لقطة من الفيلم.
لقطة من الفيلم.


-A +A
علا الشيخ - ناقدة سينمائية ola_k_alshekh@
ضمن عروض أفلام المسابقة الرسمية في الدورة 70 من مهرجان برلين السينمائي والتي يتنافس فيها 18 فيلما، يظهر فيلم Hidden Away «أردت الاختباء» للمخرج جورجيو ديريتي، ليتم تصنيفه من أفضل الأفلام التي شوهدت، في ظل غالبية لم تترك أثرها، وشكلت حالة من التساؤلات في كيفية اختيارها لتتنافس على أهم جوائز المهرجان.

ولن يكون مستغربا إذا حصل بطل الفيلم الممثل إيلو جرمانو على الدب الذهبي كأفضل ممثل، فهو استطاع من خلال شخصية أنطونيو ليغابو فنان عبثي يعاني على ما يبدو من التوحد الذي لم يكن معروفا في الحقبة التاريخية التي اعتمدها الفيلم التي تعود لعام 1899،

إضافة لمعاناته من فقدان الاهتمام والحنان بعد تبنيه من جانب عائلة تقرر إرساله الى إيطاليا، دون أن يتقن لغتها، ما زاد وحدته وارتفاع وتيرة غضبه، فلم يجد مناصا سوى تكوين علاقة مع حيوانات والحديث معها، لدرجة أصبحت قيمة أساسية في رسوماته التي تعد جزءاً من تكوين شخصيته وتطورها في مسار درامي يتصاعد وحالته النفسية التي تتذبذب من حين لآخر، يخاف من المرأة بسبب نماذج مرت على حياته، لاسيما فقدان والدته الحقيقية وإخوته إثر تسمم. كل هذه المعطيات والأحداث هي أساس الحكاية التي أدارها ديريتي ليدخل تلك الحقبة بشكلها ولونها وأزيائها.

الرسام أنطونيو الذي يخاف من فكرة الارتباط بسبب نماذج أنثوية مرت عليه، وتحديدًا أمه بالتبني، التي اتضح في لقطة عابرة أنها كانت تتحرش به، وهي من شيطنت فكرة المرأة في رأسه، لكن هذا لم يجعله يتخلى عن ريشته وألوانه حتى وهو في مستشفى الأمراض العقلية، ولقيمة الرسم في تلك الفترة، استطاع أن ينجو وأن يصبح فنه الذريعة التي يستند عليها في حالات غضبه وتوتره وصراخه، وقد اقتنع بذلك، رغم الوتيرة الهادئة في الفيلم، غير أن حضوره حركها وجعلها أكثر حيوية، حتى لو كان بمشهد ملاحقته للبط والدجاج. فعمليًا أن تتابع تخبطات الفنان الذي ظهر من قصة ورواية أخرى يعطيك مساحة لتكون شاهدا على تطور أدواته للرسم، تحديدا رسم النمر الذي كسر لوحته بعد رسمه أكثر من مرة. ويريد إدخالك هذا العالم، فتتعاطف معه حينا وتغضب منه أحيانا، لتجد نفسك حائرا بين إبداء إعجابك بعمله بصدق، أو أنك معجب لمجرد دعم حالته. وهذا هو الواضح من شخصية فنان مغمور وجد نفسه في سيناريو كتبه إلى جانب المخرج تانيا بدروني وفريدو فالا ليتعرف عليه عن قرب.

كل حياته قائمة على جملة علقت في ذهن طفولته (كل شخص لديه هبة، كل حياة لها معنى)، فكانت أساس تطوره، وهو الذي عانى الفقر والتشرد والاستهزاء، إلى أن ظهر صديقه الذي آمن به، ودعمه ووفر له الأقمشة والألوان ليعبر عن كل مشاعره المهربة التي يعيشها، لكن المفارقة أنه انتقل من مرحلة ضيق الحال إلى الانفراج الكامل، بيد أن هذه النقلة لن تمنحه السعادة كما يمنحها للناس بعطاياه وكرمه.

الفيلم ليس سيرة ذاتية للتعريف بالفنان بقدر ما هو سيرة لظروف تشكل فنانا لم يأخذ حقه من الشهرة، ضمن أداء لممثل عرف قيمته فقدم جهدًا وتمثيلًا عبقريا، تفوق كثيرا على باقي عناصر تشكّل الفيلم.