رغم أن ارتفاع ضغط الدم يُعرف تقليدياً بأنه مرض يصيب البالغين، فإن الدراسات الحديثة تؤكد أنه أصبح يظهر لدى الأطفال والمراهقين بنسبة متزايدة، خصوصاً مع انتشار السُّمنة وقلة النشاط البدني واعتماد أنماط غذائية غير صحية. وتشير الأدلة العلمية إلى أن هذه الحالة ليست بسيطة أو عابرة، بل قد تكون مؤشراً مبكراً لأمراض القلب والكلى في المستقبل إذا لم تُكتشف وتُعالج في الوقت المناسب.

وتُظهر دراسة تحليلية واسعة أن معدل انتشار ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال والمراهقين بلغ نحو 4%، بينما وصلت نسبة من هم في مرحلة ما قبل الارتفاع إلى 9.6%؛ وهي أرقام تعكس زيادة واضحة مقارنة بالعقود الماضية. كما أكدت الدراسة أن السمنة تُعد العامل الأكثر ارتباطاً بارتفاع الضغط في هذه الفئة العمرية، إذ ترتفع احتمالية الإصابة بشكل كبير لدى الأطفال الذين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة المفرطة.

ووصفت دراسة بحثية حديثة نُشرت في Hypertension Research، ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال بأنه «مشكلة صحية عامة متنامية عالمياً»، وأنه يرتبط بشكل مباشر بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية في مرحلة البلوغ. وتوضح المراجعة أن ارتفاع الضغط في الطفولة، غالباً، ما يستمر إلى مرحلة البلوغ، مما يضاعف احتمالية الإصابة بتصلُّب الشرايين، وتضخم عضلة القلب، والفشل الكلوي لاحقاً.

كما أظهرت دراسة حديثة نُشرت عام 2024م في JAMA Network أن نسب انتشار ارتفاع الضغط تختلف حسب المعايير التشخيصية المستخدمة، لكنها اتفقت على أن الأطفال المصابين بالسمنة أو الذين يعانون من قلة النشاط البدني هم الأكثر عرضة للإصابة.

وتكمن خطورة ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال في أنه قد يكون صامتاً دون أعراض واضحة، بينما تبدأ التغيرات المرضية في الشرايين والقلب مبكراً.

وتخلص الأبحاث إلى أن ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال لم يعد حالة نادرة، بل مشكلة صحية متنامية تتطلب اهتماماً أكبر من الأهل والمجتمع والقطاع الصحي. فالفحص المبكر، والمتابعة المنتظمة، وتعديل نمط الحياة، تُعد خطوات أساسية للوقاية من المضاعفات وضمان صحة القلب والكلى على المدى الطويل.

عوامل الخطر والتشخيص

وفي هذا السياق، طرحت «عكاظ» محاور هذا الملف أمام عددٍ من الأطباء المختصين، فأوضح استشاري طب الأطفال وحديثي الولادة الدكتور عبدالناصر حسين أن ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال يُعرَّف بأنه تجاوز قراءات الضغط للمعدلات الطبيعية المناسبة لعمر الطفل وطوله وجنسه، ويُعد مرتفعاً إذا تجاوزت القراءات النسبة المئوية 95 في أكثر من قياس.

وبيّن أن قياس ضغط الدم لدى الأطفال -كما هو الحال لدى البالغين- يعتمد على استخدام «كُفّة» مناسبة لحجم الذراع، وإجراء القياس في حالة هدوء، مع ضرورة تفسير النتائج وفق جداول خاصة بالأطفال وليس اعتماد أرقام ثابتة.

وأشار إلى أن الفئات الأكثر عرضة للإصابة هم أطفال سن المدرسة والمراهقون، خصوصاً ممن يعانون من السمنة أو لديهم تاريخ عائلي للإصابة بارتفاع الضغط.

التوتر النفسي المدرسي

وعن الأسباب، ذكر الدكتور عبدالناصر أن ارتفاع الضغط قد ينتج عن أمراض الكلى، العيوب القلبية الخلقية، اضطرابات الغدد، بعض الأدوية، أو تضيق الشريان الكلوي.

وحذّر من السمنة كونها تزيد من مقاومة الأوعية الدموية وتُجهد القلب، مما يرفع احتمالية الإصابة بارتفاع الضغط. كما نبّه إلى أن قلّة النوم قد تسبب اضطراباً هرمونياً وزيادة في الإجهاد، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع الضغط. وأضاف أن التوتر النفسي المدرسي قد يرفع الضغط بشكل مؤقت، ومع استمراره قد يؤثر على صحة الطفل بشكل واضح.

وأكد الدكتور عبدالناصر أن المتابعة المبكرة واتباع نمط حياة صحي يشمل غذاءً متوازناً، ونشاطاً بدنياً منتظماً، ونوماً كافياً، تُعد من أهم عوامل الوقاية من ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال.

اضطراب توازن

استشاري الأطفال العام والأمراض المعدية في مستشفى الملك عبدالعزيز بجدة – التجمع الصحي الأول، الدكتورة تسنيم زيدان، أوضحت أن أمراض الكلى تُعد من أهم الأسباب المؤدية لارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال، بخلاف ما يحدث لدى البالغين إذ يكون السبب غالباً أولياً وغير مرتبط بمرض عضوي. وبيّنت أن أي خلل في الكلى؛ مثل الالتهابات، التشوهات الخلقية أو أمراض الكلى المزمنة، يؤدي إلى اضطراب توازن السوائل والأملاح في الجسم؛ مما يسبب احتباس الصوديوم والماء وارتفاع ضغط الدم. كما أن الكلى تلعب دوراً محورياً في تنظيم الضغط عبر هرمونات مهمة مثل الرينين، وأي اضطراب في هذه المنظومة قد يرفع الضغط بشكل ملحوظ.

وأشارت إلى أن العوامل الوراثية لها دور واضح في إصابة الأطفال، إذ ترتفع احتمالية الإصابة إذا كان أحد الوالدين أو كلاهما يعاني من ارتفاع ضغط الدم، كما أن بعض الاضطرابات الوراثية النادرة قد تسبب ارتفاعاً مبكراً في الضغط، خصوصاً عند ظهوره في سن صغيرة دون سبب واضح. وأكدت أهمية إجراء فحوصات أساسية لتحديد السبب، تشمل قياس ضغط الدم بشكل متكرر وبطريقة صحيحة، تحليل البول للكشف عن أمراض الكلى، وظائف الكلى (الكرياتينين واليوريا)، تحليل الأملاح في الدم، صورة دم كاملة، تخطيط القلب، وأحياناً أشعة صوتية للكلى، مع إمكانية طلب فحوصات إضافية حسب الحالة. وأشارت الدكتورة تسنيم إلى أن تصنيف ضغط الدم لدى الأطفال يختلف عن البالغين، إذ يعتمد على العمر والجنس والطول، مما يجعل التقييم بحاجة إلى دقة وخبرة طبية.

وحول أهمية تكرار القياس قبل تأكيد التشخيص، أوضحت الدكتورة تسنيم أن قياس ضغط الدم في زيارة واحدة لا يكفي، لأن القراءة قد ترتفع مؤقتاً بسبب القلق (ما يعرف بارتفاع الضغط الأبيض)، أو الألم، أو النشاط البدني، لذلك يُنصح بإجراء القياس في ثلاث زيارات مختلفة على الأقل لضمان دقة التشخيص وتجنب إعطاء علاج غير ضروري.

وعن الخطوة الأولى في العلاج، ذكرت الدكتورة تسنيم زيدان أن تعديل نمط الحياة يُعد الأساس، ويشمل تقليل الملح في الطعام، الحفاظ على وزن صحي، زيادة النشاط البدني، وتقليل وقت الشاشات. أما العلاج الدوائي فيُستخدم عند وجود مرض عضوي مثل أمراض الكلى، أو استمرار ارتفاع الضغط رغم تعديل نمط الحياة، أو في الحالات الشديدة من ارتفاع الضغط (Stage 2).

كما شددت على ضرورة مراجعة الطبيب بشكل عاجل عند ظهور أعراض قد تشير إلى ارتفاع خطير في الضغط، مثل الصداع الشديد والمستمر، تشوش أو ضعف الرؤية، الدوخة أو فقدان الوعي، ألم الصدر أو ضيق التنفس، أو حدوث تشنجات، مؤكدة أن هذه العلامات تستدعي تقييماً طبياً فورياً.

واختتمت الدكتورة تسنيم حديثها بالتأكيد على أن ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال ليس شائعاً مثل البالغين، لكنه قد يكون مؤشراً مهماً على وجود مشكلة صحية كامنة، خصوصاً في الكلى، وأن الاكتشاف المبكر والمتابعة المنتظمة يلعبان دوراً أساسياً في الوقاية من المضاعفات وضمان صحة الطفل على المدى الطويل.

تشنجات ومخاطر

أوضحت استشاري وأمراض كلى الأطفال في مستشفى الملك عبدالعزيز بجدة – التجمع الصحي الأول الدكتورة حليمة الغامدي، أن اللجوء إلى العلاج الدوائي لارتفاع ضغط الدم عند الأطفال يتم عندما تظهر مضاعفات واضحة مثل وجود الزلال في البول، أو التأثير على ضغط العين، أو حدوث تضخم في عضلة القلب، أو ظهور تشنجات مصحوبة بصداع مزمن، إضافة إلى الحالات التي يكون فيها ضغط الدم مرتفعاً ضمن الدرجة الثانية (Stage 2). كما يُستخدم العلاج الدوائي بعد منح الطفل فرصة لمدة شهر أو أقل لتغيير نمط الحياة ومراقبة التحسن إذا كان الضغط في المستوى الثاني دون مضاعفات، بينما يُمنح الأطفال في المستوى الأول فترة أطول تمتد لشهرين أو ثلاثة لمتابعة تأثير تعديل نمط الحياة قبل التفكير في العلاج الدوائي. وتشمل الأدوية المستخدمة مجموعة من أشهرها دواء أملوديبين من فئة حاصرات قنوات الكالسيوم، وأدوية تقلل مستوى الزلال مثل مثبطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين (كابتوبريل وإنالابريل)، أو مثبطات مستقبلات الأنجيوتنسين (فالسارتان ولوسارتان)، إضافة إلى أدوية حاصرات بيتا مثل أتينولول، وكذلك المُدِّرات البولية التي قد تساعد في خفض الضغط، ويحدد الطبيب نوع الدواء المناسب حسب حالة الطفل، مع الإشارة إلى أن بعض التركيبات الدوائية التي تجمع أكثر من فئة تُستخدم غالباً لدى البالغين أكثر من الأطفال.

وبيّنت الدكتورة الغامدي أن تعديل نمط الحياة يُعد خطوة أساسية ومهمة في خفض ضغط الدم؛ ويشمل الابتعاد عن الوجبات السريعة الغنية بالدهون والصوديوم، والإكثار من شرب الماء، إضافة إلى ممارسة الرياضة والأنشطة الحركية للحفاظ على وزن صحي، مع تقليل الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الأجهزة الإلكترونية لما لها من تأثير سلبي قد يرفع مستوى هرمون الكورتيزول ويزيد الوزن.

وحول المضاعفات المحتملة لارتفاع ضغط الدم غير المعالج، أوضحت الدكتورة حليمة أن المخاطر قد تكون خطيرة؛ وتشمل حدوث تشنجات، وارتفاع ضغط الدم داخل الدماغ مما قد يؤدي إلى نزيف، إضافة إلى تأثيره على العين واحتمال حدوث نزيف في الشبكية، وارتفاع نسبة الزلال في البول وقصور الكلى، كما قد يؤثر على القلب ويزيد من احتمالية تضخم عضلة القلب وتصلب الشرايين.

وأكدت أهمية المتابعة طويلة المدى للأطفال المصابين بارتفاع ضغط الدم، إذ يجب مراجعة طبيب كلى أطفال مختص بشكل دوري، مع تعليم الأهل كيفية استخدام جهاز قياس الضغط والتعرف على علامات الارتفاع والانخفاض وكيفية التعامل معها. كما ينبغي قياس ضغط الطفل ثلاث مرات يومياً وتدوين القراءات في سجل خاص، مع الحرص على أن تكون ضمن المعدل الطبيعي المناسب للعمر والطول والجنس وفق الجداول العالمية المعتمدة. وأشارت إلى ضرورة الكشف المبكر عن أي مضاعفات وعلاجها في الوقت المناسب، وأن بعض الحالات تستدعي إجراء قياس ضغط الدم على مدار 24 ساعة باستخدام جهاز متخصص، مما يساعد في اكتشاف ارتفاع الضغط المرتبط بالقلق داخل العيادة (White coat hypertension) فقد يكون الضغط مرتفعاً أمام الطبيب وطبيعياً في المنزل. وأضافت أن ارتفاع ضغط الدم في مرحلة الطفولة قد يساهم في زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب في مرحلة البلوغ، إذ يؤدي عدم علاجه إلى تضخم عضلة القلب وضعفها، إضافة إلى تصلب وسماكة الشرايين. كما أوضحت أن الطفل قد يحتاج إلى فحص الموجات الصوتية للكلى عند ملاحظة ارتفاع مبكر في ضغط الدم، للكشف عن وجود تشوهات خلقية أو تضخم أو ضمور في الكلى، أو وجود انسدادات في الأوعية الدموية المغذية لها، ويتم ذلك باستخدام فحص الدوبلر بالموجات الصوتية.