الصحفي الحقيقي هو ذلك المفتون بالبحث والتقصي والمغامرة، لنبش ما هو محجوب عن الأعين وبعيد عن الأنظار، أو ما هو مسكوت عنه بفعل التعتيم أو المحاذير المختلفة، أو حتى التحذيرات المباشرة وغير المباشرة بعدم الاقتراب منه، التي يمررها الفاسدون المستفيدون من المخالفات والأخطاء، الذين يشكلون شبكات وتكتلات وحلقات مترابطة يصعب اختراقها، إلا إذا وُجدت صحافة حقيقية تؤمن برسالتها وصحفيون لديهم حاسة صحفية عالية تدلهم إلى ما هو مختبئ خلف ما يبدو عادياً.

خصصت «عكاظ» ثلاث حلقات متتالية بمانشيتات بارزة على صفحتها الأولى لقضية البرج السكني، الذي أصدرت أمانة جدة قراراً بإخلائه بسبب الأخطاء الإنشائية الخطيرة التي تنخره، بعد أن كلف إنشاؤه 360 مليون ريال، وتم بيع شققه بمبالغ كبيرة تحملها المشترون كقروض ثقيلة من البنك المشارك في إنشائه، أو دفعوا ما ادخروه لوقت طويل، لينتهي بهم الأمر في شقق توشك السقوط على رؤوسهم.

الصحفي الاستقصائي العكاظي «عدنان شبراوي»، الذي تصدى لملف البرج لم يكتف بخبر أو تقرير فقط، بل تابع الموضوع من بدايته إلى وصوله المحكمة، ليصنع منه ملفاً كاملاً، وقابلاً للفتح مجدداً إذا استجد شيء. ولأنه يعمل في صحيفة تتقن التعامل مع المواد الصحفية وتعرف كيف تخدم القضايا المهمة صحفياً، فقد تصدر ملف البرج مانشيت صفحاتها الأولى لثلاثة أيام متتالية مع تفاصيل واسعة في الداخل، لتكون القضية حديث المجتمع، وتتناقلها بقية وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

هذا عمل صحفي بامتياز، ومثال مؤكد أنه لا وسيلة أخرى تستطيع أن تكون بديلاً للصحافة الجادة المحترفة. لا يمكن لناشط أو مشهور أو مؤثر في منصات التواصل، أن يقدم قصة صحافية استقصائية متكاملة كما يستطيع الصحفي المتمكن الذي يعمل في مؤسسة صحفية لها معاييرها وضوابطها واشتراطاتها المهنية في النشر. ميزة الصحافة هي العمق والشمولية والتقصي والبحث عن الأدلة والبراهين والحرص على اكتمال أركان المادة الصحفية، وتحمل المسؤولية تجاه ما تنشره، لأنه يمر عبر مسار تحريري متكامل يتأكد من استيفائه كل عناصر المادة الصحفية القابلة للنشر، بينما الخبر أو القصة في منصة التواصل لا تزيد عن فقاعة تنفجر بشكل مؤقت لتختفي سريعاً. المادة الصحفية المصنوعة باحتراف تستمر متماسكة ومؤثرة، بينما تتطاير فقاعة الإثارة في لحظات.

الصحافة عندما تكون حقيقية تبقى حيةً ومستمرةً ومؤثرة، وقصة البرج السكني وكيف تعاملت معه «عكاظ» مجرد دليل واحد على ذلك من أدلة كثيرة. ويبقى المجد للصحافة.