ظل (عبدالرزاق) على مدى ست سنوات يدفع فاتورة معاناته مع أحد المستشفيات التي راجعها إثر تعرضه لمتاعب في القلب ولم يجد وقتها التفاعل الطبي اللازم من الفريق المعالج، وروى لـ«عكاظ» كيف تدهورت حالته الصحية بسبب ما وصفه بـ«الإهمال» لتتبين لاحقاً إصابته بجلطة قلبية تستدعي قسطرة عاجلة، الأمر الذي لم يُنفذ في حينه ما جعل حالته الصحية تتبدل إلى الأسوأ.

في المجتمع، تتصاعد وتيرة النظر في الأخطاء أو المضاعفات الطبية أو الإهمال، بوصفها واحدة من أكثر الملفات حساسية؛ نظراً لتقاطعها المباشر مع حق الإنسان في الحياة وسلامة الجسد. وبين روايات لمرضى وذويهم تولد من رحم المعاناة، تقف الجهات القضائية أمام مهمة دقيقة لترجيح كفة العدالة استناداً إلى ما يقرره نظام مزاولة المهن الصحية من ضوابط ومعايير صارمة.

ويجمع قانونيون على أن قضايا الأخطاء الطبية من أكثر القضايا حساسية في المجتمع، لما تمسّه من حق أصيل من حقوق الإنسان وهو الحق في الصحة وسلامة الجسد، ولما يترتب عليها من آثار نظامية ومهنية وأخلاقية تمس المريض والممارس الصحي والمنشأة الصحية على حدٍ سواء.

«عضلة» عبدالرزاق..

6 سنوات من المعاناة

يستذكر عبدالرزاق العفنان (39 عاماً) -مريض قلب- لـ«عكاظ»، تفاصيل أزمته الصحية بدأ أول فصولها قبل سنوات عندما أُدخل قسم الطوارئ بأحد المستشفيات يعاني من تأخر التدخل الطبي العاجل، ما فاقم حالته الصحية وألحق به ضرراً دائماً في عضلة القلب، ما يؤكد الحاجة إلى متابعة أوسع حول الرعاية الإسعافية وحدود أثر الاعتبارات المالية في الحالات الحرجة.

لم يدخل عبدالرزاق المستشفى يومها مريضاً، بل مرافق لوالدته، وفي الساعات التالية تبدّل مسار حياته تماماً، فمع ألم مفاجئ في الصدر في قسم الطوارئ بالمستشفى الأقرب إلى منزله، بدأت رحلة معاناة ربطها بتأخر التدخل في حالة إسعافية، وما أعقب ذلك من ضرر صحي دائم لا يزال يتحمله منذ ست سنوات حتى اليوم.

يضيف عبدالرزاق في روايته لـ«عكاظ»: لم أكن في ذلك اليوم مراجعاً بسبب مرض سابق، بل كنت مرافقاً لوالدتي التي أُسعفت إلى الطوارئ بعد فقدانها الوعي، وأثناء وجودي داخل القسم شعرت بألم شديد ومفاجئ في صدري، فتم التعامل مع حالتي وأجريت الفحوصات اللازمة التي بيّنت أني أعاني من حالة قلبية طارئة تستوجب تدخلاً عاجلاً في وقت حرج يُعرف طبياً بـ«الوقت الذهبي»؛ أي خلال ثلاث ساعات كحد أقصى، وهو وقت لا يحتمل التأخير. وأضاف: الأطباء أبلغوا أسرتي بضرورة إجراء قسطرة قلبية عاجلة، إلا أن الإجراء، لم يتم في الوقت المطلوب -وفق روايته- إذ جرى إدخاله إلى العناية المركزة وإعطاؤه أدوية ومميّعات، بينما تأخر التدخل الحاسم رغم خطورة الحالة.

الدفع قبل الجراحة

طبقاً لحديث عبدالرزاق مع «عكاظ»، فإن سبب التأخير لم يكن طبياً، بل ارتبط بالاعتبارات المالية واشتراط الدفع قبل إجراء التدخل الجراحي، ما يعتبره جوهر ما تعرض له، خصوصاً أن حالته كانت إسعافية وتستلزم استجابة فورية تحفظ عضلة القلب وتمنع تفاقم الضرر. وأوضح أنه بعد يومين من تعنّت المستشفى ورفضها إجراء التدخل الجراحي العاجل، اضطُرت عائلته -بناءً على نصائح من أطباء من المستشفى وخارجه- إلى إخراجه والبحث عن العلاج في جهة أخرى. ويقول: إن الأسرة سدّدت للمستشفى مبلغ 10700 ريال عن اليومين اللذين قضاهما فيه، رغم محاولاتها المتكررة إجراء التدخل الإسعافي في حينه، إلا أن القرار الطبي ظل -بحسب روايته- على حاله. وبعد خروجه، نُقل بسيارة إسعاف إلى منشأة صحية أخرى أُجريت له فيها القسطرة بشكل عاجل، إذ تبيّن وجود انسداد كامل في أحد الشرايين، وتضرر شرايين أخرى وضعف في عضلة القلب، قبل أن يخضع لاحقاً لتدخلات علاجية إضافية.

يرى عبدالرزاق، الذي توفيت والدته بعد أيام من دخولها المستشفى نفسه، أن ما حدث لم يكن مجرد تأخر عابر في تقديم الخدمة، بل ترتب عليه ضرر صحي مستمر أثّر في حياته حتى اليوم، مشيراً إلى أنه لا يزال يتلقى العلاج والمتابعة بسبب ما لحق بعضلة القلب من تضرر. وأضاف: «المؤلم في قصتي ليس فقط أن العلاج تأخر في لحظة كانت تحتاج إلى قرار طبي عاجل، بل إنني شعرت بأن حالتي ووجعي لم يُنظر إليهما بما يستحقانه من مسؤولية، وأن الاعتبارات المالية تقدمت على إنقاذ حياتي». ويقول إن ما جرى لم يترك أثراً صحياً فقط، بل غيّر تفاصيل حياته اليومية بالكامل، مضيفاً: «أحمد الله تعالى على كل شيء، وقدر الله وما شاء فعل، لكن يبقى في القلب شيء من الانكسار. أكثر ما يحزّ في النفس ويترك خيبة أمل دائمة شعوري بأنني تغيرت إلى الأسوأ. أبسط الأمور التي كانت عادية في حياتي أصبحت اليوم عبئاً ثقيلاً؛ فمهمات يومية مثل حمل طفلي أو قضاء حاجات المنزل قد تسبب لي ضيقاً في التنفس وإرهاقاً شديداً، وكثير من القدرات التي كنت أمارس بها حياتي بشكل طبيعي فقدتها، وأصبحت هواياتي الرياضية مثل الجري ولعب كرة القدم، من الأمور التي لم أعد أستطيع القيام بها. حتى النوم لم يعد كما كان، إذ أستيقظ أحياناً فقط لأتنفس بسبب شعور ضيق النفس الملازم لي، إلى جانب الالتزام بحمية غذائية صارمة تُشعرني على الدوام بأن حياتي تبدلت. بت أعاني بشكل شبه يومي من انخفاض الضغط، والهبوط، والوهن، وانعدام الحيلة، وهي أمور لم تعد تفارق يومي».

دخل «الطوارئ» بعارض.. وخرج بضرر مزمن

يستمر عبدالرزاق في سرد حكايته ويضيف: أن تقريراً طبياً اطلع عليه تضمّن أن حالته شُخّصت، وأنه نُصح بإجراء قسطرة قلبية، إلا أن الظروف المالية وحالة التأمين لم تسمحا بإجراء اللازم في حينه، معتبراً أن هذه الإشارة تثير تساؤلاً حول مدى مشروعية ربط التدخل العاجل بالقدرة على الدفع، لا سيما في الحالات الطارئة.

وبحسب ما يورده في شكواه، فإن الضرر لم يكن عارضاً أو مؤقتاً، بل تحوّل إلى إصابة دائمة تركت أثرها على كفاءة عضلة القلب وصحته الجسدية والنفسية، تتطلب علاجاً مدى الحياة، فهو لا يتحدث فقط عن ألم مرّ به وانتهى، بل عن حياة تغيّرت بعد تلك الساعات؛ عن إنسان دخل قسم الطوارئ بعارض إسعافي، وخرج منه محمّلاً بضرر مزمن ومعاناة ممتدة.

غير أن الجانب الأكثر قسوة في القصة -كما يقول عبدالرزاق- لم يكن فقط في تأخر العلاج، بل فيما أعقبه من إجراءات إذ يؤكد أن تقريراً صادراً من الشؤون الصحية جاء -بحسب روايته- متناقضاً وغير منسجم مع ما عاشه على أرض الواقع، لأنه صدر من دون لقائه أو الاستماع إليه أو معاينته مباشرة. ويقول إن قصته لم تُعرض كما حدثت من جانبه، ولم يُمنح فرصة حقيقية لشرح ما جرى له منذ اللحظة الأولى، رغم أنه الطرف الذي تحمل الضرر الجسدي والنفسي المباشر.

يقول عبدالرزاق: إن ما يطلبه اليوم لا يقتصر على إنصافه الشخصي، بل يتجاوز ذلك إلى ضرورة حماية المرضى من تكرار مثل هذه الوقائع.

وختم حديثه لـ«عكاظ» بالقول: «أتمنى أن تسهم رواية ما حدث لي في تعزيز الوعي بحقوق المرضى، وأن يكون إنقاذ الإنسان هو الأولوية في الحالات الحرجة، لأن دقائق التأخير قد تغيّر حياة المريض إلى الأبد، وهذا ما جرى معي؛ لقد تغيرت حياتي إلى الأبد».

استبدال «CD» لمريض سرطان

(أبو حسام) يعاني من أورام سرطانية في الرئة ويتابع لدى استشاري.. طلب الأسبوع الماضي من القسم المختص بالمستشفى الذي يعالج فيه نسخة من الـ(CD) الأشعة السابقة والأشعة الأخيرة للصدر؛ بهدف عرضها على طبيب استشاري صدرية في مستشفى آخر لمزيد من المتابعة الطبية، وعند وصوله لطبيب الصدرية قدم له نسختَي الـ(CD) اللتين تسلمهما من المستشفى، فوجئ أن إحداهما تخص مريضة اسمها (تغريد»، وأن الـ(CD) الخاص به المتعلق بالأورام على الأرجح سلم لمريض آخر، وقال إنه يعتزم تقديم شكوى لإدارة المستشفى على الإهمال في تبديل تقارير أو ملفات طبية، ما جعله مطالباً بالحجز مجدداً والعودة للحصول على الـ(CD) الذي يخصه والعودة لطبيب الصدرية، ما يكبده المتاعب والمشاق لا سيما أنه يعالج بـ(الكيماوي).

وختم بالقول: إنه يتمنى ألا يفجع المريض الذي تسلم الـ(CD) الخاص به؛ كونه يشخص حالة مرض سرطان بالرئة.

قصة التعويض بـ«مليون»

كشف رئيس منتدى الطب والقانون المحامي ماجد قاروب، أن المؤسسات الطبية يجب أن تتحمل خطأ منسوبيها من الأطباء والممارسين الصحيين. وروى قاروب لـ«عكاظ»، أنه عايش قصة خطأ طبي عندما صادقت محكمة استئناف سعودية على إلزام فريق طبي بدفع مليون ريال تعويضاً عن خطأ تسببوا به، ونتج عنه إصابة مولود بشلل دماغي أدى لتعطل جميع الأطراف. وأضاف أن محكمة الاستئناف صادقت على حكم أصدرته الهيئة الصحية الشرعية بإلزام الفريق المكون من ثلاثة أطباء، ويضم استشارياً ومختصاً في التخدير في منشأة طبية، بتعويض أب وأم من جنسية عربية مبلغ مليون ريال، بعد الخطأ الذي ارتكبوه أثناء الولادة.

وبيّن قاروب أن الوالدين من خلال لائحة الدعوى طالبا بتعويض بمبلغ 100 مليون ريال عن مصاريف وعلاج طفلهما المصاب بالشلل من جراء الخطأ الطبي، وذلك لـ40 سنة قادمة على أقل تقدير لتغطية ما يصرف وما يحتاج إليه ابنهما في سبيل علاجه ورعايته وإعادة تأهيله.

وقال قاروب: مع ما يشهده القطاع الصحي من تطور متسارع، وارتفاع مستوى الوعي النظامي لدى المجتمع، لم تعد هذه القضايا مجرد وقائع طبية، بل أصبحت ملفات نظامية دقيقة تتطلب فهماً واعياً لإجراءات التحقيق، والتمييز بين المضاعفات الطبية المشروعة التي لا يمكن تفاديها، وبين الخطأ الطبي الموجب للمساءلة. وأضاف: الخطأ الطبي لا يقتصر على الأطباء فقط، بل يشمل جميع من يباشر عملاً صحياً مؤثراً في صحة الإنسان، وهو ما تجسد في نظام مزاولة المهن الصحية الذي أسند النظر في هذه القضايا إلى القضاء، ونظم آلية المساءلة والعقوبات المترتبة على ثبوت الخطأ الطبي.

التحقيق للوصول إلى الحقيقة

قاروب لفت إلى أن (المادة 32) من نظام مزاولة المهن الصحية نصّت على العقوبات التأديبية التي يجوز توقيعها عند ثبوت المخالفة، وتشمل؛ الإنذار، أو الغرامة التي لا تتجاوز 100 ألف ريال، أو إلغاء الترخيص، أو الإيقاف المؤقت عن ممارسة المهنة لمدة لا تتجاوز سنة، أو الجمع بين عقوبتين أو أكثر بحسب جسامة الخطأ وآثاره.

وبيّن أن العقوبات التأديبية لا تخل بالحق الخاص، ويجوز الحكم بالتعويض عن الضرر متى ثبت الخطأ الطبي وتحققت العلاقة السببية، سواء كان التعويض على الممارس الصحي أو المنشأة الصحية، بحسب ما تقرره الجهة القضائية المختصة.

وأكد أن التحقيق في قضايا الأخطاء الطبية لا يُقصد به العقاب بقدر ما يهدف إلى الوصول للحقيقة، وتحديد ما إذا كان ما وقع يُعد خطأً مهنياً، أم إجراءً طبياً صحيحاً ترتب عليه أثر غير متوقع، وتُعد الإفادة الطبية من أهم أدوات الإثبات في هذه القضايا، إذ تُبنى عليها قناعة جهة التحقيق، والرأي الفني للجان المختصة، وقد يكون لها أثر مباشر في القرار القضائي، ولهذا فإن صياغتها تتطلب دقة مهنية عالية وحياداً في الطرح، والتزاماً بالوقائع دون اجتهادات شخصية أو اعترافات غير مطلوبة، مع ربط القرار الطبي بالأسس العلمية والبروتوكولات المعتمدة وقت الواقعة.

أخطاء شائعة في التقارير

قاروب يضيف: إن بعض الممارسين يقعون في أخطاء شائعة عند كتابة الإفادة مثل استخدام مصطلحات عامة، أو الاعتماد على الذاكرة دون الرجوع للسجل الطبي، أو الخوض في تبريرات شخصية لا تخدم مسار التحقيق، ما قد يضعف موقفهم النظامي رغم سلامة الإجراء الطبي.

وحرِص المنظم السعودي على تحقيق توازن عادل بين حماية حقوق المرضى، وضمان عدم تعسف المساءلة بحق الممارسين الصحيين، من خلال ربط المسؤولية بالمعايير العلمية والنظامية لا بالنتائج وحدها. وأبان قاروب أن حسن التوثيق والفهم الواعي للأنظمة وصياغة الإفادة الطبية بصورة مهنية مسؤولة، تمثّل خط الدفاع الأول للممارس الصحي، وتسهم في تحقيق العدالة، وتصحيح الممارسة، ومنع تكرار الأخطاء، وتعزيز الثقة في المنظومة الصحية بما ينسجم مع رؤية المملكة في الارتقاء بجودة وسلامة الرعاية الصحية.

متى يتدخل الوزير؟

المحامية نسرين الغامدي أوضحت أن نظام مزاولة المهن الصحية يتكون من 44 مادة تتناول شروط الترخيص بمزاولة المهن الصحية، وواجبات الممارس الصحي، والمسؤولية المهنية؛ ومنها المسؤولية المدنية، والمسؤولية الجزائية، والمسؤولية التأديبية، إضافة إلى التحقيق والمحاكمة.

وقالت: إن نظام مزاولة المهن الصحية منح الوزير أن يأمر بالإيقاف المؤقت عن مزاولة المهنة الصحية، وللمدة التي يراها مناسبة، في حق أي ممارس صحي مرخص له، عند وجود أدلة وقرائن دالة على مخالفة تكون عقوبتها -في حالة ثبوتها- إلغاء الترخيص، وفي حال كان هناك احتمال بأن هذا الإيقاف المؤقت سيترتب عليه إلحاق ضرر بالمرضى المستفيدين، فيتخذ الوزير ما يجب لاستمرار تلقي المرضى ما يحتاجونه من رعاية صحية، ويحق للممارس الصحي التظلم من ذلك الإيقاف لدى ديوان المظالم خلال 30 يوماً من تاريخ إبلاغه بذلك.

المحكوم عليه يدفع

المحامية نوال الدوسري، كشفت أن نظام مزاولة المهن الصحية حظر ممارسة أي مهنة صحية إلا بعد الحصول على ترخيص من وزارة الصحة؛ وفق شروط حددها النظام، ويزاول الممارس الصحي مهنته لمصلحة الفرد والمجتمع في نطاق احترام حق الإنسان في الحياة وسلامته وكرامته، مراعياً في عمله العادات والتقاليد السائدة في المملكة، مبتعداً عن الاستغلال. وقالت: إن نظام مزاولة المهن الصحية ألزم بالاشتراك في التأمين التعاوني ضد الأخطاء المهنية الطبية على جميع الأطباء وأطباء الأسنان العاملين في المؤسسات الصحية العامة والخاصة. وتضمن تلك المؤسسات والمنشآت سداد التعويضات التي يصدر بها حكم نهائي على تابعيها إذا لم تتوافر تغطية تأمينية أو لم تكفِ، ولها حق الرجوع على المحكوم عليه في ما دفعته عنه.

3 أركان للأخطاء الطبية

يوضح المحامي محمد العلي، أن قضايا الأخطاء الطبية تقوم على ثلاثة أركان: وجود خطأ مهني من الممارس الصحي، وحدوث ضرر للمريض، وقيام علاقة سببية بين الخطأ والضرر.

وبيّن أن تقييم هذه القضايا يتم وفق ظروف كل حالة وملابساتها، خصوصاً في الحالات الحرجة التي تتطلب سرعة في التدخل، إذ يُنظر إلى مدى التزام الجهة الصحية بتقديم الرعاية العاجلة وفق الإمكانات المتاحة، وما إذا كان هناك تأخر غير مبرر أثّر على النتيجة الصحية للمريض.

وأشار إلى أن الأنظمة الصحية تُلزم بتقديم الرعاية الطبية العاجلة للمريض في الحالات الطارئة وبذل العناية اللازمة، وتُجرّم الامتناع عن تقديم العلاج دون سبب مقبول، مبيناً أن تقدير وجود الخطأ من عدمه يخضع لتقييم الجهات المختصة الممكنة أو أن يتأكد من أنه يتلقى العناية الضرورية استناداً إلى التقارير الطبية والإجراءات المتبعة، وذلك لما نصت عليه المادة الثامنة من نظام مزاولة المهن الصحية: «يجب على الممارس الصحي الذي يشهد أو يعلم أن مريضاً أو جريحاً في حالة خطرة أن يقدم له المساعدة الممكنة، أو أن يتأكد من أنه يتلقى العناية الضرورية».

وأضاف أن مسألة ربط تقديم الخدمة العلاجية العاجلة بالاعتبارات المالية تظل من القضايا الحساسة، خصوصاً في الحالات الحرجة، إذ يُفترض أن تكون أولوية التدخل الطبي قائمة على إنقاذ حياة المريض وتقليل الضرر، مع إمكانية معالجة الجوانب المالية بآليات أخرى وفقاً لما ورد في الفقرة (7-1) من اللائحة التنفيذية لنظام مزاولة المهن الصحية: «يتعين على الممارس الصحي تقديم الرعاية الطبية العاجلة للمريض الذي يحتاج إلى هذه الرعاية؛ وفقاً لإمكاناته المتاحة دون طلب أتعابه مقدماً».

تعزيز ثقافة حقوق المرضى

تؤكد وزارة الصحة أن المنظومة الصحية ​​تولي اهتماماً بالغاً بحقوق المرضى؛ إدراكاً لأهمية تعزيز العلاقة بين المريض ومقدّم الخدمة الصحية على أسس من الكرامة الإنسانية، والعدالة، والشفافية، والاحترام المتبادل. وذكرت في موقعها أنه في ما يتعلق بحقوق المرضى، أن هذه الحقوق تُعد ركيزة جوهرية في بناء نظام صحي فعّال يقدّم رعاية صحية ذات جودة عالية، ويضمن سلامة المرضى، ويعزز من قدرتهم على التفاعل الإيجابي مع تجاربهم العلاجية. ويأتي التوجه في إطار الالتزام بالمبادئ الإسلامية التي تحث على حفظ النفس، وصيانة كرامة الإنسان، استناداً إلى السياسات الصحية الوطنية التي تضع المريض في صميم العملية العلاجية، وتعتبر إشراكه في صنع القرار الصحي أحد معايير التميز في تقديم الرعاية.

وبينت الوزارة أن حقوق المرضى لا تقتصر على الجوانب العلاجية المباشرة فحسب، بل تشمل إطاراً أوسع يتناول مختلف أوجه العلاقة بين المريض والمنظومة الصحية. فهي تبدأ من حقه في الوصول إلى الخدمة الصحية بيسر، وتمر بحقه في الحصول على معلومات دقيقة وواضحة حول حالته الصحية، وتشخيصه، وخيارات العلاج المتاحة، وتصل إلى حقه في اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن رعايته الصحية، سواء بالموافقة أو الرفض، دون أي ضغط أو تمييز.

كما تشمل هذه الحقوق ضمان خصوصية المعلومات الصحية، والاحترام الكامل لثقافة المريض ومعتقداته، وتقديم الرعاية بعدالة وشفافية، إضافة إلى حقه في تقديم الشكاوى والاعتراضات، وتلقّي الردود المناسبة عليها، ضمن آليات واضحة تحفظ كرامته وتصون حقه المشروع.

وشددت الوزارة على أن ترسيخ حقوق المرضى ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو ترجمة حقيقية لمبدأ «الإنسان أولاً»، وضمانة أساسية لبناء نظام صحي إنساني، آمن، ومبني على الثقة المتبادلة.