شهد المشهد الثقافي السعودي لحظة استثنائية مع تعاون هيئة الإذاعة والتلفزيون مع هيئة الموسيقى، في إعادة إطلاق «مسرح التلفزيون السعودي» في الرياض، خطوة تعيد وصل الحاضر بإرث فني شكّل وجدان أجيال كاملة وأسهم في صناعة الهوية الموسيقية الوطنية.

ويمتد تاريخ هذا المسرح إلى ستينيات القرن الميلادي الماضي، حين تطوّر «مسرح الإذاعة»، الذي بدأ عام 1961 إلى مسرح تلفزيوني عام 1966، مقدّمًا سهرات غنائية وتمثيلية ومنولوجات أسهمت في انتشار الفن السعودي محليًا وخليجيًا وعربيًا.

ومن على خشبته بزغت أسماء كبرى صنعت ملامح الأغنية السعودية الحديثة، وفي مقدمتها محمد عبده وطلال مداح، اللذان تعرّف إليهما الجمهور مبكرًا عبر البرامج الغنائية، قبل أن يصبحا من أبرز رموز الطرب في المملكة والعالم العربي.

كما احتضن المسرح لاحقًا، حفلات قدّمت أصواتًا متعددة من أجيال متتابعة، من بينهم عبادي الجوهر وعبدالمجيد عبدالله وعلي عبدالكريم، في مشهد رسّخ دوره منصةً لاكتشاف المواهب وصناعة النجوم.

وقد ظل «مسرح التلفزيون» في ذاكرة السعوديين أحد أهم النوافذ التي أوصلت الأغنية المحلية إلى آفاق أوسع، إذ تنافس الفنانون على تقديم أجمل أعمالهم عبره، ما أسهم في تطور الفن الغنائي وانتشاره خارج الحدود.

وتأتي إعادة إطلاق المسرح اليوم متزامنة مع حراك ثقافي متسارع تشهده المملكة، يتضمن مشاريع تعليمية وفنية جديدة في مجالات الموسيقى والمسرح والفنون الأدائية، ضمن توجه إستراتيجي لتعزيز القطاع الثقافي وتنويع حضوره المجتمعي.

وبين ذاكرة الأمس وطموح المستقبل، تبدو عودة «مسرح التلفزيون السعودي» أكثر من مجرد فعالية فنية؛ إنها استعادة لمرحلة صنعت نجومية محمد وطلال وعبدالمجيد وعبادي، وبوابة لولادة أصوات جديدة تكتب فصولها القادمة على خشبةٍ طالما كانت عنوانًا لبداية الحلم الفني في المملكة.