إحدى ورش العمل الخاصة بالذكاء العاطفي التي تم تنظيمها قبيل بدء أزمة كورونا.
إحدى ورش العمل الخاصة بالذكاء العاطفي التي تم تنظيمها قبيل بدء أزمة كورونا.


-A +A
كتب : فهيم الحامد falhamid2@
جاءت تحذيرات الأمم المتحدة من مخاطر صحية جديدة سيتسبب فيها فايروس كورونا على الرجال والأطفال والنساء على حد سواء، في الجوانب النفسية خصوصا الكآبة والوسواس، بسبب العزلة الاجتماعية، مع امتداد أمد الأزمة، كمؤشر خطير، لتداعيات سلبية أخرى، غير الاقتصادية والمالية التي أحدثتها الجائحة المعولمة في المجتمعات العالمية، فيما قالت منظمة اليونيسيف في تقرير أصدرته أخيرا إنه بسبب عدم القدرة على الحصول على الرعاية في المستشفيات التي تعاني من الإجهاد لمكافحة الفايروس، فإن هناك مؤشرات لوفاة الآلاف من كبار السن والأطفال، وجاءت الطامة الكبرى عندما حذرت منظمة الصحة العالمية من أزمة مرض عقلي تلوح في الأفق نتيجة «العزلة والخوف وعدم اليقين والاضطراب الاقتصادي» الناجم عن الوباء. وفي خضم انشغال العالم بما هو الحل للتداعيات النفسية التي من المؤكد أن تظهر.. سمعنا كثيرا بما يطلق عليه (الذكاء العاطفي)، حيث حظي موضوع الذكاء والتفكير العاطفي العقلاني بأهمية خاصة في الدراسات والأبحاث المعاصرة حول عملية إدارة العواطف والمشاعر لاتخاذ قرارات سليمة. ولقد اعترف العالم بدور القطاعات الصحية التي تعمل ليل نهار في معاقل الجائحة الطبية، إلا أن الخوف من الآثار النفسية التي قد تترتب عن الضغط الذي عاشه الأطباء والممرضون والممارسون خلال الجائحة وارد جداً، الأمر الذي يتطلب انخراطهم في ورش عمل عن بعد رغم ضغط جدولهم بهدف إدارة مشاعرهم العاطفية وإخراجهم من الدائرة الحالية.

إدارة المشاعر وتعظيم الطاقة الإيجابية

مدربة ومختصة: ضرورة قصوى للممارسين الصحيين


قد تكون ثقافة الذكاء العاطفي جديدة على مجتمعنا السعودي، بيد أن تفشي وباء كورونا سيكون فرصة نادرة لاستكشاف مفهوم الذكاء العاطفي، تحديداً في الظروف غير المستقرة نفسياً واجتماعياً داخل المجتمع لإحداث الصدمة العاطفية الإيجابية المجتمعية والفردية. «المجتمع السعودي بحاجة في هذه المرحلة بقوة في زمن الجائحة لمفهوم الذكاء العاطفي، ليس فقط لحل الإشكالات والأزمات المجتمعية في ظل ظروف الإغلاق بسبب الوباء، فحسب، بل من الأهمية أن تكون ثقافة الذكاء العاطفي جزءاً من المنظومة التعليمية؛ كونها عاملاً محفزاً لجميع الشرائح، حيث يعطي الذكاء العاطفي الفرصة للشخص لاتخاذ قرار تحسين حياته العاطفية ورفاهيته شخصياً وكل من حوله في المجتمع» هكذا ترى حنا بيك وهي ممارس معتمد في الذكاء العاطفي من منظمة 6 ثواني العالمية Sixseconds وهي منظمة غير ربحية مكرسة لوعي (الذكاء العاطفي). وتضيف حنا بيك قائلة «نظراً لأن فترة الوباء ازدادت فإن التحديات العاطفية في العالم أيضاً تزداد» كونهم يعانون من حالة توتر نفسية قوية.. وتابعت قائلة: هذا هو الوقت المناسب لتعلم ونشر مهارات الذكاء العاطفي في المملكة كونها جزءاً من العالم الذي يتزايد فيه الخوف وعدم اليقين، مؤكدة ضرورة تنمية المزيد من البصيرة والمهارات لإدارة مشاعرنا وعواطفنا الأخرى. وتشير حنا بيك التي تحصلت على شهادة معتمدة كمدربة مشارك معتمد من (ACC) إلى أهمية تسمية العواطف، والتفكير في كيفية استخدامها لتحسين جودة الحياة. وتطرح حنا سؤالاً «كيف سنغتنم الفائدة المثلى في تعزيز فخر الذكاء العاطفي؟».. تجيب قائلة «عند ما نكون محاصرين في التشاؤم، يبدو الأمر وكأنه لا توجد أمامنا خيارات». وتتابع في القول «في حين أنه في بعض الأحيان يكون من المعقول والمفيد أن تكون حزيناً وخائفاً، وحتى عاجزاً أو يائساً، كون هذه مؤشرات عاطفية يمكن أن تساعدنا في حل المشكلة، إذا بقينا في تلك الحالة». وترى حنا بيك أن سر التفاؤل هو تمكيننا من الشعور بهذه المشاعر التي تحدد المشكلة، ومن ثم خلق خيارات جديدة لإيجاد الحلول. وأود أن أضيف أن التفاؤل ليس مثل «التفكير الإيجابي»، ولا أيضاً يقوم على تجاهل المشاكل. التفاؤل الحقيقي يتوقع منا أن نواجه الحقيقة مع الاعتقاد بأننا نستطيع إيجاد حلول. وأشارت إلى أن الدين الإسلامي يدعونا للتفاؤل وحسن الظن، موضحة أن ممارسة تدريبات التفاعلية مهارات الذكاء العاطفي تعطي الفرصة للتحفيز وفهم المشاعر وتعزيز المهارات الاجتماعية، مطالباً بنشر ثقافة الذكاء العاطفي عن بعد ونحن في زمن الجائحة.

الدماغ.. يضحك ويغضب.. أم لا ؟

من المؤكد أن الدماغ الإنساني يعتبر مركز الأسرار في هذا الكون، ولقد عجز الأطباء والباحثون من الغوص داخل الدماغ لفهم كينونته. ويتكون الدماغ من أجزاء مختلفة هي جذع الدماغ Brain Stem، والجهاز الحوفي Limbic System، ويتكون من الأميجدالا Amygdala وقرن آمون Hippocampus، والمخيخ Cerebellum، والمهاد Thalamus، وتلافيف الدماغ Cerebrum، والقشرة الجديدة Neocortex، والفص الأمامي Frontal Loop، أيضاً النخاع الشوكي Reptilian Brain. واكتشف المختصون أن هناك طريقين منفصلين تنتقل بهما هذه المعلومات: من المهاد إلى الجهاز الحوفي، ومن المهاد إلى القشرة الجديدة. ويعد الجهاز الحوفي مركز التعلم والذاكرة، فيما يقوم قرن أمون بمسؤولية إدراك المعلومة بينما تقوم الأميجدالا بإحداث الانفعال المرافق لها. وكل معلومة تختزن مقترنة بالعاطفة الخاصة بها. وعلى الرغم من أهميتها، فإنها قد تكون في كثير من الأحيان سلبية. فقد يحدث خطأ في الإدراك ولا تكون هناك حاجة إلى حدوث الانفعال المرافق. فإذا ما تباطأ الشخص قليلاً ـ وكلمة قليلاً يمكن أن تكون 6 ثوانٍ حسب الدراسات، يسمح ذلك للمعلومة بالوصول إلى القشرة الجديدة في مركز التفكير الذي يتميز به الإنسان عن غيره من الكائنات الحية. وفي حالة وصول المعلومة إلى القشرة الجديدة، تصبح الاستجابة مدروسة،. إنها قدرة الله سبحانه تعالى الذي خلق الدماغ بهذه القدرات الدقيقة..

التحكم في الغضب.. ٦ ثوانٍ فارقة

يؤكد الخبير العالمي في مجال الذكاء العطفي دانييال غولمان، أن ممارسة مفهوم الذكاء العاطفي هو الأصل، إلا أنه لم يقلل من أهمية التدريب والخبرات في ذات الإطار، وإنما يريد أن يُلفت فقط إلى أن هذه المعارف لن تجدي بمفردها نفعاً، ما لم يتحكم أفراد الفريق في انفعالاتهم ويتمكنوا من إدارتها بشكل حكيم؛ إلا أن الخبراء يرون أن ذكاء الإنسان العاطفي أهم بكثير من معدل الذكاء الشخصي، وهو يشير إلى نجاح وسعادة الإنسان وجودة العلاقات بصفة عامة، ومن المثير للاهتمام ملاحظة أن الذكاء العاطفي تطوّر على مدار السنين، وقد عُرف هذا التعبير في الثلاثينات بالذكاء الاجتماعي، ثم بالقوة العاطفية في منتصف القرن العشرين، إلى أن وصل للتعبير المتعارف عليه.

لقد أحدث الإغلاق نتيجة تفشي الجائحة، العديد من المتغيرات في حياتنا، وسيكون هناك بالتأكيد المزيد من التغيرات في انتظارنا في مرحلة ما بعد الوباء، الذي سيتغير فيها نمط الحياة وطريقة عمل المكاتب، ومع تحول العمل من المنزل إلى حقيقة، فقد بدأ التغيير بالفعل. سيزيد الأشخاص الذين لديهم مهارة التكيّف بسرعة مع التغيرات، قيمة كبيرة لأماكن عملهم. وتترتب نتيجة حالة الوباء بعد اجتياز شوط ليس بالسهل من انتشاره، أن تتولى الإدارة الذاتية للفرد والوعي بخطورة هذا الفايروس واتخاذ إجراءات الحيطة والسلامة التي نصت عليها وزارة الصحة، ومن المهم معرفة أن الإدارة الذاتية للفرد تتمحور على الكثير من العوامل أهمها الصحة النفسية التي بدورها تتأثر بالضغط من المنطقة المحيطة. في زمن الجائحة.. هل الحل في تجييش الذكاء العاطفي؟.. الذكاء العاطفي.. قد يكون الحل.. انها ٦ ثوانٍ فارقة في عمر الغضب المتفجر.. فلنجربها.

Emotional Intelligence ما هو ؟

باختصار يمكننا تعريف الذكاء العاطفي بأنه قدرة الإنسان على التعامل الإيجابي مع نفسه ومع الآخرين، وتخدم المكونات الثلاثة للإنسان وهي: (العقل والمشاعر والمهارات) يمكن أن يوظفها جيداً حتى يحظى بما يريد. هو مصطلح يقيس قدرتنا على فهم وإدراك عواطفنا وردود أفعالنا. (الوعي الذاتي) والإدارة والتحكم والتأقلم مع عواطفنا ومزاجنا وردود أفعالنا. (الإدارة الذاتية) والاستفادة من عواطفنا بحيث تحفزنا على اتخاذ الموقف الصحيح وإتمام وتحقيق أهدافنا (الدافع) فضلاً عن إدراك مشاعر الناس وفهم عواطفهم، واستخدام هذا الفهم للتواصل مع الآخرين بشكل أكثر تأثيراً. (التعاطف) وبناء العلاقات، والتواصل مع الآخرين في المواقف الاجتماعية المختلفة، والقيادة، والتفاوض في النزاعات. صحيح أنه لم يتم فهم الذكاء العاطفي بشكل تام، ولكن الأبحاث أكدت أن العواطف تلعب قطعاً دوراً كبيراً في مدى جودة حياتنا المهنية والشخصية، وبصورة أكثر خطراً مما يلعبه ذكاؤنا العقلي. وبينما تساعدنا التكنولوجيا على إدراك المعلومات.

ترياق التفاؤل في مواجهة سموم الجائحة

فرضت جائحة كورونا متغيرات اجتماعية ونفسية وثقافية متعددة الأنماط في المجتمع العالمي، الذي تغيرت عاداته سواء في ما يتعلق بإطار الحياة العامة، وروتين العمل اليومي والخروج واللقاءات الأسرية وحضور المناسبات والأفراح والأتراح والتسوق متى شئنا وأنّى شئنا، إلى أوضاع مختلفة تماماً وأحوال تباعدية غير مسبوقة في التاريخ، بدءاً من منع التجول إلى الإغلاق الكامل، وتوقف الحياة تماماً بشكل مفاجئ حتى إشعار آخر.

كما فرضت الجائحة الكثير من الغموض وحالة عدم الاستقرار النفسي في المجتمع بجميع شرائحه: سواء كانوا أطفالاً أو شباباً أو نساء وحتى كبار السن الذين أضحوا رهينة هذا الحصار القسري، ريثما تنجلي الجائحة التي نتجت أيضاً عنها أوضاع وهموم اقتصادية وضغوط مالية؛ فضلاً عن العزلة الاجتماعية في مجتمع يكره التباعد. وإذا كان اليقين بالله هو العامل المشترك في المجتمع السعودي؛ إلا أن امتداد الأزمة لعدة شهور أدخل عامل الأمل مع الخوف والقلق مع الفرح من جهة والترقب والانتظار والحزن والإحباط من فقدان قريب أو الإصابة حتى عيادة المرضى والمشاركة في عزاء الأقربين.. من جهة أخرى، في الوقت الذي قرّبت الجائحة الأسرة ببعضها البعض وساهمت في فهم أكثر بين الأب وابنته وزوجته وهكذا.. ورغم أن هناك تأقلماً مع المتغيرات الجديدة في زمن الوباء، إلا أن الخبراء النفسيين في العالم يشعرون بالقلق تجاه الصمود العاطفي للسواد الأعظم للمجتمع الذي بدأ يفقد بريقه مع استمرار ذروة الوباء.

ويرى الخبراء أن المرحلة تتطلب بقوة تكريس مفهوم الذكاء العاطفي للتقليل من التصادم النفسي والمجتمعي وفهم مشاعر الآخرين ومشاعر الشخص نفسه لكي نتجاوز أزمة كوفيد 19 بدون أي تداعيات نفسية خصوصاً في محيط الشباب. فلنربط مفهوم الذكاء العاطفي بالوضع الحالي لجائحة (COVID19)؛ فإننا سنلاحظ أن هناك الكثير من الاختلافات بين أفراد المجتمع ومدى تقبلهم وتأقلمهم مع الحالة المكانية والزمانية والتي أفرزتها الجائحة ليس طوعاً بل كرهاً، فهناك من فكر بذكاء عاطفي وحاول استغلال الوقت للأفضل باستثماره في نفسه وتطوير ذاته، والبعض الآخر وجدها فرصة لبث الإيجابية في الآخرين من خلال المحاضرات والندوات والدورات عن بعد، بينما أيقن البعض الآخر بأنه قد فقد الكثير من ساعات يومه الثمين في العمل والإنتاج على حساب حياته الاجتماعية والأسرية فأعاد جدولة يومه للترابط الأسري، بينما هناك أيضاً فريق دخل في مرحلة القلق وفرز الطاقات السلبية، ومن هنا يبرر مفهوم الذكاء العاطفي في زمن الجائحة، حيث يؤكد خبراء الذكاء العاطفي أن أكثر الأفراد في المجتمع الذين يحتاجون لممارسة مفهوم الذكاء العاطفي في هذه المرحلة هم الممارسون الصحيون وأعضاء الفرق الطبية الميدانية والأطباء المعالجون للمصابين بالفايروس؛ كونهم أمضوا أشهراً عدة في رحم الجائحة ولم يستطيعوا لقاء أسرهم وذويهم خوفاً من نقل أي عدوى.