الحرب الدائرة الآن، وقد تجاوزت شهراً من الزمن، أفرزت بعض الحقائق المهمة، أو أنها جعلتنا نكتشف هذه الحقائق، في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى الفكرية والثقافية، على مستوى دول الخليج والدول العربية. هذه الجوانب جديرة بالتأمل، لا سيما وأن الحرب كانت مباغتة، وكاشفة لكثير من الأمور.

من أهم ما كشفته هذه الحرب، أن مسارات التنمية في دول الخليج، بحسب حجم كل دولة وإمكاناتها، كانت تنمية حقيقية استثمرت الموارد من أجل جاهزية كاملة لمواجهة التحديات. لم تكن تنمية شكليات ومظاهر بقدر ما كانت تنمية بنى تحتية صلبة، وشرايين ربط شاملة، وقدرات عسكرية وأمنية عالية، تجلت في امتصاص كل ما تقوم به إيران من هجمات مستمرة منذ الثامن والعشرين من فبراير إلى الآن.

كما أظهرت الحرب ثقة عالية لشعوب الخليج في سياسات دولها، وهي سياسات أثبتت حكمتها وبعد نظرها في مواقف مفصلية سابقة، وما زادتها الأزمات الدولية المختلفة إلا نضجاً وبراعة في التعامل مع الأحداث. نحن نلمس منذ بداية الحرب إلى الآن إتزاناً كبيراً لناحية التصريحات الدبلوماسية والأداء السياسي، وتوازناً في المواقف تجاه كل الاستفزازات التي تريد إقحام دول الخليج كطرف مباشر في الحرب، لكنها لم تفعل إلى الآن مع احتفاظها بحق الرد الذي يكفله القانون الدولي. هي لا تريد الحرب لأنها تسعى دائماً إلى السلم والسلام والاستقرار لكافة دول العالم وشعوبها. الحروب محرقة للتنمية وللاستقرار، والدول العاقلة لا تنخرط فيها إلا إذا استنفدت كل الوسائل الأخرى، وطالما نحن قادرون على امتصاص ما يحدث لنا بأضرار ليست كبيرة فذلك ما يزال الخيار الأفضل حتى الآن.

وفي المقابل، كشفت الحرب بعض الدمامل الفكرية في الوسط الثقافي والإعلامي العربي، بقية من بقايا فكر قديم ثبت فساده وضرره على الأمة العربية وكلّفها كثيراً في أزمات سابقة، والآن يحاولون استحضاره بدافع البغض الدفين لدول أثبتت جدارتها بالوصول إلى مراحل متقدمة من التنمية البشرية والمادية، دون شعارات مخدرة. أصوات بغيضة لم نتوقع أنها تنحاز لمن يهدد أمن دول عربية وقفت بصدق وصلابة مع كل القضايا العربية.

سوف تنتهي هذه الحرب عاجلاً أم آجلاً، وبعد نهايتها هناك كثير من الأوراق يجب إعادة ترتيبها، وكثير من المفاهيم تتطلب إعادة صياغتها.

الشيء الثابت والمبهج، أن دولنا الخليجية أثبتت أن شعوبها على قدر كبير من المسؤولية والوعي والإدراك، وأن علاقتها بقياداتها مبنية على الثقة المطلقة في كل القرارات التي تتخذها، وهذا هو مصدر الأمان الذي نشعر به في مواجهة كل الأزمات.