تعودت الطبقة السياسية التي تنهب المال العام على أساليب تقليدية لإخفاء ما تم الاستيلاء عليه. الحسابات السرية في بنوك سويسرا شكلت الملاذ الأشهر لمعظم اللصوص في دول العالم، ثم تلتها أساليب أخرى بفضل عبقرية المخططين والمنفذين لتحويل الأموال من الداخل إلى الخارج، وتذويبها فوراً في أصول استثمارية وتجارية بأسماء الأبناء والبنات والأقارب. كانت السرقات مهذبة إلى حد كبير تراعي مشاعر الوطن المنهوب، ولا تظهر آثارها على فاعليها في الداخل، فهم يعيشون ظاهرياً كالآخرين، ويؤكدون في الاجتماعات ووسائل الإعلام على حماية المال العام وترسيخ النزاهة وتفعيل المحاسبة.

يبدو أن تلك الموضة ستختفي، بعد أن بادرت طبقة سياسية في العراق إلى تدشين أساليب جديدة لا تحتاج إلى صداع التحويلات الخارجية وغسل الأموال والتخفي وراء واجهات. الحملة التي بدأت مؤخراً في العراق بمباركة رئيس الوزراء الجديد، كشفت لنا نمطاً جديداً من التفكير العملي للصوص، الذين كشفت الوقائع أنهم كانوا في أرفع مناصب الدولة التنفيذية والتشريعية. لا بنوك محلية ولا خارجية، ولا واجهات تستر ولا يحزنون. شعارهم «ما فيه أحلى من الكاش». شوالات وحقائب وخزائن ضخمة وحُفر عميقة في البيوت والمزارع، مليئة بمئات الملايين من الدولارات وأطنان الذهب، وقد تفنن بعضهم في الاستمتاع بالمال الوفير بطريقة ابتكارية لم يصلها أي خيال جموح، كتصميم أطقم نسائية داخلية من الذهب الخالص المرصع بالجواهر!

يقال، إن مبالغ مهولة تم الاستيلاء عليها في العراق منذ عام 2003 إلى الآن، تكفي أن يعيش كل مواطن فيه حياة كريمة توفر له كل الاحتياجات. تشارك في نهبها الأجنبي المحتل آنذاك ثم الجار الأثير الذي أصبح عملياً شريكاً في ثروة العراق، وطوال تلك المدة كان هناك شركاء من الداخل في النهب الممنهج العلني، بينما الوطن يعيش حالة من الاحتياج لكل أساسيات التنمية. مفارقات عجيبة حدثت في هذا البلد العربي الغني بثرواته، ولكن لم يكن مُتخيلاً أن يصل العبث إلى هذه الدرجة. وكل ما نأمله أن تستمر هذه الثورة التصحيحية على الفساد والفاسدين في العراق، الذي يئن من أوجاع مزمنة. لك الله يا عراق، والشرفاء الذين ما زالوا يعتبرونك لائقاً بحياة كريمة.