أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/225.jpg?v=1764231772&w=220&q=100&f=webp

حمود أبو طالب

«ما فيه أحلى من الكاش»!

تعودت الطبقة السياسية التي تنهب المال العام على أساليب تقليدية لإخفاء ما تم الاستيلاء عليه. الحسابات السرية في بنوك سويسرا شكلت الملاذ الأشهر لمعظم اللصوص في دول العالم، ثم تلتها أساليب أخرى بفضل عبقرية المخططين والمنفذين لتحويل الأموال من الداخل إلى الخارج، وتذويبها فوراً في أصول استثمارية وتجارية بأسماء الأبناء والبنات والأقارب. كانت السرقات مهذبة إلى حد كبير تراعي مشاعر الوطن المنهوب، ولا تظهر آثارها على فاعليها في الداخل، فهم يعيشون ظاهرياً كالآخرين، ويؤكدون في الاجتماعات ووسائل الإعلام على حماية المال العام وترسيخ النزاهة وتفعيل المحاسبة.

يبدو أن تلك الموضة ستختفي، بعد أن بادرت طبقة سياسية في العراق إلى تدشين أساليب جديدة لا تحتاج إلى صداع التحويلات الخارجية وغسل الأموال والتخفي وراء واجهات. الحملة التي بدأت مؤخراً في العراق بمباركة رئيس الوزراء الجديد، كشفت لنا نمطاً جديداً من التفكير العملي للصوص، الذين كشفت الوقائع أنهم كانوا في أرفع مناصب الدولة التنفيذية والتشريعية. لا بنوك محلية ولا خارجية، ولا واجهات تستر ولا يحزنون. شعارهم «ما فيه أحلى من الكاش». شوالات وحقائب وخزائن ضخمة وحُفر عميقة في البيوت والمزارع، مليئة بمئات الملايين من الدولارات وأطنان الذهب، وقد تفنن بعضهم في الاستمتاع بالمال الوفير بطريقة ابتكارية لم يصلها أي خيال جموح، كتصميم أطقم نسائية داخلية من الذهب الخالص المرصع بالجواهر!

يقال، إن مبالغ مهولة تم الاستيلاء عليها في العراق منذ عام 2003 إلى الآن، تكفي أن يعيش كل مواطن فيه حياة كريمة توفر له كل الاحتياجات. تشارك في نهبها الأجنبي المحتل آنذاك ثم الجار الأثير الذي أصبح عملياً شريكاً في ثروة العراق، وطوال تلك المدة كان هناك شركاء من الداخل في النهب الممنهج العلني، بينما الوطن يعيش حالة من الاحتياج لكل أساسيات التنمية. مفارقات عجيبة حدثت في هذا البلد العربي الغني بثرواته، ولكن لم يكن مُتخيلاً أن يصل العبث إلى هذه الدرجة. وكل ما نأمله أن تستمر هذه الثورة التصحيحية على الفساد والفاسدين في العراق، الذي يئن من أوجاع مزمنة. لك الله يا عراق، والشرفاء الذين ما زالوا يعتبرونك لائقاً بحياة كريمة.

00:00 | 2-07-2026

ويبقى المجد للصحافة

الصحفي الحقيقي هو ذلك المفتون بالبحث والتقصي والمغامرة، لنبش ما هو محجوب عن الأعين وبعيد عن الأنظار، أو ما هو مسكوت عنه بفعل التعتيم أو المحاذير المختلفة، أو حتى التحذيرات المباشرة وغير المباشرة بعدم الاقتراب منه، التي يمررها الفاسدون المستفيدون من المخالفات والأخطاء، الذين يشكلون شبكات وتكتلات وحلقات مترابطة يصعب اختراقها، إلا إذا وُجدت صحافة حقيقية تؤمن برسالتها وصحفيون لديهم حاسة صحفية عالية تدلهم إلى ما هو مختبئ خلف ما يبدو عادياً.

خصصت «عكاظ» ثلاث حلقات متتالية بمانشيتات بارزة على صفحتها الأولى لقضية البرج السكني، الذي أصدرت أمانة جدة قراراً بإخلائه بسبب الأخطاء الإنشائية الخطيرة التي تنخره، بعد أن كلف إنشاؤه 360 مليون ريال، وتم بيع شققه بمبالغ كبيرة تحملها المشترون كقروض ثقيلة من البنك المشارك في إنشائه، أو دفعوا ما ادخروه لوقت طويل، لينتهي بهم الأمر في شقق توشك السقوط على رؤوسهم.

الصحفي الاستقصائي العكاظي «عدنان شبراوي»، الذي تصدى لملف البرج لم يكتف بخبر أو تقرير فقط، بل تابع الموضوع من بدايته إلى وصوله المحكمة، ليصنع منه ملفاً كاملاً، وقابلاً للفتح مجدداً إذا استجد شيء. ولأنه يعمل في صحيفة تتقن التعامل مع المواد الصحفية وتعرف كيف تخدم القضايا المهمة صحفياً، فقد تصدر ملف البرج مانشيت صفحاتها الأولى لثلاثة أيام متتالية مع تفاصيل واسعة في الداخل، لتكون القضية حديث المجتمع، وتتناقلها بقية وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

هذا عمل صحفي بامتياز، ومثال مؤكد أنه لا وسيلة أخرى تستطيع أن تكون بديلاً للصحافة الجادة المحترفة. لا يمكن لناشط أو مشهور أو مؤثر في منصات التواصل، أن يقدم قصة صحافية استقصائية متكاملة كما يستطيع الصحفي المتمكن الذي يعمل في مؤسسة صحفية لها معاييرها وضوابطها واشتراطاتها المهنية في النشر. ميزة الصحافة هي العمق والشمولية والتقصي والبحث عن الأدلة والبراهين والحرص على اكتمال أركان المادة الصحفية، وتحمل المسؤولية تجاه ما تنشره، لأنه يمر عبر مسار تحريري متكامل يتأكد من استيفائه كل عناصر المادة الصحفية القابلة للنشر، بينما الخبر أو القصة في منصة التواصل لا تزيد عن فقاعة تنفجر بشكل مؤقت لتختفي سريعاً. المادة الصحفية المصنوعة باحتراف تستمر متماسكة ومؤثرة، بينما تتطاير فقاعة الإثارة في لحظات.

الصحافة عندما تكون حقيقية تبقى حيةً ومستمرةً ومؤثرة، وقصة البرج السكني وكيف تعاملت معه «عكاظ» مجرد دليل واحد على ذلك من أدلة كثيرة. ويبقى المجد للصحافة.

00:00 | 1-07-2026

كيف دخلوا نادي التريليونات..

خلال الأيام الماضية كان الحدث العالمي الأبرز، الذي قاربت تغطيته إعلامياً مفاوضات أمريكا وإيران، ليس سياسياً بل اقتصادياً، عندما بلغت القيمة السوقية لشركة Space x أكثر من تريليوني دولار، وكان السؤال الكبير المحيّر الذي يدور في أذهان الناس، خصوصاً في عالمنا العربي، هو كيف يمكن لشركة فضائية عمرها لا يزيد على 20 عاماً أن تفوق قيمتها اقتصادات دول عديدة مجتمعة؟

هذا السؤال إجابته واضحة وبديهية في الدول التي تعرف قيمة العلم والبحث العلمي، وتعتبره رأسمال يولّد صناعات جديدة، وتؤمن أن كل دولار يُنفق على البحث العلمي يتحول لاحقاً إلى عشرات الدولارات، بعكس الدول التي تعتبره بنداً هامشياً في ميزانياتها ودورتها الاقتصادية. شركة space x أنفقت حوالى 60 مليار دولار على البحث والتطوير والبنية التحتية منذ تأسيسها إلى الآن. أي أن قيمتها الحالية الضخمة لم تولد في الأسواق المالية وإنما ولدت قبل ذلك في مختبرات البحث والتطوير، وعرفت كيف تحول الإنفاق البحثي إلى منتجات متطورة أصبحت تُعرف بالاقتصاد الفضائي الجديد الذي بلغ الإنفاق الحكومي العالمي عليه حوالى 138 ملياراً في عام 2025.

أوردنا قصة هذه الشركة لكي نشير إلى قيمة وأهمية البحث العلمي في العالم المتقدم ومأساته في عالمنا العربي، وكيف أن إهماله هو السبب الأساس لكثير من خيباتنا وتخلفنا العلمي والتقني، ومشكلاتنا الاقتصادية وتردّي التنمية. في أمريكا والصين بلغ حجم الإنفاق على البحث العلمي ما يقارب 800 مليار دولار لكل دولة خلال عام 2024، ثم تأتي بعدهما دول مثل اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية بإنفاق أقل لكنه كبير بالنسبة للإنفاق الوطني الكلي الذي تشترك فيه الحكومات والشركات والجامعات، علماً بأن القطاع الخاص يساهم بنسبة كبيرة تصل في بعض الدول إلى نسبة 70% من إجمالي الإنفاق. وأما بالنسبة للدول الأكثر تخصيصاً للبحث العلمي نسبةً إلى حجم اقتصادها المحلي، فتأتي في مقدمتها عالمياً إسرائيل بنسبة 6.8%، نعم إسرائيل الدولة الصغيرة التي هددها العرب ذات زمن بقذفها في البحر فإذا بها الآن من أفضل دول العالم في الأبحاث العلمية والطبية والتقنية، التي منحتها قوة وتطوراً متواصلاً. وأما بالنسبة لدول العالم العربي عند البحث عن موقعها بين دول العالم في البحث العلمي وكم يُنفق عليه فإننا سنجد نتيجة مخجلة ومحزنة، بل يمكن القول إنه لا مكان فعلياً لها.

وصلت بعض دول العالم إلى اقتصاد الفضاء بتفوقها في البحث العلمي، بينما ما زالت كثير من الدول عاجزة عن استثمار ثرواتها الهائلة على الأرض، بسبب النزاعات الداخلية والفساد والتخلف التعليمي. البحث العلمي هو الأداة الوحيدة الضامنة لتقدم أي أمة.

00:04 | 30-06-2026

ما أطولك ليل !

بعد توقيع مذكرة التفاهم بين إيران وأمريكا، قلنا في مقال يوم 21 يونيو عنوانه (مفاوضات التفاؤل الحذر): «لا نريد العودة للحرب مرة أخرى، لأنها ستكون في منتهى الخطورة، ولكن لا نريد مفاوضات لا تؤدي إلى ما تطمح إليه الدول المحبة للسلام والاستقرار في منطقتنا». هذه المعادلة يبدو أنها صعبة التحقيق أمريكياً وإيرانياً، أو أنه يراد لها أن تكون كذلك بحيث تبقى المنطقة على حافة الخطر الدائم، تستنزف أموالها ومقدراتها لمواجهة الأخطار وتنصرف عن استكمال مشاريعها التنموية والتطويرية، منطقة تعيش حالة اللا سلم واللا حرب واللا استقرار، وفق سيناريو أمريكي/إيراني.

يوم أمس، شنّت أمريكا غارات على إيران بسبب اعتراضها سفناً تجارية، فما كان من إيران سوى إطلاق صواريخها على الكويت والبحرين، مشدّدةً على أن ما فعلته أمريكا يُعد انتهاكاً واضحاً للفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، وللبند الأول من مذكرة التفاهم التي وقّعت في 18 يونيو. حسناً، أمريكا تنتهك ميثاق الأمم المتحدة ومذكرة التفاهم لكن الهجمات على دول الخليج. ومن الطريف أن إيران ـ ما غيرها ـ هي التي تتحدث عن ميثاق الأمم المتحدة، فيما هي تنتهك الأعراف منذ نصف قرن ولا تعترف بأي قوانين أو معاهدات أو مواثيق.

على أي حال، المناورات التفاوضية بين أمريكا وإيران يجب أن تتوفر على عنصر النزاهة. ترمب تاجر ورجل صفقات، والإيراني، وإن كان ثورياً يدعّي محاربة الشيطان الأكبر. في النهاية، نرجو أن لا تُعقد صفقة بين الشيطان والعمامة على حساب الباقين!

التصعيد الأخير، يؤكد الهشاشة الخطيرة للوضع، وإن كان مرور الناقلات في مضيق هرمز قد أصبح مشكلة تنفجر بين وقت وآخر فما أطولك يا ليل.

00:01 | 29-06-2026

هل حقاً سيختفي الطبيب؟

في مقاله المنشور في «عكاظ» قبل يومين بعنوان «أربعة أشياء ستختفي من حياتنا: الطبيب، المهندس، السيارة، الطائرة»، طرح الأستاذ عبدالله بن بخيت الأسباب التي يراها كفيلة باختفاء هذه المهن والوسائل مع التطور المهول للذكاء الاصطناعي، الذي أصبح يقوم بكثير من وظائف الإنسان في عمله وحياته اليومية، ولا ندري إلى أين ستصل مفاجآته المتسارعة.

من ناحيتي لا أستبعد ما توقعه بالنسبة للمهندس والسيارة والطائرة، ولكن اختفاء مهنة الطبيب مسألة فيها نظر، فمهما تطورت التقنيات لن يكون بإمكانها أن تكون بديلاً للطبيب صاحب الحاسة الإكلينيكية التي يستخدمها وهو يعاين المريض ويطبق بطريقة صحيحة مبادئ وأساسيات الفحص السريري وتقييم حالة المريض بشكل كُلي، وهي القواعد التي يقوم عليها الطب منذ بدايته إلى الآن.

نموذج الطبيب، الذي ذكره الأستاذ عبدالله، ليس النموذج الصحيح لمهنة الطب، مع أنه للأسف أصبح ينطبق على كثير من الأطباء. الطبيب الذي يسمع الشكوى بسرعة ثم يطلب عدداً من التحاليل المخبرية والإشاعات دون أخذ التأريخ المرضي بالتفصيل ودون فحص المريض بشكل كامل ليس طبيباً يمارس مهنته بشكل صحيح وأمين. هناك علامات تُكتشف بفحص المريض قد لا تكون ضمن شكواه الرئيسية، ويمكن أن تشير إلى احتمال وجود مرض ما، لا بد من إثباته أو استبعاده، وبذلك قد يتغيّر مسار التعامل مع حالته بشكل كامل. ولو افترضنا وجود الذكاء الاصطناعي المبرمج مستقبلاً كطبيب في المنزل فإنه سيكون نسخة من نموذج الطبيب، الذي أشار إليه الأستاذ عبدالله. طبيب يسمع الشكوى ويطلب التحاليل ويصف العلاج. هذا النموذج يتعامل مع نتائج المختبر وصور الأشعة فقط، ولا يتعامل مع جسد يحتاج فحصاً دقيقاً، وروحاً إنسانية تحتاج التعاطف والشرح والنقاش والتطمين.

وأما بالنسبة للإجراءات والعمليات الجراحية التي ينفذها الروبوت المبرمج بالذكاء الاصطناعي، فإنه في النهاية آلة خاضعة لتوجيهات وتعليمات وتحكم الطبيب. خلال العمليات الجراحية قد تحدث مفاجآت خطيرة لا يستطيع اتخاذ القرار بشأنها والتعامل معها سوى الجراح، ولا يمكن لآلة مهما كان تطورها محاكاة العقل البشري في اتخاذ القرار الطارئ المناسب، الذي تتوقف عليه حياة المريض في غرفة العمليات التي يتواجد فيها أكثر من متخصص، أي أن الموضوع ليس مجرد آلة تنفذ التعليمات المبرمجة فيها، بل هناك فريق طبي متكامل يقف على المريض، وكلٌّ له دوره.

الطب الحقيقي في نهايته هو مهمة طبيب لديه المعرفة والمهارة والخبرة والمقدرة على توظيف التقنية للوصول إلى التشخيص والعلاج الصحيح، طبيب «بشر» يستطيع التواصل الإنساني مع المريض. لكن للأسف بدأ هذا النموذج يتناقص في مقابل نموذج الطب السريع أو الطب التجاري، الذي لا يعطي المريض حقه من الوقت والاهتمام اللازم، وهو النموذج الذي أشار إليه الأستاذ عبدالله، لكنه لا يمثّل مهنة الطب الحقيقية بأخلاقياتها وضوابطها.

00:02 | 28-06-2026

إيران وحكاية الـ 300 مليار

ما زال مبلغ الـ 300 مليار دولار، الذي تم ذكره خلال المفاوضات الأمريكية الإيرانية، يشغل الإعلام ويثير التساؤلات، لماذا هذا المبلغ؟ ومن سيدفعه؟ وعلى ماذا سيتم صرفه؟ هل هو لإعادة إعمار إيران كما أشيع أم للاستثمار؟ هل هو مجرد نوع من الإغراء أو الاستدراج لإيران؛ كي تمضي قُدُماً في المفاوضات وتُبدي ليونةً في تقديم التنازلات، أم أنه يمثل توجهاً حقيقياً لضخ المال في شرايين الاقتصاد الإيراني؟

يوم أمس نشر موقع قناة الجزيرة على منصة X خبراً يتضمّن تصريحاً لوزير الخارجية القطري في حواره مع صحيفة الفايننشال تايمز، يقول: «صندوق الاستثمار المقترح بـ 300 مليار دولار مع إيران رقم طموح، وقد يُطلب من دول الخليج تمويل صندوق الاستثمار مع إيران مستقبلاً». ولكن بالعودة إلى نص الحوار في الصحيفة، نجد أن الخبر الذي أوردته الجزيرة يحتاج تدقيقاً في صياغته وسياقه، فالوزير قال ما مفاده «إن الحديث حالياً ليس عن مساهمات حكومية خليجية مؤكدة، لكن من الممكن مستقبلاً أن يُطلب من دول الخليج المشاركة في تمويل مثل هذا الصندوق إذا تطورت التسوية السياسية مع إيران». وتفيد معلومات مطلعة على سير المفاوضات، بأن الصندوق يُفترض أن يكون صندوقاً استثمارياً خاصاً وليس صندوق مساعدات حكومية مباشرة، ويؤيد هذا التوجه نفي الرئيس ترمب بأن واشنطن ستدفع أموالاً للصندوق أو أنها طلبت من دول الخليج تمويله. وهذا هو الأقرب لما سيحدث - إن حدث - لأن سياسة إدارة الرئيس ترمب هي الاستثمار والصفقات التجارية وتشغيل الشركات الأمريكية وليس المساعدات الحكومية المباشرة، لا سيما لدولة في حالة عداء مع أمريكا لمدة نصف قرن. ومن ناحية أخرى، فإنه لا منطق أبداً أن تبادر حكومات دول خليجية تضررت كثيراً من الهجمات الإيرانية للمساهمة في دعم إيران، لا سيما أن مذكرة التفاهم لا تحتوي أي ضمانات مُلزمة لوقف الاعتداءات عليها مستقبلاً والتدخل في شؤونها والإخلال بأمنها عبر وكلائها.

لا أمريكا ولا دول الخليج ستساهم حكومياً لتوفير هذا المبلغ الخيالي لإيران، كما أن رؤوس الأموال الاستثمارية العالمية لن تُقدم على مغامرة الذهاب إلى بلد غير مستقر سياسياً وأمنياً، وغير ملتزم بالاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق الدولية. إيران تحتاج إلى إثبات أنها دولة تتجه فعلاً لعلاقات طبيعية مع العالم عموماً، وجوارها العربي على وجه الخصوص، قبل أن تطالب بأي دعم أو استثمار.

00:00 | 25-06-2026

«ع الرصيف» !

في التقرير المثير الذي نشرته «عكاظ» يوم أمس، علمنا أن عدداً كبيراً من المواطنين الذين اشتروا شققاً في برج سكني فاخر بلغت تكلفته حوالى 360 مليون ريال، عليهم إخلاؤها بتأريخ الأمس، الذي يمثل انتهاء المهلة بحسب القرار الصادر من أمانة جدة. لكن أين سيسكن هؤلاء المنكوبون بعد الإخلاء الإجباري لمساكنهم؟ هنا نتذكر المسرحية الشهيرة الرائعة (ع الرصيف)، التي اضطر فيها النجمان سهير البابلي وحسن عابدين للسكن على ناصية الشارع، بعد فقدهما شقتيهما بالنصب والاحتيال. هذا هو أقرب تصور لما سيحدث؛ لأن هناك شكاوى ومطالبات للملّاك بتوفير سكن بديل بعد الإخلاء، لكن هذا لم يتحقق.

وما دمنا نتحدث عن شقق فاخرة، فإن أثمانها ستكون عالية، لأنها - نظرياً - ستكون في أعلى مستويات الجودة والفخامة، لكن الذي حدث هو اكتشاف عيوب في «التصميم والتنفيذ والهيكل الإنشائي، شملت مشكلات في الأساسات والأعمدة والعوازل والتسرّبات، إضافة إلى أعطال في التكييف والمصاعد والسباكة والكهرباء»، فماذا يبقى من صلاحية أي مسكن إذا كانت كل هذه العيوب موجودة فيه؟

هذا المشروع لم ينفذه مقاول فاسد في الخفاء، بل مشروع أُقيم بالشراكة بين أحد البنوك الكبرى ومستثمرين ومطور عقاري ومقاول ومكتب استشاري هندسي، أي أنه تم تنفيذه من قبل جهات عدة بطريقة نظامية، كما أن الملّاك قد أتمّوا جميع الإجراءات النظامية والتمويلية دون علم بالعيوب، وهنا تبرز أسئلة جوهرية: كيف لم يكتشف كل المتابعين لتنفيذ المشروع تلك الأخطاء التي حدثت في كل مكوناته؟ وأين كان المشرفون عليه؟ وأين كان المراقبون؟ وأين كانت الذمم والأمانة والخوف من القانون؟

ويفيدنا التقرير بأن وثائق وشكاوى تقدّم بها عدد من الملّاك إلى البنك المركزي السعودي ووزارة البلديات والإسكان والهيئة العامة للعقار، تطالب بتعليق أقساط التمويل، وتوفير سكن بديل أثناء الإخلاء، وفسخ العقود، والتعويض عن الأضرار، والتحقيق في مدى الإفصاح عن العيوب الإنشائية قبل بيع الوحدات وتمويلها، لكن ماذا حدث بشأنها؟ الله أعلم.

إنها فضيحة من العيار الثقيل عندما تذهب مدخرات العمر والقروض الثقيلة هباءً نتيجة الغش والاحتيال في مساكن غير صالحة للاستخدام، وبدلاً من التعويض العادل برد الأموال والتعويض عن الأضرار، يدخل الضحايا في دائرة لا تنتهي من المعاملات والشكاوى. ما حدث يستوجب التدخل الفوري لكل الجهات ذات العلاقة؛ لإنصاف ضحايا هذا المشروع القائم على الغش والاحتيال، واتخاذ أشد الإجراءات لمنع تكراره.

00:26 | 24-06-2026

أعذرونا يا أهل الرياضة

لست مُلماً بتفاصيل وشؤون وشجون وخبايا الشأن الرياضي لدينا، ولكني لست غائباً عن المشهد الكُلّي للرياضة، وعندما أقول الرياضة فأنا أعني كرة القدم، اللعبة الجماهيرية الأشهر في كل أنحاء العالم. ولكن رغم تواضع خبرتي في هذا الشأن، فأنا كأي مواطن سعودي يتابع منتخب بلاده في منافسات كأس العالم، أشعر بامتعاض من مستوى أداء المنتخب الذي لا يمثل ما وصلت له المملكة في مجالات أخرى، وأتساءل لماذا نافسنا وتقدمنا وبرزنا في مجالات كثيرة، بل وحققنا المراكز الأولى في بعضها ما عدا تجهيز منتخب يليق بوطن طموح، ورؤية أشعلت جذوة المارد الوطني في كل شأن ما عدا هذا الشأن.

قد يقول لي قائل لماذا تخوض في أمرٍ طالما أنت لا تفقه فيه، وقد يقول آخر إن تجهيز منتخب منافس يحتاج وقتاً طويلاً من الإعداد، ولكني سأجيب عن مثل هذه الردود بقولي، إن هذه الأمنية ليست معجزة، فقد حققنا في سنوات قليلة منذ بداية الرؤية الوطنية 2030 ما يشبه المعجزات في مجالات علمية وتقنية وثقافية وفنية وسياحية وخدماتية، وحققنا مؤشرات عالمية عالية ومراكز متقدمة في كثير من الأمور، لكنا تقهقرنا عن إعداد منتخب يرقى إلى مستوى الإنجازات الأخرى. صحيح أن الدوري السعودي أصبح شهيراً ومُتابعاً على مستوى العالم ولكن هذا موضوع آخر، موضوع استثمار في لاعبين أجانب، وتنافس بين أندية، ولعل نشوة الشهرة للدوري والتركيز عليه أنست المسؤولين عن الرياضة الاهتمام بما هو أهم، أي المنتخب الوطني الذي يمثلنا أمام العالم، ويجدر به أن يتسق مع التطور الشامل الذي يحدث لدينا.

كان بإمكاننا منذ وقت طويل إعداد منتخب يقدم مستويات مشرفة في المنافسات الدولية وأهمها كأس العالم، لكن يبدو أن المسؤولين المتعاقبين على إدارة المنتخب يفكرون بمفهوم أنه إذا خرجنا من أي منافسة فقد خرجت منتخبات أقوى من منتخبنا، وليس بعقلية يجب أن ننافس على المراكز المتقدمة مثلما استطاعت أن تفعل منتخبات بإمكانات أقل بكثير من إمكانات منتخبنا، ونقصد بذلك الإمكانات المادية التي تُغدق على منتخبنا.

لست يائساً من القادم لأنه قد تحدث معجزة في جولتنا مع منتخب الرأس الأخضر، ولكن لماذا نرتهن دائماً إلى الصدفة أو المعجزة. وبالمناسبة، سيكون مفيداً لو عرفنا ميزانية دولة الرأس الأخضر بأكملها، مقارنةً بما يُصرف على منتخبنا. منتخب هذه الدولة الصغيرة ذات الدخل المتواضع جداً ينافس ببراعة ويقدم مستوى لافتاً، ونحن ما زلنا نتغنى بهدف سعيد العويران قبل أكثر من ثلاثة عقود.

ببساطة شديدة، أنا كمواطن سعودي أشعر أنه يجب أن يمثل وطني منتخب أفضل من هذا. وأعذرونا يا أهل الرياضة إذا تدخلنا في شؤونكم، التي تعتقدون أنها أكثر تعقيداً وغموضاً من أن يتطرق لها شخص عادي.

00:10 | 23-06-2026

«جدة» وأمناؤها

لا أعتقد أن مدينة أخرى غير جدة لها علاقة خاصة بأمنائها المتعاقبين عليها تتسم بالتوتر والجدل والنقاش المستمر وارتفاع منسوب الطموح لسكانها، المصحوب بعدم ارتفاع مستوى الرضا عن خدمات الأمانة مهما فعلت. ربما لأنها مدينة حساسة ورقيقة وحالمة بتكوينها وقد عانت كثيراً، وسكانها العاشقون لها يحلمون معها ومن أجلها بأن تكون دائماً في بهاء وفتنة العروس، الوصف المرتبط بها، ولذلك نراهم يترافعون عنها بشدة وحدّة أمام أي أمين يمر عليها، ويضعون كشف حساب مفصّلاً لأي أمين يغادرها.

هذا ما شعرتُ به وأنا أشارك في مناسبة الاحتفاء بانتهاء فترة الأمين السابق الأستاذ صالح التركي، التي أقامها له المستشار محمد سعيد طيب في دارته الشهيرة بأمسيات الثلوثية، وبحضور نخبة من مختلف الشرائح التي تمثل مجتمع جدة. والحقيقة أن المناسبة لم تكن احتفائية فقط، فبعد الترحيب البروتوكولي المعتاد وفسح المجال للمحتفى به للحديث عن أهم ما يرى أنه تحقق خلال فترته الممتدة إلى ثماني سنوات، تحولت الجلسة إلى حوار ساخن وأسئلة حادة وانتقادات بعضها لاذع، حول ما يراه البعض تقصيراً أو تأخيراً أو خللاً في بعض مشاريع وخدمات الأمانة. كان الحضور يترافعون عن جدة وكان الأمين يوضح ويشرح حدود صلاحيات الأمانة وتداخلاتها مع عديد من الجهات الأخرى، والعقبات المختلفة التي قد تعطّل أو تؤجّل بعض المشاريع، وترتيب الأولويات لمدينة جدة خلال تلك الفترة من وجهة نظر المتخصصين في تخطيط وتطوير مدينة جدة، بناءً على احتياجاتها الأهم المبنية على معطيات عملية وموضوعية.

وللحقيقة فقد كان الأستاذ صالح التركي هادئاً ومستعداً للإجابة عن أي سؤال أو استفسار بما لديه من معلومات، لم يكن يدافع دفاعاً مجانياً بل يوضّح ما التبس ويشرح ما أشكل ويفنّد ما لم يكن صحيحاً من معلومات لدى الحاضرين. استمعنا منه إلى معلومات مهمة عما سبق تنفيذه في جدة وما سوف يتم، وكان من أجمل ما حدث في تلك المناسبة هو وجود أمين جدة الأسبق المهندس عبدالله المعلمي بجوار الأستاذ صالح التركي، وهو الشخص الذي يحظى بتقدير واحترام الجميع أميناً وسفيراً ومثقفاً وعضواً فاعلاً في المجتمع.

لا ننكر أن جدة تغيرت للأفضل، وتخففت من بعض أوجاعها المزمنة المتراكمة، لكنها ما زالت تحتاج الكثير الذي يليق بها، ويجعلها العروس الأجمل بين المدائن، وهي بانتظار الأمين الجديد لترى ماذا يضيف لها. وعلى كل أمين يأتي أن يتذكر كل ما قيل في جدة من عشاقها، ولو لم يتذكر سوى ما قاله عنها الأمير بدر بن عبدالمحسن (رحمه الله) لشمّر عن ساعديه وانتقى أجمل أفكاره كي يجعلها كما وصفها البدر: «وهج الشموس».

00:48 | 22-06-2026

مفاوضات التفاؤل الحذِر

كل محبي السلام كانوا يتطلعون إلى ما هو أكثر وأهم مما أسفرت عنه المفاوضات الأمريكية الإيرانية، التي انتهت في مرحلتها الأولى بمذكرة التفاهم، التي لا ينطبق عليها وصف الرئيس ترمب بأنها «تمثل في جوهرها استسلاماً إيرانياً غير مشروط»، كما أنها لا تمثل انتصاراً فعلياً حاسماً لأمريكا، ولا تبعث على الطمأنينة بأن الهدنة الهشة سوف تستمر دون مخاوف من عودة التصعيد، فمن ناحية إيران تؤكد أن تنفيذ بدء المحادثات مشروط، وفق نص مذكرة التفاهم، ببدء تنفيذ أحكام البنود 1 و4 و5 و10 و11 واستمرار تنفيذها، وهي بنود تصب جميعها في مصلحة إيران بشكل إستراتيجي، وتمنحها فرصة ثمينة للمناورة لاحقاً إذا بدأت المحادثات. ومن ناحية أخرى، هناك الطرف الإسرائيلي المعترض أساساً على المفاوضات ويتربص لتفجير الوضع بأي شكل، والخلاف بينه وبين الحليف الأمريكي أصبح في العلن.

وبغض النظر عن كون وقف إطلاق النار الهش لمدة 60 يوماً محفوفاً بكثير من المفاجآت المحتملة التي قد تعقّد المشهد فإن البنود الأربعة التي تشترطها إيران أولاً قد تمكنها من إعادة تموضعها عسكرياً بالاستفادة من الأموال التي ستحصل عليها. نأمل أن يكون ترمب محقاً بأن «القيادة الإيرانية الحالية تضم أشخاصاً عقلانيين للغاية، ومن السهل التعامل معهم، وليسوا متطرفين، ويتطلعون إلى مساعدة بلادهم»، كما نأمل ألا تكون تركيبة المسؤولين الذين يتفاوض معهم ترمب حالياً هي امتداد لمن قبلهم ويحملون نفس الأيديولوجيا الراسخة، وألا يقتصر الأمر على تغيير التكتيك بحسب مقتضيات المراحل والظروف. عندما يستطيع الطاقم الإيراني الخروج من عنق الزجاجة ويضمن شراء الوقت مع الانتعاش المالي فمن يضمن عدم عودته الى تهديد أمن المنطقة. مسألة السلاح النووي ليست ملحّة لإيران ويستطيع تقديم بعض التنازلات بشأنها، لأن لديه وسائل أخرى وأساليب بديلة يستطيع استخدامها، وهي التي تمثل الخطر الحقيقي.

في كل الأحوال حظيت مذكرة التفاهم بترحيب دول المنطقة، كبداية ترجو منها الوصول إلى سلام حقيقي ومستدام ومضمون. الترضيات الأمريكية لإيران على أمل أن يتغير سلوك نظامها يجب ألا تكون على حساب مصالح دول الجوار الإيراني، ويجب ألا تُقدم بشكل شبه مجاني وبدون ضمانات أكيدة. لا نريد العودة للحرب مرة أخرى لأنها ستكون في منتهى الخطورة، ولكن لا نريد مفاوضات لا تؤدي إلى ما تطمح إليه الدول المحبة للسلام والاستقرار في منطقتنا.

00:00 | 21-06-2026