعي لترديدها وهناك حلّ. إنّ مبدأ الترتيب وفقاً لأولوية حروف الهجاء يرفع الحرج عن الجميع في مجالات كثيرة وفي كل اللغات.

تتوالى الأمثلة على التنافس الجميل والممتع بين أقران كرة القدم حتى لكأنّ أحدهم يدفع الآخر دون أن يشعر لتبادل الأدوار لتحقيق الأمجاد، وبمراجعة بسيطة للسنين الماضية القريبة سنجد من الأدلة ما يكفينا، فمَن غَيْر نجران قد دفع الأخدود حتى أصبح عن حلمه يذود، ومن أتى بالقيصومة من حفر الباطن إلى الأدوار الإقصائية لكأس الملك إلا مراقبته للجولات السابقة التي خاضها نادي الباطن في دوري الكبار. من أبقى ضمك سنوات وهو يؤثر على نتائج الدوري الممتاز غير أبها البهيّة ومن هزّ الجبلين لمحاولة الشموخ غير كرم المنافسة مع الطائي في حائل. من أظهر عدالة الأحساء وفتح لها مساحة إثبات الوجود غير جرأة نادي الفتح بعدما رفع الكأس النموذجي. من أثار غبار معركة القادسية في الشرقية غير نقاط الاتفاق، وفي القصيم من ثبّت قدم التعاون بين أقدام الكبار غير تحدي الرائد ومن أعاد لمعان النجمة غير حلم العربي. من أضاء الأنوار بين الحوطة والخرج إلا وهج الشعلة وبقاء الكوكب في المدار. هل من مزيد؟ الجواب هو نعم، لكن أستميحكم عذراً فأمثلة التنافس يصعب حصرها، بعضها كما رأيتم مشهود وملموس وبعضها الآخر غير مدروس، لكن تابعوا عن قرب أو عن بعد ما يقارب مئة وسبعين نادياً في سلالم ترتيبها بدءًا من الدوري الممتاز حتى دوري الدرجة الرابعة وفي الفئات المختلفة وسترون الأقران فيها جنبا إلى جنب في سباقٍ محموم.

رغم احتفائنا بهذا التنافس الذي يسر النفوس لكن علينا التحذير خاصة في الفضاء الرقمي من تحوّل الغبطة إلى حسد يشحن النفوس ويثير البغضاء ويدخل في النوايا ويفضي إلى حياكة المؤامرات ويحيل الأمر إلى حرب كلامية ضروس طويلة الأمد قد تنتقل إلى صغار الجيل ويألفون وجودها فتنتزع منهم الروح الرياضية أو تكون سببا في نفورهم من الرياضة بأكملها. من أجل مكافحة ذلك النّهج الممقوت علينا الإظهار الدائم للشفافية قدر الإمكان ونشر الوعي وكبح تطاول المسيئين.

لا نغفل عن دوافع أخرى زادت ذلك التنافس المحمود، نذكر منها الدعم المادي الحكومي الذي ضاعف قدرة بعض الأندية على المنافسة ومكّن أندية أخرى من قدرتها أصلاً على النهوض كي تنافس، ويأتي في هذا السياق رفع قيمة جوائز البطولات. كذلك من الدوافع رغبة اللاعب للتميز بين أقرانه وإسعاد أسرته ومحبيه وسعيه للكسب المادي. منها أيضاً دور الاستثمار والمستثمرين واندفاعهم لإبرام عقود الرعاية أو ربما التفكير مستقبلا في إدراج الأندية في سوق الأسهم، كذلك رغبة مؤسسي النادي ومشجعيه في رفع اسم النادي وقد شاهدناهم يتفننون في الأهازيج الجديدة وفي رفع شعارات الولاء فوق المدرجات رغم وجود مساحة للتطوير مثل تقنين استعمال مكبرات الصوت المزعجة والدفوف خصوصاً في المباريات ذات الحضور الجماهيري الأقل، ولا ننسى المجهود الذي بذله الرؤساء والعاملون في إدارة تلك الأندية حين وظّفوا ذلك التنافس والحماس حتى حصدوا تلك الإنجازات.

في الختام ليس لديّ تفاصيل عن كل الجهود المشكورة في وزارة الرياضة أو في الاتحادات الرياضية، لكن هذا اقتراح منشود قد يكون عالي المردود للعمل على مؤشرات أداء وتنافسية في جميع المسابقات الرياضية مبنيّة على معايير مدروسة لإنشاء قواعد بيانات ورسوم بيانية تحفّز هذا التنافس وتساعد في أخذ القرارات المختلفة، ويمكن أن تكون هذه المؤشرات منشورة للعموم وبعضها الآخر غير معلن لأسباب إدارية. تلك المؤشرات من المفترض أن تكون متنوعة لأنّها ستجعل الصورة أكثر وضوحا عن مستوى أداء الأندية واللاعبين والمدربين والحكام، وبالتالي ستعكس بشكل دقيق ومستمر عطاء الأندية، أو القيمة السوقية للاعبين وأحقيتهم في الانضمام إلى المنتخبات الوطنية، وسيسهل على الأندية اختيار المدربين الأكِفّاء، وعلى لجنة الحكام تحديد الحكام المناسبين لإدارة المباريات الحساسة، وبهذا المقترح لن تضيع الجهود وستحفظ حقوق الجميع وسيزيد ارتقاء المستويات. من جانب آخر سيكون من المفيد إنشاء خارطة جغرافية رقمية للمناخ الرياضي السعودي، إن صح التعبير، تعكس كل ما يتعلق بالرياضة من مواقع الأندية والأنشطة والفعاليات الرسمية والمجتمعية ومنها مثلا تواجد المسارات الرياضية في الأحياء وعدد الممارسين الرياضيين فتستفيد الوزارة إدارياً من هذه الخارطة وتفيد جهات عدة، منها مثلاً وزارة الصحة لتحديد الحملات التوعوية أو المسؤولين عن تخطيط المدن والبلدات لتوزيع المشاريع المناسبة في المكان المناسب. أتمنى أن تَدرُس وزارة الرياضة هذه المقترحات وتحاول تطبيقها ثم تتبنّاها لتكون مبادرة طموحة ترفعها إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم واللجنة الأولمبية الدولية لعلها تجد صداها وتحقق الفائدة على المستوى الرياضي الدولي. وتقبلوا تحياتي وتمنّياتي للمتنافسين بالتوفيق.

شواهد تنافسية:

الوقود الخفي لكرة القدم السعودية

في الجدول النهائي لدوري الدرجة الأولى عام 2020 الأخدود يصارع من أجل اللحاق بنجران حتى استطاع الثبات في دوري الكبار ثلاث سنوات متتالية.

الوقود الخفي لكرة القدم السعودية

احتدام السباق بين الشعلة والكوكب في سُلّمَي ترتيب دوري الدرجة الأولى في عامين متتاليين 2019 و2020م قبل أن يباغتهما الجار نادي الأنوار في تمثيل حوطة بني تميم في الموسم الحالي.

الوقود الخفي لكرة القدم السعودية

سباق اللحظة الأخيرة عندما ظفر الطائي بالصعود للدوري الممتاز على حساب الجبلين أثناء تنافسهما في دوري الدرجة الأولى عام2020م.

الوقود الخفي لكرة القدم السعودية

أندية المنطقة الشرقية تلاحق بعضها البعض حتى كاد أن يتأهل منها ثلاثة دفعة واحدة للدوري الممتاز أثناء تنافسهم في دوري الدرجة الأولى عام 2021م.

الوقود الخفي لكرة القدم السعودية

نادي القلعة من الجوف يتأهل في الموسم الماضي من الدرجة الثالثة إلى الدرجة الثانية بعد أن تفنّن مشجعوه باستخدام رقصة الدحّة لتحفيز الفريق على التأهل في أسلوب مبهج وفعال.

المصادر:

- موقع الاتحاد السعودي لكرة القدم

- صحيفة صدى الإلكترونية

- قناة ثمانية الرياضية