أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/225.jpg?v=1764231772&w=220&q=100&f=webp

حمود أبو طالب

وماذا بعد انسحاب أمريكا من العراق ؟

كان الخبر الرئيسي، يوم أمس، هو انسحاب القوات الأمريكية من آخر قواعدها في العراق، بعد 23 عاماً من دخولها وتدشينها واقعاً سياسياً معقداً أفضى إلى مشاكل متراكمة، دفع البلد أثماناً باهظة لها من أمنه واستقراره واقتصاده، وسوف يستمر في ذلك إلى أجل غير مسمى. ومع الانسحاب، هناك أكثر من طرف يحتفل، الحكومة العراقية تقول إن العراق استعاد سيادته بذلك، الفصائل المسلحة تعتبره انتصاراً لها، وإيران تراه إنجازاً إستراتيجياً في مواجهتها مع أمريكا.

عندما احتلت أمريكا العراق، كان أول ما فعلته حلّ الجيش وتعيين حاكم أمريكي لتبدأ الفوضى الحقيقية. بدأ النفوذ الإيراني يتغلغل عبر إنشاء المليشيات المسلحة بمباركة أمريكا، بل يمكن القول، إن أمريكا سلمته لإيران عملياً، والتي أصبحت تتحكم لاحقاً في تشكيل حكوماته، بالإضافة إلى وجود الفصائل المسلحة الموالية لها خارج منظومة الحكومة كأدوات ضغط على أي حكومة تحاول الخروج عن الخط الإيراني، وأذرعة نفوذ للمشروع الإيراني التوسعي الإقليمي.

ولأكثر من عقدين، عاش العراق أسوأ مراحله. ذلك البلد الغني بثرواته الطبيعية والبشرية أصبح نهباً للفساد، وساحة تتدفق فيها الدماء دون توقف، تناسلت فيه أسوأ تنظيمات الإرهاب، ليصبح في النهاية ضمن تصنيف الدول الفاشلة. جاءت حكومة بعد أخرى، لكنها جميعاً كانت تدور في الفلك الإيراني، وكان هذا الحال أحد أعجب مفارقات التأريخ في العلاقة بين البلدين، ولكن مع الترتيبات التي اقتضتها إستراتيجيات جديدة للقوى التي تدير العالم، قررت أمريكا الانسحاب من العراق في عام 2024، وها هي الآن تنفذ قرارها، فكيف سيكون العراق بعد هذا الانسحاب؟

الوضع سيكون أكثر حساسية وصعوبة، هناك حكومة عراقية تريد إعادة العراق إلى محيطه العربي، وتريد أن يكون السلاح والقرار تحت سلطتها وحدها، وتطمح إلى إعادة بناء العراق من جديد. ولكن في المقابل، هناك الجارة إيران التي قد ترى في الانسحاب الأمريكي زوالاً عائقاً كان يؤثر على طموحها في الاستفراد بالتأثير على القرار العراقي، وقد تستغل الفراغ الذي يحدث بتوسيع وتعميق نفوذها. لكن رغم كل ذلك، فإن العراق يستطيع الخروج من هذا المأزق بالإصرار على استقلال قراره السيادي مهما كانت التضحية، وباستمرار تعاونه وشراكته مع محيطه العربي، الذي يريد عودته دولة عربية مستقرة ومستقلة.

00:01 | 1-10-2026

فوضى السردية الإسرائيلية

يُعرض على منصة «نتفليكس» مسلسل اسمه «فوضى»، ويتضح أنه بإشراف أجهزة الأمن الإسرائيلية؛ لأنه يصوّر الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من وجهة نظر إسرائيلية، وقد جاء المسلسل في عدة مواسم، ركّزت على المواجهات بين حركة حماس وإسرائيل وما يتخللها من تفاصيل عسكرية واستخباراتية، وبالطبع لا بد أن تركّز الرواية الإسرائيلية على كل سلبيات حماس وتضخّمها إلى أقصى حدٍّ، وتسقطها وطنياً وأخلاقياً وإنسانياً، فهي إما فصيل قاتل متوحش همجي، أو فصيل خائن يسهل تجنيده إسرائيلياً. وقد كان الموسم الجديد من المسلسل عن حرب 7 أكتوبر، التي أجهزت فيها إسرائيل على كل ما في قطاع غزة، وحوّلته إلى ركام من الدمار.

وهنا لا نريد الدخول في إشكالية وملابسات وجدوى ما قامت به حماس ذلك اليوم، وفتح على الغزاويين بوابات الجحيم، ولكن نريد فقط الإشارة إلى كيف اختزلت حلقات المسلسل كل ما حدث في التركيز على حادثة واحدة تم بناء بقية الأحداث الدرامية عليها، هي ادعاء دخول مسلحين من حماس إلى منزل أحد أفراد الأمن الداخلي الإسرائيلي في غيابه، وقتل أولاده وزوجته بعد اغتصابها، لتنفجر بقية الأحداث من هذه البؤرة المركزية، وتستند إليها لخلق صورة صراع ذي وجهين: وجه الشر الحمساوي، ووجه الخير الإسرائيلي، هكذا وبكل بساطة.

منذ اندلاع حرب غزة، لا أتذكّر عملاً فنياً لافتاً تعرّض للوحشية الإسرائيلية المتناهية سوى فيلم «صوت هند رجب»، للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، الذي حصل على جائزة الأسد الفضي في مهرجان البندقية السينمائي عام 2025، وقد كان فيلماً رائعاً بحق، ولكن لم نشاهد عملاً غيره يجسد الفظائع التأريخية التي ارتكبتها إسرائيل. قد يقول قائل، إن ما نقلته ووثقته شاشات الفضائيات فيه ما يكفي لإثبات جرائم إسرائيل. هذا صحيح، ولكن للدراما والسينما مهمة أخرى غير النقل والتوثيق، وهي الغوص في التفاصيل برؤية مختلفة، وخلق سردية بمنظور مختلف عن التوثيق؛ فالعمل الفني الاحترافي الإبداعي الذكي يوظّف الأحداث لخلق سردية غير مباشرة، لكنها مؤثرة، وتبقى في الذاكرة طويلاً.

تحاول إسرائيل ترسيخ سردية معينة، من خلال مثل هذا المسلسل وما شابهه من أعمال فنية أخرى، كنوع من أدوات القوة الناعمة لادعاء مظلوميتها، وأن ما قامت به كان ثأراً لقتل مدنيين عُزّل، بينما هي تبيد المدنيين منذ نشأتها إلى الآن بوحشية غير مسبوقة في تأريخ البشرية.

بالإضافة إلى كل الوسائل التي تدين تأريخ إسرائيل الملوّث بدم الأبرياء، نريد أعمالاً فنية ترقى لكي تكون شهادات يراها العالم بكل اللغات. نريد أعمالاً تدحض فوضى إسرائيل.

00:03 | 30-09-2026

الحضور السعودي في نيويورك

كان الحضور السعودي في اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي انتهت مؤخراً، حضوراً بارزاً ومؤثراً في جميع الملفات التي تمّت مناقشتها، خصوصاً الملفات الساخنة إقليمياً ودولياً. المملكة من الدول الموقّعة على ميثاق تأسيس منظمة الأمم المتحدة، ومنذ ذلك الحين وهي عضو فاعل وصوت مسموع، وازداد حضورها وتأثيرها بعد أن أصبح الاستثمار والطاقة والتجارة والتكنولوجيا ضمن ملفاتها الدبلوماسية وجزءاً مهماً من أدوات سياستها الخارجية.

في الاجتماعات الأخيرة، التي مثّل المملكة فيها وفد كبير متنوع الاختصاصات، تم تقديم رؤية متكاملة لدورها في المرحلة القادمة، إقليمياً ودولياً، وأعلنت مواقفها الواضحة والثابتة تجاه قضايا عديدة، كالأمن الإقليمي، وقضية فلسطين، والحرب في غزة، وأمن الملاحة والطاقة، والتطورات في اليمن وسورية ولبنان والسودان، والأعمال الإنسانية، وقضايا التنمية والاقتصاد، وغيرها من الشؤون الحيوية التي تهم العالم. كما قام وزير الخارجية بعقد عدة اجتماعات مهمة مع بعض ممثلي الدول الفاعلة في الساحة الدولية، وعلى إثر انتهاء اجتماعات نيويورك، انطلق الوزير إلى واشنطن للاجتماع مع نظيره الأمريكي، في توقيت شديد الأهمية بالنسبة لما يحدث في منطقتنا.

لم يكن حضور المملكة في اجتماعات الأمم المتحدة حضوراً بروتوكولياً فقط، بل حضوراً لدولة تحظى باحترام المجتمع الدولي لدورها البارز في إحلال السلام وخفض التوترات واحتواء الأزمات وبناء التوافقات بين المختلفين من أجل مصلحة الشعوب. كما أن حضورها في أي محفل عالمي يستقطب الانتباه؛ لمكانتها المحورية في اقتصادات العالم، كونها واحدة من دول العشرين، ومن أهم منتجي الطاقة العالمية، وكل تصريح يدلي به أحد مسؤوليها يصبح حديث الإعلام العالمي.

المملكة، منذ أن أصبحت عضواً في المجتمع الدولي، تحضر لتؤثر، لكنها أصبحت أكثر تأثيراً بعد إعادة هندسة سياساتها في كل الجوانب.

00:01 | 29-09-2026

الميليشيا الحوثية ولحظة الحسم

«دان مجلس الأمن الدولي بأشد العبارات استمرار هجمات الحوثيين ضد المملكة العربية السعودية، مطالباً الجماعة بوقف التصعيد العسكري والهجمات التي تطال المدنيين والمنشآت المدنية، وقال البيان، إن أعضاء مجلس الأمن دانوا «بأشد العبارات» استمرار هجمات الحوثيين ضد السعودية، بما فيها الهجمات التي طالت البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة، وأسفرت عن إصابة مدنيين، بينهم نساء وأطفال».

هذا ما نقلته وسائل الإعلام يوم الجمعة الماضي، ولكن مع تقديرنا لهذه الإدانة حتى لو كانت بأشد العبارات، إلا أنها لن تلقى تجاوباً لدى ميليشيا لا تعترف بالقانون الدولي، وتنفذ أعمالاً إرهابية داخل وخارج اليمن، لصالح نظام يريد فرض الفوضى لخدمة مشروعه الأيديولوجي التوسعي.

لقد صدرت قرارات من مجلس الأمن ضد الميليشيا الحوثية، ومنها ما هو تحت البند السابع لكنها لم تُنفّذ، وذلك ما جعلها تتمادى في ممارساتها الضارة باليمن وجواره، وشجعها على التموضع في ممر مائي حيوي للعالم كله، إضافة إلى تعديها على أمن الجوار السعودي باستمرار وتكثيف هجمات صواريخها ومسيراتها على المنشآت المدنية والاقتصادية في عدة مدن سعودية، رغم توجه المملكة الدائم لترجيح ودعم الحلول السياسية للشأن اليمني، ورفض الحوثيين لهذا التوجه بأساليب مختلفة، وصولاً إلى الوضع الراهن بكل ما فيه من خطورة.

لقد تراخى المجتمع الدولي كثيراً في التعامل بما يجب مع الميليشيا الحوثية، وتغاضى عن التهديد المتصاعد للأمن الإقليمي الذي تسببت فيه، كما أنه لم يدعم فعلياً الحكومة الشرعية بالأسباب التي تساعدها على استعادة اليمن المختطف، ولولا وجود تحالف دعم الشرعية الذي تقوده المملكة لكان الوضع أسوأ كثيراً مما هو عليه الآن، ولكن مع المستجدات التي حدثت مؤخراً على المجتمع الدولي، ممثلاً بمنظمته ومجلس أمنه والدول الكبرى المؤثرة، ألّا يقف حجر عثرة في إنهاء العربدة الحوثية. لقد أعلنت حكومة الشرعية اليمنية بدء النفير الشعبي والاستعداد العسكري لإنهاء المشروع الحوثي، وبالطبع يحتاج ذلك إلى تفعيل تحالف دعم الشرعية الذي يكتسب صفة قانونية، بالإضافة إلى أن المملكة التي تتعرض لتهديد أمني حوثي متزايد وأكثر خطورةً من حقها تحييد هذا الخطر بالطريقة التي تضمن ذلك، ومن حقها تفعيل تحالفاتها العسكرية والأمنية إذا لزم الأمر رغم قدرتها لوحدها على تنفيذ المهمة بنجاح.

المطلوب الآن، مما يسمى بالمجتمع الدولي، ليس التنديد الكلامي بإرهاب الميليشيا الحوثية لأن ذلك لن يفيد، وإنما عدم إعاقة الحل العملي الوحيد المتمثل باستخدام القوة لإنهاء الواقع الخطير الذي تريد الميليشيا الارهابية فرضه واستمراره على اليمن، والتهديد الأمني الذي تمثله على دول الجوار والإقليم، وعلى أمن وسلامة أمن الملاحة البحرية العالمية. يكفي ما مضى من سيناريو غير منطقي يتعامل به المجتمع الدولي مع ميليشيا إرهابية منذ أكثر من عقد من الزمن.

00:00 | 27-09-2026

الوطن وجيل الرهان على المستقبل

عندما نتحدث الآن عن جيل الشباب السعودي، فذلك يعني غالباً الحديث عن المولودين في بداية الألفية الجديدة، وقبلها أو بعدها قليلاً، الذين لم يعاصروا أحداثاً جساماً مر بها وطنهم، ومؤامرات خبيثة استهدفت أمنه ووحدته، بدءاً من محاولة شيطنة المملكة بعد أحداث 11 سبتمبر، ثم انفجار موجة الجرائم الإرهابية في مدن المملكة بواسطة شباب تم غسل أدمغتهم، ليقتلوا أهلهم ويمارسوا التخريب في وطنهم، وصولاً إلى ما سُمي بالربيع العربي، الذي كان من ضمن مخططه استهداف المملكة دولةً ووطناً بتوظيف عملاء من الخارج وخونة من الداخل، لكن يقظة الدولة وحزمها أجهزت على تلك المؤامرات الخطيرة وانتشلت الوطن من الأخطار المحدقة به، وبدأت مرحلة تأريخية جديدة من النماء والازدهار والأمن والاستقرار تقودها الرؤية الوطنية الشاملة.

وإذا عدنا إلى الماضي البعيد، فقد لا يعرف هذا الجيل تفاصيل كثيرة عن كيف نشأت الدولة السعودية الثالثة على يدي المغفور له الملك عبدالعزيز، في خضم مصاعب وأخطار عظيمة، وكيف عبرت بأمان في ظل ظروف عالمية دقيقة، وكيف توحدت أجزاؤها عبر ملاحم من البطولات لتصبح هذا الكيان الذي نعيش فيه، والذي صمد أمام سلسلة من المؤامرات خلال الغوغائية التي سادت العالم العربي في حقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي. لقد عبر الوطن كل تلك الفصول الصعبة بحكمة وشجاعة القيادة، وتلاحم الشعب معها ووقوفه سداً منيعاً وجداراً حصيناً في وجه الاختراقات والدسائس والتضليل والتحريض والدعاية الإعلامية الرخيصة، وقد ذهب المضللون بأكاذيبهم وتركوا أوطانهم ترزح في المتاعب، بينما مضى هذا الوطن يبني نفسه بشرياً ومادياً دون صخب ليصل إلى ما وصل إليه.

نحن نعيش الآن مناسبة عظيمة خالدة هي ذكرى اليوم الوطني، اليوم الذي لا تخرج فيه الآليات العسكرية في الشوارع، ولا يصطف الجنرالات على المنصات بنياشينهم، ولا يهتف المغلوبون على أمرهم بالحرية والديموقراطية، التي لا يعرفون منها سوى اسمها، بينما هم يبحثون عن لقمة العيش الضنينة في أنظمة تحصي أنفاسهم. في يومنا الوطني تنتصب شواهد التنمية كأدلة عملية على كيفية إدارة الأوطان بالعمل المخلص، ويخرج الناس إلى مواقع الاحتفالات في بهجة طبيعية عفوية للاحتفاء بوطنهم وقيادتهم، دون رياء وتملق. الكبار والصغار يتوشحون أعلام الوطن، ويغنون للوطن، ويهنئون أنفسهم بما هم فيه من أمن وطمأنينة. وهنا يتضح الفرق بين من يُقادون قسراً لترديد شعارات لا يؤمنون بها، ومن يخرجون طوعاً للتعبير الحقيقي عن حبهم لأوطانهم وولائهم لقيادتهم.

جيل الشباب الذي يقطف الآن ثمار مسيرة العمل والبناء والتنمية الشاملة، يجب أن يعرف جيداً تأريخ وطنه ليس فقط من أجل الزهو به، ولكن أيضاً ليعرف كيف استطاع التغلب على المصاعب وتحييد الأخطار وإطفاء الفتن وإفشال المؤامرات. وعليه أن يعرف أننا ما زلنا نواجه تحديات كبيرة في مرحلة عالمية راهنة مشوبة بالاضطراب والضبابية، تحاول المملكة خلالها المضي بسفينة الوطن بأمان إلى المستقبل الذي ترنو إليه، معتمدة على جيل يتسلح بالوعي والعلم والانتماء.

00:06 | 23-09-2026

مضيق ازدواجية المعايير

أمريكا مع إيران مثل الذي يعاقب الأب المؤذي ويترك أولاده الأشقياء يعيثون فساداً في نواحي الآخرين، يتشدد مع الرأس الذي يفكر، ويتساهل مع الأطراف التي تنفذ أفكاره. هكذا يبدو الأمر عملياً، وهكذا يقول الواقع الذي يحدث الآن بالنسبة لما يقوم به الحوثيون في باب المندب والساحل الغربي اليمني.

يوم أمس، نشرت وكالة (أ ف ب) للأخبار عن مصادر مؤكدة، أن أفراداً من الحرس الثوري الإيراني سافروا من الحديدة إلى المخا، ومنها إلى باب المندب؛ للقيام بتركيب رادارات في المضيق تمكنهم من السيطرة الرقابية عليه، ورادارات أخرى في جزيرة (زقر) المتاخمة للمضيق، بالإضافة إلى حفر أنفاق قبالة المخا لاستخدامها في العمليات العسكرية وتخزين الأسلحة والمعدات. وهذا يدل على أن خبراء الحرس الثوري يسرحون ويمرحون في تلك المنطقة، ويقومون بأعمالهم على المكشوف، لتثبيت الواقع الذي فرضوه.

في المقابل، لا نسمع سوى التصريحات المتوالية مما يُسمّى بالمجتمع الدولي عن خطورة الوضع في باب المندب، وتأثيره على أمان خطوط الملاحة البحرية وانعكاسه على اقتصادات العالم وإمدادات الطاقة. التصريحات نفسها كنّا نسمعها في بداية أزمة مضيق هرمز، لكن الوضع هذه المرة أخطر؛ لأنه تم الاتفاق بين الحوثيين وأمريكا على ضمان مرور الناقلات والسفن الأمريكية والإسرائيلية، وما عداهم لا يهم، وهنا يتضح تقديم المصالح الخاصة على مصلحة العالم بأجمعه.

الوضع في غاية الخطورة عندما يُسمح لمليشيا تحت تصنيف الجماعات الإرهابية، أو بالأصح، النظام الإيراني الثوري الذي يهدد أمن المنطقة بأذرعه، أن يسيطر على مضيق حيوي عالمي. نحن إزاء ذلك أمام فوضى غير مسبوقة، وأمام ازدواجية فاضحة بين ما يقوله المجتمع الدولي وما يحدث في الواقع.

00:19 | 21-09-2026

«طويق».. لا يهزه عبث الطارئين

الهجمات الكثيفة التي شهدتها المملكة خلال الأيام الماضية، والتي ربما تستمر لفترة قادمة، هي أمرٌ متوقع من ميليشيا همجية تمت عسكرتها لخدمة أهداف لا تمثل فيها سوى الذراع القذرة التي لا تعرف منطق الدول، ولا كيف تدار السياسات في الأزمات، وتوضع الإستراتيجيات التي تحكم طبيعة ردود الأفعال، بما يحقق المصالح الوطنية العليا، ولا يسمح بتحقيق نوايا المعتدي بالانجرار إلى المسار الذي يريده. وعندما يصل التمادي إلى حد استهداف قبلة المسلمين وأقدس مقدساتهم فإن هذه الميليشيا تزيح ورقة التوت الأخيرة عن أكاذيبها باستخدام الشعارات الدينية التي تتمسح بها، وتسقط في الدرك الأسفل من دناءة القول والفعل.

كل شيء يمضي في المملكة بشكل طبيعي جداً، الحياة اليومية تسير بنفس إيقاعها، والناس يذهبون إلى أعمالهم ويعودون إلى منازلهم آمنين مطمئنين لأنهم متأكدون من وجود درع أمني قوي يحميهم بعد الله. إلى الآن، ورغم تكرار الهجمات واتساع نطاقها، لم تسفر سوى عن بعض الأضرار الجانبية في بعض المنشآت والأعيان المدنية، نتيجة تناثر شظايا الصواريخ بعد التصدي لها من قوات الدفاع الجوي، ومن أعجب المفارقات أن يكون بعض المصابين من الأشقاء اليمنيين، الذين هربوا من جحيم الحياة في اليمن بحثاً عن الأمن والحياة الكريمة في المملكة، لكن العدوان الحوثي لاحقهم وهم خارج وطنهم.

المملكة ما زالت تتعامل مع التصعيد الحوثي وفق منطق الدولة التي يديرها مسؤولون عركتهم الخبرة سياسياً وعسكرياً، يعرفون ما الذي يحاك ضد المملكة وماذا يراد لها الانزلاق إليه. المملكة لا يديرها طارئون على الحكم وإدارة الدولة، بل قادة راسخون توارثوا الخبرة والحكمة والأناة والحنكة، ومعها شجاعة اتخاذ القرار في وقته المناسب. هناك حسابات دقيقة ورؤية واسعة وعميقة، واعتبارات لا يفهمها ذوو النظرة القاصرة، ولكل شيء أوانه. سينتهي هذا العبث، وستبقى المملكة وطن الأمن والاستقرار وسيادة القرار.

00:00 | 20-09-2026

يمن ما بعد «المخا»

لا يمكن التقليل من الأهمية الكبيرة لما حدث في اليمن مؤخراً باستحواذ الميليشيا الحوثية على مدينة المخا ذات الموقع الإستراتيجي، ومنها إلى التموضع في أهم الجزر المتاخمة لباب المندب. بكل المعايير هو تحول دراماتيكي خطير في مسار المواجهة بين القوات المسلحة اليمنية والحوثيين، وقد اكتنفته كثير من التأويلات والتساؤلات والتكهنات عن كيفية حدوثه بتلك الصورة المفاجئة، ويجب على السلطات اليمنية المختصة تفسيره، وبحث أسبابه حتى لا يتكرر في مواقع أخرى.

وعلى أي حال، فقد تواترت الأخبار عن وصول عدد كبير من الخبراء العسكريين الإيرانيين خلال الفترة القصيرة السابقة لإدارة عملية استهداف المخا والساحل الغربي، تم ذلك رغم الحصار والحظر والمراقبة التي يُفترض أنها فاعلة تجاه التحركات الإيرانية، وخصوصاً تواصلها مع الحوثيين، وإذا كانت هذه المعلومة صحيحة فنحن إزاء تساهل خطير ربما يمكن وصفه بالتواطؤ لتعقيد المشهد اليمني والإقليمي وما يترتب على ذلك من نتائج سلبية على نطاق أوسع.

على كل حال، الواقع المستجد يقول، إن إيران عبر ذراعها الحوثي أصبحت تسيطر عملياً على ممر حيوي عالمي يمثله باب المندب، بالإضافة إلى مضيق هرمز، مع فارق مهم هو خلو باب المندب من المواجهة المباشرة بين إيران وأمريكا، ما يعني عدم تشكيل ضغط عليها، وهذا هو الخطر الحقيقي الكبير إذا استطاع الحوثيون البقاء والتحكم في تلك المواقع الإستراتيجية الحساسة.

وبنظرة إلى الوراء نجد أن الشأن اليمني ما كان له أن يصل إلى هذه المرحلة المعقدة الخطيرة لولا الخذلان الذي مُني به الشعب اليمني التوّاق إلى التخلص من ميليشيا انقلبت على الشرعية. خذلان تسبب فيه المجتمع الدولي ممثلاً بمنظمة الأمم المتحدة ومجلس أمنها. عدة قرارات تم إصدارها ومنها ما هو تحت البند السابع ولم تنفذ. الإصرار على تسوية عبر مسار سياسي لم تلتزم به جماعة الحوثي. المساواة في التعامل بين حكومة شرعية معترف بها دولياً وميليشيا مارقة. فرض هدنات لاستئناف المسار السياسي تخرقها الميليشيا كل مرة. الضغط على التحالف العسكري لدعم الشرعية للتوقف في مرات عديدة كان بإمكانه خلالها تحقيق مكتسبات عسكرية قادرة على تحجيم قوة ورقعة توسع الحوثيين. المبعوثون الأمميون يتعاقبون واحداً بعد الآخر دون تعامل جاد مع تجاوزات الحوثيين، الأمر الذي شجعهم على الاستمرار فيها. وحتى بعد ما حدث مؤخراً في المخا كانت إحاطة المبعوث الأممي إلى اليمن لا ترقى إلى خطورة الحدث.

على أي حال، نحن الآن إزاء مستجد خطير لا يجب أن يستمر طويلاً، ولا بد من التعامل معه بمنتهى الحزم والجدية لما له من عواقب تتجاوز النطاق الإقليمي، أمنياً واقتصادياً، إضافة إلى كونه يشكل سابقة تهدد الأمن والسلم الدولي عندما يُسمح لميليشيا بالتحكم في معبر ملاحة دولية يهم العالم كله. إنها ليست مشكلة يمنية فحسب، بل دولية وخطيرة إذا ما استمرت، وهذا يتوجب أكثر من مستوى للتعامل معها:

من ناحية حكومة الشرعية اليمنية، ومع معرفتنا بالمصاعب التي تواجهها، إلا أنها لا بد أن تصحح الأخطاء الجسيمة التي تؤدي إلى مثل ما حصل مؤخراً، وعليها إعادة ترتيب أوضاعها لأنها في معركة وجودية مع جماعة الحوثي. ومن ناحية أخرى، على المجتمع الدولي استشعار الخطر الكبير من هكذا وضع لو استمر، وهذا يتطلب في ما يتطلب تمكين تحالف دعم الشرعية وكذلك التحالف البحري الدفاعي للقيام بدورهما دون عراقيل. وعلى مجلس الأمن تفعيل قراراته المتعلقة باليمن بشكل فوري، وربما استصدار قرار جديد يتعلق بالوضع المستجد، وكذلك تغيير التعاطي مع الأزمة اليمنية التي بدأت تتحول إلى أزمة إقليمية ودولية.

00:00 | 13-09-2026

الوطن فوق كل الاعتبارات

كان متوقعاً أن تقوم مليشيا الحوثي بعمل عدائي تجاه المملكة بعد أن بدأ الخناق يضيق عليها عندما تهورت بمحاولتها الاقتراب من باب المندب وفرض حصار عليه، لكنها فوجئت بتحرك قوات الحكومة الشرعية بشكل غير مسبوق لدحرها من مواقع كثيرة، وإعلان القيادة السياسية والعسكرية اليمنية أن الهدف الآن تحرير صنعاء وبقية المواقع التي تحتلها. وفعلاً هاجمت صواريخ ومسيّرات الحوثي أعياناً مدنية واقتصادية في أربع مدن سعودية صباح أمس، نتج عنها إصابة 73 شخصاً من المدنيين.


مشكلة مليشيا الحوثي أنها عاشت وهماً كبيراً بأنها قادرة على الاستمرار في مشروعها الإرهابي دون ردع. هذا الوهم تضافرت عدة عوامل في خلقه، منها التشجيع والدعم الكبير من إيران التي تصوّر للحوثيين أنه طالما استطاعت التعايش مع العمليات العسكرية الأمريكية فإنهم ـ أي الحوثيين ـ يستطيعون مواجهة قوات الشرعية اليمنية وقوات التحالف، بل ويستطيعون تنفيذ الهدف الإيراني الإستراتيجي بالسيطرة على باب المندب، وكذلك استعراض القوة بهجوم متعدد الأهداف على المملكة، من أجل خلط الأوراق وتعقيد المشهد، وهنا لا نستبعد أن تصريح المبعوث الأممي لليمن يوم قبل أمس، الذي قفز فيه على الحقائق وغالط المنطق وساوى بين صاحب الحق الدستوري وبين مليشيا إرهابية سطت على الدولة ومقدراتها، لا نستبعد أنه ساهم في تشجيع الحوثيين على اقتراف هجومهم الآثم على المدن السعودية.


هذا الهجوم الذي أصاب عدداً كبيراً غير مسبوق من المدنيين، وألحق أضراراً بمنشآت اقتصادية، لن يتم التعامل معه مثل ما حدث في المرات السابقة، فعندما تقول المملكة في التصريح الرسمي الذي صدر صباح أمس بأنها «لن تتهاون مع أي اعتداء يستهدف أراضيها ومقدراتها، مشددة على حقها المشروع في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن سيادتها وصون مقدراتها الوطنية والحفاظ على أمن وسلامة المواطنين والمقيمين، وفق قواعد القانون الدولي»، فإنها تعني تماماً ما تقول، ولنا في الماضي القريب دليل على ذلك عندما هاجمت المملكة مليشيات عراقية موالية لإيران فكان الردع قوياً وحاسماً.


المملكة تبنت الحل السياسي في اليمن وما زالت، وحاولت امتصاص الاستفزازات المتكررة للمليشيا الحوثية رغم حدوث بعض الأضرار، وقامت بمساعٍ دبلوماسية حثيثة للوصول إلى سلام مستدام واستعادة اليمن من الاختطاف المليشياوي، لكن هذه المبادرات اصطدمت بتراخي الأمم المتحدة وعدم جديتها في تنفيذ قراراتها المتعلقة باليمن، وخصوصاً القرار 2216 لعام 2015، والقرار 2722 لعام 2024، وذلك ما شجع الحرس الثوري الإيراني على استمرار دعمه للحوثيين على مرأى ومسمع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، بل وأصبح يشارك في إدارة غرفة العمليات العسكرية خلال الاشتباكات الراهنة كما تواترت الأخبار.


استسهال مهاجمة السيادة السعودية وإصابة المدنيين بهذا العدد واستهداف المنشآت لن يكون نزهة للحوثيين وداعميهم، ولن يكون حماقة تُمرر كسابقاتها. كانت المملكة ملتزمة بأقصى درجات ضبط النفس رغم كل شيء من أجل أمل السلام لليمن، لكن عصابة الحوثيين لا تفهم هذه الاعتبارات على حقيقتها، وما دامت الأمور وصلت إلى هذا الحد فمن المؤكد أن التعامل معها سيختلف، لأن سيادة الوطن وأمنه وسلامة مواطنيه لا يمكن تعريضها للخطر أياً كانت الاعتبارات.

00:41 | 9-09-2026

عندما تُدير الرياض أوركسترا الوطن

مع بداية شهر سبتمبر تزخر أجندة مدينة الرياض بالمؤتمرات والمنتديات والمعارض، ويستمر هذا الزخم عادةً إلى نهاية فصل الربيع القادم، علماً بأنه حتى خلال فصل الصيف وحرارته المرتفعة لا تخلو الرياض من بعض الفعاليات. خلال هذا الشهر تستضيف الرياض أكثر من 24 فعالية كبرى مختلفة العناوين والمجالات والاهتمامات، إيقاع سريع تصعب ملاحقته إذا كنت من أصحاب الاهتمامات المتعددة، فهناك كل ما يغري بمعرفة شيء عنه، من العلوم والتقنية، إلى الآداب والفنون، والسياسة والاقتصاد، والصحة والبيئة، والاستثمار والمال، وغيرها.

هذا الشهر، يمثل عادةً تدشين الحراك الهائل لهذه المدينة التي أصبحت تزاحم كبريات عواصم العالم في استضافة أهم الفعاليات، حراك مستمر لا يتوقف، ولا يتأثر بالظروف المضطربة التي تعيشها المنطقة والعالم. فقد كان البعض يتوقع انخفاضاً نسبياً هذا العام بسبب اندلاع أزمة الحرب الأمريكية الإيرانية وتداعياتها على أمن المنطقة، لكن ذلك لم يحدث، كل العالم باتجاه الرياض دون توجس، وربما كان مؤتمر Leap - الذي انتهى مؤخراً بحضور عالمي اكتظ به موقع انعقاد المؤتمر - دليلاً على أن كل شيء يحدث هنا بشكل طبيعي، وأن العالم يثق في أن المملكة مسيجة بأمن كامل وشامل ومستتب، وأن الفرص الحقيقية والمضمونة موجودة هنا، رغم كل ما يحدث من عدم يقين في أماكن كثيرة أخرى تجعل رجال الأعمال والمستثمرين يعيدون حساباتهم كثيراً في بعض الدول.

الرياض أصبحت محترفة في إدارة الفعاليات، لكننا نريد انتقال تجربتها إلى بقية المدن الرئيسية، لأن كل منطقة لها خصائص جذب مختلفة، وطبيعة تناسب فعاليات معينة. لا نريد أن تصبح الرياض مرهقة بكل الفعاليات خصوصاً عندما نعرف أنه سيعقد فيها شهرياً عدد أكبر من فعاليات هذا الشهر. نريد انتقال مهارتها في إدارة الفعاليات إلى بقية المناطق، لتصبح كل منطقة قادرة على استضافة فعالية تتسق مع خصائصها، ولا بأس أن تختص الرياض بالمؤتمرات الدولية الكبرى التي تحتاج إمكانات لوجستية ضخمة لا تتوفر في غيرها.

هذه الدعوة، نهمس بها مرة بعد أخرى كي يكون الحراك وطنياً شاملاً، فأنا لا أتذكر آخر مرة عُقد مؤتمر تجاري أو استثماري في مدينة جدة، مدينة التجارة العريقة التي كان يُعقد فيها منتدى اقتصادي ضخم كل عام. ولماذا لا يعقد منتدى لاقتصاديات الزراعة في منطقة زراعية كجازان مثلاً، ومثله للعلوم والتقنية تحتضنه جامعة كاوست على شاطئ مدينة ثول، وآخر للطاقة في المنطقة الشرقية التي تتعملق فيها أكبر شركة عالمية للطاقة، وهكذا بحسب الخصائص والميزات النوعية لكل منطقة.

نحن نريده زخماً شاملاً في كل المناطق، والإمكانات أصبحت متوفرة في كل منطقة، فلنبدأ التخطيط لذلك، وننقل بعضاً من نبض الرياض الحيوي الجميل إلى شقيقاتها من المدن الأخرى، وتبقى هي القلب والمركز الذي يدير أوركسترا الوطن.

00:36 | 8-09-2026