في التقرير المثير الذي نشرته «عكاظ» يوم أمس، علمنا أن عدداً كبيراً من المواطنين الذين اشتروا شققاً في برج سكني فاخر بلغت تكلفته حوالى 360 مليون ريال، عليهم إخلاؤها بتأريخ الأمس، الذي يمثل انتهاء المهلة بحسب القرار الصادر من أمانة جدة. لكن أين سيسكن هؤلاء المنكوبون بعد الإخلاء الإجباري لمساكنهم؟ هنا نتذكر المسرحية الشهيرة الرائعة (ع الرصيف)، التي اضطر فيها النجمان سهير البابلي وحسن عابدين للسكن على ناصية الشارع، بعد فقدهما شقتيهما بالنصب والاحتيال. هذا هو أقرب تصور لما سيحدث؛ لأن هناك شكاوى ومطالبات للملّاك بتوفير سكن بديل بعد الإخلاء، لكن هذا لم يتحقق.

وما دمنا نتحدث عن شقق فاخرة، فإن أثمانها ستكون عالية، لأنها - نظرياً - ستكون في أعلى مستويات الجودة والفخامة، لكن الذي حدث هو اكتشاف عيوب في «التصميم والتنفيذ والهيكل الإنشائي، شملت مشكلات في الأساسات والأعمدة والعوازل والتسرّبات، إضافة إلى أعطال في التكييف والمصاعد والسباكة والكهرباء»، فماذا يبقى من صلاحية أي مسكن إذا كانت كل هذه العيوب موجودة فيه؟

هذا المشروع لم ينفذه مقاول فاسد في الخفاء، بل مشروع أُقيم بالشراكة بين أحد البنوك الكبرى ومستثمرين ومطور عقاري ومقاول ومكتب استشاري هندسي، أي أنه تم تنفيذه من قبل جهات عدة بطريقة نظامية، كما أن الملّاك قد أتمّوا جميع الإجراءات النظامية والتمويلية دون علم بالعيوب، وهنا تبرز أسئلة جوهرية: كيف لم يكتشف كل المتابعين لتنفيذ المشروع تلك الأخطاء التي حدثت في كل مكوناته؟ وأين كان المشرفون عليه؟ وأين كان المراقبون؟ وأين كانت الذمم والأمانة والخوف من القانون؟

ويفيدنا التقرير بأن وثائق وشكاوى تقدّم بها عدد من الملّاك إلى البنك المركزي السعودي ووزارة البلديات والإسكان والهيئة العامة للعقار، تطالب بتعليق أقساط التمويل، وتوفير سكن بديل أثناء الإخلاء، وفسخ العقود، والتعويض عن الأضرار، والتحقيق في مدى الإفصاح عن العيوب الإنشائية قبل بيع الوحدات وتمويلها، لكن ماذا حدث بشأنها؟ الله أعلم.

إنها فضيحة من العيار الثقيل عندما تذهب مدخرات العمر والقروض الثقيلة هباءً نتيجة الغش والاحتيال في مساكن غير صالحة للاستخدام، وبدلاً من التعويض العادل برد الأموال والتعويض عن الأضرار، يدخل الضحايا في دائرة لا تنتهي من المعاملات والشكاوى. ما حدث يستوجب التدخل الفوري لكل الجهات ذات العلاقة؛ لإنصاف ضحايا هذا المشروع القائم على الغش والاحتيال، واتخاذ أشد الإجراءات لمنع تكراره.