تذهب بيروت إلى العاصمة الأمريكية واشنطن مثقلة بوقائع ميدانية قاسية تتجاوز السقوف اللفظية المرفوعة. فحتى مع خروج الموقف الرسمي اللبناني اليوم (الاثنين) برؤسائه الثلاثة ليعلن التمسك بالانسحاب الشامل كشرط إلزامي لأي ترتيبات أمنية، إلا أن هذه الإطارات السيادية تظل مطوقة بوقائع ميدانية تصاغ بالنار خارج الحدود، وتجعل الهوامش المحلية ضيقة جداً أمام حتمية المسار الدولي.


المتابعون لجلسة 29 مايو الأمنية في البنتاغون، ومحادثات 2 و3 يونيو في الخارجية الأمريكية، يدركون أن الطاولات الدبلوماسية لن تُفرش بالنيات الحسنة، بل تُطبخ على نار التصعيد الإسرائيلي غير المسبوق، الذي بلغت ذروته اليوم مع ما كشفته «هيئة البث الإسرائيلية» عن مقترح رئيس الأركان باستهداف مباني الضاحية الجنوبية لبيروت رداً على مسيّرات حزب الله.


إبتزاز إسرائيلي بالبارود


هذا التطور الإسرائيلي يختصر المشهد الحقيقي قبل الجولات المرتقبة في واشنطن: إسرائيل تمارس «الابتزاز بالبارود»، وتحاول فرض وقائع ميدانية جديدة لترجمتها فوراً كشروط إذعان تقنية وعسكرية داخل أروقة البنتاغون، مستغلة ردود فعل الدولة اللبنانية التي تتحرك كمتلقٍ لقرارات دولية كبرى.


وفي هذا السياق، تكشف التقارير الدبلوماسية الموثوقة والمطّلعة على كواليس القرار، أن جدول أعمال واشنطن الفعلي لن يكون خاضعاً للمناورة، بل يستند إلى ثلاثة ملفات تنفيذية وضعت الدولة اللبنانية مباشرة أمام الأمر الواقع:


أولاً: في ما يتعلق بالهندسة التقنية للحدود وعزل الميدان، فإن المداولات في واشنطن تجاوزت تماماً الصيغ النظرية للقرار 1701، لتنتقل إلى وضع «آلية تنفيذية صارمة» كفيلة بسدّ الثغرات التي تسببت في فشل الترتيبات السابقة.


ويتركز النقاش على نشر منظومات رصد متطورة وشبكة أبراج مراقبة بإشراف دولي، مع تفعيل كامل لصلاحيات الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل» في التفتيش والمداهمة لمنع أي مظاهر مسلحة غير شرعية جنوب الليطاني، في مسار يُنظر إليه دولياً كخيار حتمي لإنهاء جبهة «المشاغلة» وحماية الحدود بشكل دائم.


العصا الأمريكية الغليظة


ثانياً: يبرز على الطاولة، ويتمثل في طرح معادلة «حصرية السلاح مقابل الدعم الدولي»، حيث غابت لغة التسويات الرمادية وحل مكانها منطق الشروط الواضحة، إذ تؤكد الأوساط المواكبة أن عواصم القرار أبلغت بيروت صراحة بأن أي تدفق للمساعدات المالية أو مساهمة في إعادة الإعمار باتا مشروطين بالتزام رسمي ومجدول ببسط سيادة الدولة وحصر السلاح والمجهود العسكري بيد مؤسساتها الشرعية فقط، كخطوة إلزامية لإنهاء حالة الحرب ودمج لبنان في منظومة الاستقرار الإقليمي.


ثالثاً: تلويح واشنطن بـ«العصا الغليظة» من خلال توظيف العقوبات لضبط إيقاع التفاوض، حيث كان صدور العقوبات الأخيرة بحق نواب ومسؤولين أمنيين «رسالة بالبريد السريع» رفعتها الخزانة الأمريكية قبيل جولات واشنطن. وهذا التوقيت المدروس يهدف بوضوح إلى محاصرة المفاوض اللبناني وإفهامه بأن هوامش المماطلة والالتفاف قد أُقفلت تماماً، وأن أي محاولة للتملص من الترتيبات الأمنية القادمة ستجابه بخنق مالي وسياسي مباشر.


وعليه، يدخل لبنان أسبوع واشنطن بلا أوهام، وتحت تهديد مباشر بضرب عاصمته وضاحيتها. المعادلة باتت مكشوفة: إسرائيل تصعّد في الجنوب وتهدد العمق لتجبر بيروت على التوقيع في واشنطن على ترتيبات أمنية صاغتها مراكز القرار الدولية، ليبقى السؤال: هل تملك بيروت القدرة على تخفيف شروط الالتزام بالأمر الواقع الجديد؟