يشبه القصيدة التي لا تنتهي عند آخر أبياتها؛ كلما ظننت أنك أدركت ملامحها، اكتشفت فيها معنى جديدًا ومدهشًا. منذ أن اختار أن يجعل من الكلمة طريقًا إلى الغناء، ومن القصيدة مساحةً لصوته، ظل كاظم الساهر، الملقب بـ«القيصر»، حاضرًا في وجدان أجيال متعاقبة وجديدة وناشئة، محتفظًا بخصوصية جعلت تجربته تتجاوز حدود الزمن والموضة والظاهرة العابرة. سنوات طويلة مرّت على هذه الرحلة، تبدّلت خلالها الموسيقى، وتغيّر ذوق الجمهور وطباع المستمع، وتسارعت صناعة الأغنية، بينما ظل يبحث عن المساحة التي تشبهه، مؤمنًا بأن الفن الحقيقي لا يُقاس بعدد السنوات، بل بما يتركه في الذاكرة والإحساس والصدق. اليوم مع ألبومه «بلا عنوان»، يفتح «القيصر» دفاتر رحلة امتدت لعقود، ويتحدث في حواره مع «عكاظ» عن الغناء الذي يراه دواءً، والنجاح الذي لم يغيّر داخله شعور الهاوي الشغوف، وعن تحولات الموسيقى، ولماذا لا يحب أن تتحول يومًا مسيرته الفنية إلى قصة تُروى على الشاشة.


خفت من رد الفعل

- كيف تابعت ردود الأفعال التي رافقت طرح ألبوم «بلا عنوان»؟

- كنت متخوفًا في البداية من ردود الأفعال، ولذلك أفضل دائمًا ألا أستمع إلى آراء الناس قبل طرح أعمالي. وعندما صدرت أغنية «متى»، كانت هناك آراء متباينة بين مؤيد ومعارض، لكن مع طرح بقية أغنيات الألبوم تبدلت ردود الأفعال، وبدأ الجمهور يطالب باستكمال العمل. والحمد لله، ترك الألبوم صدى رائعًا.


الاسم اختاره ابني!

- ما الذي دفعك إلى اختيار «بلا عنوان» اسمًا للألبوم؟

- لم أكن أرغب في أن يحمل الألبوم اسم إحدى أغنياته، لأنني لا أحب اختزال مشروع موسيقي كامل في أغنية واحدة. وخلال بحثي عن اسم مناسب، اقترح نجلي وسام عبارة «بلا عنوان»، وشعرت بأنها تعبر عن الفكرة التي كنت أبحث عنها، فاستقريت عليها لتصبح اسم الألبوم.


«متى».. اللحن الأصعب

- من بين أغنيات الألبوم، أي عمل شكّل التحدي الأكبر بالنسبة إليك؟

- أغنية «متى» تحديدًا من أكثر الأغنيات التي شكلت لي تحديًا على مستوى التلحين، رغم أنني أحبها كثيرًا وأشعر بأنها قريبة من اللون الموسيقي الذي أميل إليه. لذلك أطلقت عليها «اللحن الأصعب»، فهي تبدو بسيطة في شكلها، لكن الوصول إلى صياغتها اللحنية وتنفيذها لم يكن سهلًا.


البداية بـ 12 أغنية

- هل كان «بلا عنوان» منذ البداية مشروعًا من 18 أغنية؟

- لا، لم يكن العدد محددًا بـ18 أغنية منذ البداية. بدأ المشروع بـ12 أغنية، ثم توسع تدريجيًا حتى وصل في إحدى مراحله إلى 24 أغنية، قبل أن أستقر في النهاية على 18 أغنية. كنت أتعامل معه منذ البداية كمشروع موسيقي متكامل، ولذلك ظل العدد قابلًا للتغيير خلال مراحل العمل، إلى أن وصلت إلى الشكل الذي شعرت بأنه يعبر عن التجربة كاملة.


مجاراة السوق

- ألبوم من 18 أغنية قد يبدو مغامرة في ظل تراجع الإقبال على الألبومات الطويلة.. ألم تتخوف من هذه الخطوة؟

- لم أتعامل مع الأمر من زاوية عدد الأغنيات، بقدر ما كنت مهتمًا بأن تحمل كل أغنية تجربة مختلفة وشخصية خاصة بها. وبالتأكيد، تقديم 18 أغنية يمثل تحديًا، خصوصًا أن كل عمل يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، لكنني لم أرد اختصار التجربة أو تقديمها بصورة مختلفة فقط لمجاراة السوق. كان هدفي أن أقدم المشروع بالشكل الذي أقتنع به فنيًا، وأشعر أنني حققت من خلال «بلا عنوان» الكثير من أحلامي الفنية.


تفاصيل اللهجة العراقية

- كيف كانت كواليس تقديم ألبوم «بلا عنوان» باللهجة العراقية؟

- كانت رحلة مرهقة ذهنيًا وفنيًا واستغرقت فترة طويلة في التحضيرات، خصوصًا أنني كنت حريصًا على تقديم اللهجة العراقية بصورة تحمل روحها وتفاصيلها، وفي الوقت نفسه تصل إلى المستمع ببساطة وصدق.


حذفت «الحلوين» وأعدته

- ماذا وراء حذف أغنية «الحلوين» ثم إعادتها إلى الألبوم؟

- حذفت الأغنية من باب الاحترام للفنان حميد منصور، بعدما اكتشفت أن مقطعًا مكوّنًا من أربعة أسطر سبق أن غناه عام 1979، ولم أكن على دراية بتفاصيل حقوق الكلمات في ذلك الوقت. ولم يحدث تواصل بيننا، لكنني فضّلت حذف الأغنية مؤقتًا إلى أن تتضح الأمور، والحمد لله عادت إلى الألبوم مجددًا، وما حدث لم يكن مقصودًا من أي طرف.

لماذا اخترت مصر؟

- اخترت مصر لتقديم أول حفل احتفالًا بألبوم «بلا عنوان».. ماذا تمثل لك مصر بعد هذه السنوات من العلاقة الفنية والجماهيرية؟

- مصر بالنسبة لي ليست مجرد محطة لإقامة حفل، بل جزء أساسي من مسيرتي وذكرياتي. والجمهور المصري له مكانة كبيرة في قلبي، وهذا شعور حقيقي أعيشه من أعماقي، وليس مجرد كلمات. عندما أتحدث عنه أشعر بالفرحة والمحبة، لأن بيننا سنوات طويلة من العِشرة والمواقف والذكريات.


ليس ابتعادًا.. لكنه الظروف

- رغم هذه العلاقة، غبت عن الحفلات في مصر لسنوات.. لماذا؟

- في الحقيقة، أنا لم أبتعد عن مصر، ولم تنقطع علاقتي بها في أي وقت. معظم أعمالي الموسيقية وعمليات التسجيل كانت وما زالت تتم في مصر، ولذلك ظللت حاضرًا فيها فنيًا بصورة مستمرة. الذي تأثر خلال السنوات الماضية كان إقامة الحفلات، بسبب الظروف التي مرت بها المنطقة العربية وأثرت على النشاط الفني والحفلات في عدد من الدول، ولم تكن مصر وحدها، إذ توقفت عن إقامة حفلات في عدد كبير من البلدان خلال تلك الفترة، لذلك لا أعتبر ما حدث ابتعادًا عن مصر، وإنما ظروفًا فرضت نفسها على المشهد الفني في المنطقة.


حفلات في المغرب وإسطنبول

- بعد حفل مصر.. هل لديك خطة لإحياء مزيد من الحفلات احتفالًا بألبوم «بلا عنوان»؟

- بالتأكيد، هناك خطة لإحياء عدد من الحفلات خلال الفترة القادمة، من بينها حفل في المغرب وآخر في إسطنبول، إلى جانب حفلات أخرى في عدد من الدول العربية. وأتمنى أن أتمكن من الاحتفال بالألبوم مع جمهوري في مختلف الدول، فهو جمهور أعتز به كثيرًا، وأتطلع دائمًا إلى مشاركته كل تجربة فنية جديدة أقدمها.


من الواقع والخيال

- كيف أثّرت التحولات التي شهدتها الموسيقى والمجتمع العربي منذ جيل التسعينات في اختياراتك وتجربتك الفنية؟

- تغيرت ظروف الحياة في البلاد العربية كثيرًا، خصوصًا مع ما خلفته الحروب من آثار نفسية وإنسانية عميقة. أحيانًا أهرب من هذا الواقع إلى الخيال، ثم أعود إليه مجددًا، وأحاول من خلال هذه المساحة أن أجد ما يمكنني التعبير عنه فنيًا.


محبة الجمهور.. دوائي

- بعد كل هذه السنوات.. ماذا تعني لك محبة الجمهور واستمراره في متابعتك؟

- لدي جمهور عريق رافق مشواري سنوات طويلة، وأشعر أن محبته هي بمثابة الدواء بالنسبة لي مثل الغناء، لأنها تمنحني السعادة والشغف للاستمرار والتطور. ما يصلني من محبة من مختلف الأجيال، من الكبار والصغار والجيل الجديد، وفي مختلف أنحاء العالم، يكفيني ويمنحني دافعًا كبيرًا لمواصلة العمل. بالنسبة لي، هذه المحبة هي النجاح الحقيقي الذي أعتز به في مسيرتي.


أنا والسينما

- بعد انضمامك إلى عضوية «غرامي» العالمية.. هل تفكر في توثيق مشوارك الفني في عمل سينمائي أو درامي أو كتاب؟

- هذه الأمور لا أتدخل فيها، فالجهات والمؤسسات المعنية هي التي تتخذ قراراتها، لكنني شخصيًا لا أحب أن يتحول مشواري الفني وسيرتي الذاتية إلى عمل سينمائي أو درامي أو كتاب. أرى أن لكل مرحلة من مسيرتي تفاصيلها وتجاربها الخاصة وذكرياتها، ولا أحب اختزال هذا المشوار الطويل في عمل واحد، وإنما أفضل أن يبقى ما قدمته من فن وأعمال هو التعبير الحقيقي عن هذه الرحلة.


لا أجد وقتًا لملاحقة الشائعات

«عكاظ» سألت كاظم الساهر عن الشائعات التي تلاحقه بين الحين والآخر عن المرض أو الاعتزال وكيف يتعامل مع هذه الأخبار بعد مسيرة فنية امتدت لعقود.. ويجيب:

منذ بداياتي لم أكن منشغلًا بمتابعة الشائعات، ولا أعرف في كثير من الأحيان ما يُكتب، كما أنني لا أتابع السوشيال ميديا بشكل مستمر، لأنني لدي ما يشغلني طوال الوقت؛ فأنا أتنقل بين الاستوديو لتسجيل أعمال جديدة، والتحضير للحفلات والمشاريع القادمة، والتدريب والاستماع إلى الموسيقى، إلى جانب متابعة التطورات الفنية حول العالم. لذلك لا أجد وقتًا لمتابعة ما يُقال أو الدخول في تفاصيل لا تضيف إلى عملي شيئًا.