لم تحسم رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، منذ توليها منصبها، موقفها النهائي من مستقبل المبادئ الثلاثة التي تحظر على اليابان امتلاك الأسلحة النووية أو إنتاجها أو السماح بإدخالها إلى أراضيها، في وقت تتزايد فيه الضغوط الأمنية المحيطة بالبلاد، ويتواصل اعتماد طوكيو على المظلة النووية الأمريكية.

ويكتسب هذا الجدل أهمية خاصة مع اقتراب اليابان من مراجعة وثائقها الأمنية الرئيسية، بالتزامن مع استمرار النقاش الداخلي حول مدى قدرة المبادئ الثلاثة على التعامل مع ما تعتبره طوكيو تغيرات متسارعة في البيئة الأمنية الإقليمية.
بعد 81 عاماً على كارثة هيروشيما وناجازاكي.. اليابان أمام معضلة نووية جديدة

موقف غامض من المبادئ الثلاثة

كانت تاكايتشي قد تناولت القضية في كتابها الصادر عام 2024 بعنوان «كوكوريوكو كينكيو» أو «بحث القوة الوطنية»، حيث كتبت أن مبدأي عدم امتلاك الأسلحة النووية وعدم إنتاجها «ينبغي الحفاظ عليهما».

لكنها تبنت موقفًا أكثر مرونة تجاه المبدأ الثالث المتعلق بعدم السماح بإدخال الأسلحة النووية إلى الأراضي اليابانية.

وأشارت في كتابها إلى أن الالتزام الصارم بهذا المبدأ قد يكون غير واقعي إذا كانت اليابان تتوقع من الولايات المتحدة توفير «الردع الممتد»، في إشارة إلى المظلة النووية الأمريكية التي تعتمد عليها طوكيو ضمن تحالفها الدفاعي مع واشنطن.

ووفقًا لما كتبته تاكايتشي، فإن التمسك بمبدأ عدم إدخال الأسلحة النووية إلى اليابان يمكن أن يتحول إلى «عقبة» في حال تعرض البلاد لما وصفته بـ«أزمة قصوى».

تاكايتشي تتجنب الحسم

وخلال مؤتمر صحفي عقدته أمس (الأحد)، سُئلت رئيسة الوزراء عما إذا كان موقف الحكومة من المبادئ الثلاثة قد تغير في ظل المناقشات الجارية بشأن وثائق الأمن القومي.

لكن تاكايتشي تجنبت، بحسب صحيفة Japantimes، تقديم إجابة حاسمة، قائلة إن الحكومة تعمل حاليًا على مراجعة وثائقها الأمنية، ولذلك فإنها لن تصدر أحكامًا مسبقة بشأن الصياغة النهائية التي ستتضمنها الوثائق.

وفي الوقت نفسه، أكدت أن حكومتها لا تزال ملتزمة بالمبادئ الثلاثة «باعتبارها سياسة» قائمة.

ويترك هذا الموقف مساحة من الغموض بشأن ما إذا كانت طوكيو ستكتفي بالحفاظ على السياسة الحالية، أم ستسعى مستقبلًا إلى تعديل أحد مبادئها، خصوصًا مبدأ عدم السماح بإدخال الأسلحة النووية إلى الأراضي اليابانية.

اليابان أمام معاهدة حظر الأسلحة النووية

وفي السياق ذاته، تتعرض الحكومة اليابانية لضغوط للمشاركة في أول مؤتمر لمراجعة معاهدة الأمم المتحدة لحظر الأسلحة النووية، المقرر عقده في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بين 30 نوفمبر و4 ديسمبر.

لكن اليابان، التي تعتمد على المظلة النووية الأمريكية في إطار دفاعها، لم تنضم إلى المعاهدة ولم توقع عليها.

وأبدت تاكايتشي تحفظًا بشأن مشاركة اليابان في المؤتمر، معتبرة أن المعاهدة ينبغي تقييمها من منظور مدى فعاليتها الحقيقية في ضمان الأمن القومي الياباني وتحقيق تقدم ملموس في مجال نزع السلاح النووي.

واعتمدت الأمم المتحدة معاهدة حظر الأسلحة النووية عام 2017، وهي تحظر تطوير الأسلحة النووية واختبارها وإنتاجها وامتلاكها وتخزينها واستخدامها، إضافة إلى التهديد باستخدامها.

وقد صادقت عشرات الدول على المعاهدة، لكن أيًا من الدول التسع التي تمتلك ترسانات نووية معلنة لم ينضم إليها.

طوكيو تركز على إرث هيروشيما وناجازاكي

وفي مقابل الجدل حول الانضمام إلى المعاهدة، شددت تاكايتشي على أهمية نقل صورة أكثر وضوحًا عن آثار القصف الذري الذي تعرضت له هيروشيما وناجازاكي خلال الحرب العالمية الثانية.

ودعت إلى تشجيع قادة العالم والقادة المستقبليين على زيارة المدينتين اللتين تعرضتا للقصف الذري، والاطلاع بصورة مباشرة على آثار الهجمات النووية.

وتأتي هذه الدعوات في ظل مخاوف متزايدة من تراجع عدد الناجين اليابانيين من القصف الذري، المعروفين باسم «هيباكوشا»، الأمر الذي يهدد بتراجع شهادات الناجين المباشرة حول حجم الكارثة النووية.

وبحسب بيانات الحكومة اليابانية، انخفض عدد الناجين إلى أقل من 100 ألف للمرة الأولى العام الماضي. وبلغ عددهم، حتى مارس، نحو 91 ألف ناجٍ، فيما وصل متوسط أعمارهم إلى 86.6 عامًا.

سباق نووي جديد يثير المخاوف

ويتزامن الجدل الياباني مع تصاعد المخاوف الدولية بشأن مستقبل الترسانات النووية، في ظل تدهور البيئة الأمنية العالمية وتراجع عدد من الاتفاقيات التي كانت تهدف إلى الحد من الترسانات النووية الأمريكية والروسية.

كما تصاعدت المخاوف من احتمال استخدام الأسلحة النووية في النزاعات المستقبلية، في وقت تشهد فيه العلاقات بين القوى الكبرى توترات متزايدة.

وتتابع اليابان بصورة خاصة التطورات العسكرية في الصين وكوريا الشمالية، حيث عززت بكين قدراتها النووية، بينما واصلت بيونغ يانغ تطوير برنامجها النووي والصاروخي.

وتنظر طوكيو إلى الترسانة النووية لكوريا الشمالية وبرامجها الصاروخية باعتبارها أحد أبرز مصادر القلق الأمني في محيطها الإقليمي.

9 دول تمتلك أسلحة نووية

وبحسب تقديرات «الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية»، تمتلك تسع دول حاليًا ترسانات نووية، هي الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين وكوريا الشمالية وإسرائيل والهند وباكستان.

ورغم أن العدد الإجمالي للرؤوس النووية حول العالم تراجع بصورة كبيرة مقارنة بفترة الحرب الباردة، عندما بلغ نحو 70 ألف رأس نووي، تشير تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى وجود نحو 12,187 رأسًا نوويًا حاليًا.

لكن التراجع التاريخي في أعداد الرؤوس النووية لا يعني بالضرورة اتجاه العالم نحو مزيد من نزع السلاح، إذ يتوقع خبراء أن تشهد الترسانات نموًا خلال العقد القادم، في ظل تدهور البيئة الأمنية الدولية وتزايد التنافس بين القوى النووية.

وبالنسبة لليابان، تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا؛ فهي تحمل إرث الدولة الوحيدة التي تعرضت لهجمات نووية في التاريخ، وتدعو رسميًا إلى عالم خالٍ من الأسلحة النووية، لكنها في الوقت نفسه تعتمد على الردع النووي الأمريكي لحماية أمنها.

ومع اقتراب مراجعة الوثائق الأمنية اليابانية، يظل السؤال الأبرز هو ما إذا كانت طوكيو ستتمسك بصورة كاملة بالمبادئ الثلاثة التي شكلت أحد ثوابت سياستها بعد الحرب، أم ستعيد تفسير أحد بنودها بما يتناسب مع المتغيرات الأمنية المتسارعة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.