أكد وزير التعليم الفني والتدريب المهني اليمني الدكتور أنور كلشات المهري، أن التصعيد الحوثي الذي شهدته مناطق الساحل الغربي والمخا وباب المندب، وما رافقه من أعمال عسكرية واضطرابات أمنية، ضاعف معاناة المواطنين وألحق أضراراً مباشرة بمؤسسات الدولة والخدمات العامة.

وقال، في حوار أجرته معه «عكاظ»، إن هذه التطورات تزيد من معاناة المواطنين وتهدد مؤسسات الدولة ومكتسبات المجتمع، وفي مقدمتها التعليم والصحة والخدمات الأساسية. مبيناً، أن انقلاب مليشيا الحوثي على مؤسسات الدولة وما تبعه من حرب طويلة أدى إلى تراجع كبير في قطاع التعليم الفني والتدريب المهني، لأنه يعتمد بطبيعته على الاستقرار والتمويل المنتظم والتجهيزات الحديثة والتدريب العملي، وهي عناصر تأثرت بصورة مباشرة خلال سنوات الحرب.

وأوضح، أنه لا يمكن تأجيل التعليم الفني؛ لأنه جزء أساسي من معركة التعافي وإعادة البناء، وهو الوسيلة الأكثر فاعلية لتأهيل الشباب وتمكينهم اقتصادياً والحد من البطالة والفقر، وأنه يتم العمل على تجاوز هذه التحديات من خلال مسارات متوازية. وتطرق وزير التعليم الفني والتدريب المهني إلى مواضيع مهمة من خلال الحوار التالي:

التصعيد الحوثي وتأثر المشاريع

• ما هي المشاريع التي تأثرت بسبب التطورات الأخيرة في الساحل الغربي والمخا وباب المندب؟

•• لا شك أن التصعيد الحوثي الذي شهدته مناطق الساحل الغربي والمخا وباب المندب، وما رافقه من أعمال عسكرية واضطرابات أمنية، ضاعف معاناة المواطنين وألحق أضراراً مباشرة بمؤسسات الدولة والخدمات العامة. وقد كان قطاع التعليم الفني والتدريب المهني من القطاعات التي تأثرت بصورة كبيرة، سواء بتوقف المؤسسات التعليمية أو تعذر وصول الطلاب والكادر إليها. ويمكن تلخيص أبرز الأضرار والآثار التي لحقت بالقطاع في توقف العملية التعليمية في المعهد التقني التجاري بمديرية موزع، وهو المعهد الحكومي الوحيد الذي يخدم مديريات الساحل الغربي الأربع (المخا، الوازعية، ذوباب، وموزع)، والاستيلاء على أرض كلية المجتمع في المخا الواقعة بجوار المجمع الحكومي، بما يهدد تنفيذ مشروع تعليمي مهم كان من شأنه توسيع فرص التعليم التقني لأبناء الساحل، وتوقف العمل في المعهد الوطني للعلوم الصحية، وهو معهد أهلي نظامي كان يسهم في تأهيل الكوادر الصحية، وتوقف عدد من مراكز التدريب الخاصة، ومنها المركز الأمريكي ومركز Skills Hub، اللذان كانا يقدمان دورات مهنية ودبلومات قصيرة للشباب، وتعطل الطرق الرابطة بين مدينة المخا وبقية مديريات محافظة تعز، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع التكاليف، وصعّب وصول الطلاب والمدربين، وحرمان كثير منهم من مواصلة تعليمهم وتدريبهم.

تطورات تزيد معاناة المواطنين

• كيف تنظرون إلى هذه التطورات، وكيف يمكن استعادة الأوضاع؟

•• ننظر إلى هذه التطورات بقلق بالغ؛ لأنها تزيد من معاناة المواطنين وتهدد مؤسسات الدولة ومكتسبات المجتمع، واليمن يخوض منذ سنوات معركة وطنية شاقة في مواجهة مليشيا الحوثي، ومع ذلك، فإننا نثق بأن هذه التطورات، مهما بلغت صعوبتها، لن تلغي إرادة اليمنيين في استعادة دولتهم وإنهاء الانقلاب. ويتطلب تحقيق ذلك توحيد الصف الوطني والقرار السياسي والعسكري، وتعزيز التنسيق بين مؤسسات الشرعية والقوات المسلحة والمقاومة، والاستعداد الجيد، والاستفادة الفاعلة من دعم تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية. ونحن على ثقة بأن تماسك القوى الوطنية، ووضوح الهدف، واستمرار الدعم الأخوي الصادق، كفيل بتغيير موازين المعركة وإنهاء المشروع الحوثي، وصولاً إلى يمن آمن ومستقر يستعيد مؤسساته وعاصمته صنعاء.

تراجع كبير في قطاع التعليم

• ما هي انعكاسات أعمال مليشيا الحوثي على مشاريع التعليم؟

•• أدى انقلاب مليشيا الحوثي على مؤسسات الدولة وما تبعه من حرب طويلة إلى تراجع كبير في قطاع التعليم الفني والتدريب المهني. فهذا القطاع يعتمد بطبيعته على الاستقرار والتمويل المنتظم والتجهيزات الحديثة والتدريب العملي، وهي عناصر تأثرت بصورة مباشرة خلال سنوات الحرب. ومن أبرز الانعكاسات تسرب أعداد من الكوادر التعليمية والتدريبية، وتوقف التوظيف والإحلال الوظيفي، وحرمان المدربين من فرص التأهيل والتدريب المستمر، مما أضعف قدرة المؤسسات على مواكبة التطورات الحديثة في التكنولوجيا والصناعة وحاجات سوق العمل. كما أدى توقف عملية التطوير إلى تقادم عدد من المناهج والبرامج التدريبية وعدم تحديثها بصورة منتظمة، وهو ما ينعكس على جودة المخرجات وقدرتها على المنافسة والاستجابة للتغيرات المتسارعة في المهن والتقنيات الحديثة. كذلك تعرضت مبانٍ ومعاهد وورش ومعامل لأضرار جزئية أو كلية، فيما تعرضت بعض الأراضي والمنشآت للاعتداء أو الاستخدام لغير الأغراض التعليمية، سواء من بعض النازحين أو التشكيلات والجهات المختلفة. ونتيجة لذلك أصبحت مؤسسات عديدة بحاجة إلى ترميم وتجهيز وإعادة تأهيل شاملة. ويضاف إلى ذلك ضعف الموازنات التشغيلية وارتفاع أسعار مواد التدريب وقطع الغيار والتجهيزات، وهو أمر بالغ الخطورة.

تجاوز التحديات بمسارات موازية

• كيف تتجاوزون هذه الصعوبات؟

•• ندرك أن الوضع شديد الصعوبة وأن الإمكانات المتاحة محدودة، في وقت توجه فيه الدولة جزءاً كبيراً من مواردها نحو مواجهة الانقلاب واستعادة مؤسساتها وحماية المواطنين. ومع ذلك، لا يمكن تأجيل التعليم الفني؛ لأنه جزء أساسي من معركة التعافي وإعادة البناء، وهو الوسيلة الأكثر فاعلية لتأهيل الشباب وتمكينهم اقتصادياً والحد من البطالة والفقر. ونعمل على تجاوز هذه التحديات من خلال مسارات متوازية، تبدأ بحصر المؤسسات المتضررة والمتوقفة وتحديد حاجاتها العاجلة، ثم إعطاء الأولوية لإعادة تشغيل المنشآت القائمة قبل التوسع في إنشاء مبانٍ جديدة. كما نعمل على توفير الحد الأدنى من الموازنات التشغيلية ومواد التدريب، وتأهيل الورش والمعامل، وتحديث المناهج، وتدريب الكوادر. ونسعى كذلك إلى بناء شراكات مع السلطات المحلية والقطاع الخاص والمانحين والمنظمات الإقليمية والدولية، والاستفادة من دعم الأشقاء، وفي مقدمتهم السعودية. كما نعمل على ربط البرامج التدريبية بحاجات سوق العمل، وتشجيع التدريب التعاوني والتلمذة المهنية، بحيث تتحول المعاهد إلى مؤسسات إنتاج وتأهيل حقيقية تسهم في التعافي الاقتصادي. إن تجاوز هذه الصعوبات يحتاج إلى رؤية مرحلية؛ تبدأ بالتدخلات العاجلة لاستمرار الدراسة، ثم إعادة التأهيل والتجهيز، وصولاً إلى تطوير شامل للقطاع يواكب متطلبات التنمية وإعادة الإعمار.

• ماذا عن مدينة الملك سلمان التعليمية والطبية في المهرة، وإلى أين وصل العمل فيها؟

•• تعد مدينة الملك سلمان التعليمية والطبية في محافظة المهرة من أهم المشاريع الإستراتيجية التي ينفذها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، والعمل فيها يسير بوتيرة جيدة. وهي تجسد نموذجاً مهماً للدعم التنموي السخي الذي تقدمه المملكة العربية السعودية لمحافظة المهرة بصورة خاصة، ولليمن بصورة عامة. تتميز المدينة بأنها مشروع متكامل يجمع بين التعليم والخدمات الصحية، إذ تضم كليات جامعية ومستشفى تعليمياً ومرافق سكنية وخدمية وتجهيزات حديثة. وتشكل رافداً أساسياً للتعليم الجامعي والتخصصي في المهرة والمحافظات الشرقية، ومن المتوقع أن تستوعب أعداداً كبيرة من الطلاب وتوفر لهم بيئة تعليمية وتطبيقية متقدمة. أما المستشفى التعليمي، فسيكون له دور كبير في تخفيف معاناة المواطنين والحد من اضطرارهم إلى السفر للعلاج في عدن أو المكلا أو خارج اليمن. فالمستشفى مرشح لأن يصبح مركزاً طبياً مهماً يستقبل المرضى من محافظة المهرة والمحافظات المجاورة، وربما من مناطق أخرى في اليمن. ونثمن عالياً هذا المشروع الحيوي الذي يلامس حياة المواطنين وصحتهم وتعليم أبنائهم، ونعبر عن بالغ شكرنا وتقديرنا للمملكة العربية السعودية، قيادةً وحكومةً وشعباً، وللبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن على هذه الإسهامات التنموية المهمة.

أثر المدينة محوري وهام

• ما الأثر الذي تتركه هذه المدينة تعليمياً وطبياً؟

•• سيكون لهذه المدينة أثر كبير ومحوري في تطوير الخدمات الصحية والتعليمية في محافظة المهرة والمحافظات المجاورة. فمن الناحية الطبية، ستوفر خدمات تشخيصية وعلاجية وتخصصية وسيخفف أعباء السفر وتكاليف العلاج، ويوفر الوقت والجهد، ويسهم في تحسين جودة الرعاية الصحية وسرعة التعامل مع الحالات المرضية والطارئة. وتوطين كثير من الخدمات الطبية داخل المحافظة، واستقطاب الكفاءات والاستشاريين، ورفع مستوى الخدمات الصحية، وتعزيز قدرات الكوادر المحلية من خلال التدريب والممارسة المباشرة. أما تعليمياً، فستوفر المدينة بيئة متكاملة للتعليم والتدريب والتطبيق العملي، وستتيح مرافقها ومستشفياتها ومختبراتها لطلاب الجامعة والمعاهد الصحية والتمريضية ومؤسسات التعليم الفني الطبي. وستسهم في تأهيل كوادر محلية قادرة على تلبية حاجات المحافظة وسوق العمل في القطاعات الصحية والفنية المختلفة. وستفتح المدينة المجال لتنظيم برامج التدريب المستمر والتخصصي، وتشجيع البحث العلمي، وتعزيز التعاون بين المؤسسات التعليمية والصحية، بما يربط الدراسة النظرية بالتطبيق العملي. ولذلك لن تكون المدينة مجرد مجموعة من المباني أو منشأة لتقديم العلاج، بل ستكون مركزاً متكاملاً لبناء الإنسان، وتوطين المعرفة والخدمات الطبية المتقدمة، وإعداد الكفاءات، وتحقيق أثر تنموي مستدام يخدم المهرة واليمن بصورة عامة.

التعليم الفني ومعالجة البطالة

• ما أهم مشاريعكم المستقبلية، ومن أين تستمدون الدعم لتمويلها؟

•• يمثل التعليم الفني والتدريب المهني ركناً أساسياً في رفد سوق العمل بالكوادر المؤهلة، كما يمنح الشباب مهارات عملية تمكنهم من العمل والإنتاج والاعتماد على الذات، بدلاً من انتظار الوظيفة العامة. وتتمثل أولوياتنا المستقبلية في إعادة تأهيل المعاهد والمراكز المتضررة، وتجهيز الورش والمعامل، وتوفير المواد التدريبية، وتحديث المناهج والبرامج بما يتوافق مع حاجات سوق العمل، وتأهيل المدربين وسد العجز في الكادر التخصصي. كما نسعى إلى إدخال تخصصات حديثة في مجالات الطاقة المتجددة، والتقنيات الرقمية، والأمن السيبراني، وصيانة الأجهزة، والخدمات اللوجستية، وغيرها من المجالات المطلوبة. ومن أولوياتنا أيضاً التوسع في برامج التدريب القصير والتلمذة المهنية والتدريب التعاوني مع القطاع الخاص، وزيادة فرص التحاق الفتيات وذوي الإعاقة، وافتتاح برامج مرنة في المديريات المحرومة، إلى جانب تطوير نظام معلومات موحد يساعد الوزارة على التخطيط وقياس الأداء وتوجيه الموارد وفق الاحتياج الفعلي. وقد أعددنا مصفوفة متكاملة للمشاريع ذات الأولوية في المحافظات، وسنعمل على عرضها على الحكومة والسلطات المحلية وصندوق تنمية المهارات، إلى جانب تسويقها لدى المانحين والشركاء الإقليميين والدوليين. ونتطلع بصورة خاصة إلى بناء شراكة إستراتيجية مع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والاستفادة من خبرات المملكة في تطوير مؤسسات التدريب التقني والمهني، بما يسهم في تمكين الشباب، وتوفير فرص العمل، ودعم التعافي الاقتصادي وتحقيق تنمية مستدامة.

ننظر لمستقبل اليمن بثقة

• كيف تنظرون إلى مستقبل اليمن في ظل هذه الظروف الصعبة؟

•• أنظر إلى مستقبل اليمن بثقة وأمل، رغم قسوة الظروف وحجم التحديات. واليمن يمتلك من الطاقات البشرية والموقع والموارد والتاريخ ما يؤهله للنهوض من جديد واستعادة مكانته. إن إنهاء انقلاب مليشيا الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة يمثلان المدخل الأساسي لتحقيق الأمن والاستقرار وبدء مرحلة التعافي وإعادة الإعمار. وإننا على يقين بأن اليمن لن يبقى أسيراً لهذه المرحلة، وأن إرادة أبنائه المخلصين، ووحدة القوى الوطنية، ودعم الأشقاء الصادقين، ستقود في النهاية إلى استعادة الدولة وبناء وطن آمن ومستقر. ونحن في قطاع التعليم الفني نؤمن بأن بناء المستقبل يبدأ ببناء الإنسان. ولذلك سنواصل العمل، مهما كانت الإمكانات محدودة، لتأهيل الشباب وتسليحهم بالعلم والمهارة، حتى يكونوا شركاء حقيقيين في إعادة إعمار اليمن وصناعة مستقبل أفضل، وسيعود اليمن سعيداً وآمناً بإذن الله، بسواعد أبنائه ودعم أشقائه.