خلال الأيام الماضية كان الحدث العالمي الأبرز، الذي قاربت تغطيته إعلامياً مفاوضات أمريكا وإيران، ليس سياسياً بل اقتصادياً، عندما بلغت القيمة السوقية لشركة Space x أكثر من تريليوني دولار، وكان السؤال الكبير المحيّر الذي يدور في أذهان الناس، خصوصاً في عالمنا العربي، هو كيف يمكن لشركة فضائية عمرها لا يزيد على 20 عاماً أن تفوق قيمتها اقتصادات دول عديدة مجتمعة؟

هذا السؤال إجابته واضحة وبديهية في الدول التي تعرف قيمة العلم والبحث العلمي، وتعتبره رأسمال يولّد صناعات جديدة، وتؤمن أن كل دولار يُنفق على البحث العلمي يتحول لاحقاً إلى عشرات الدولارات، بعكس الدول التي تعتبره بنداً هامشياً في ميزانياتها ودورتها الاقتصادية. شركة space x أنفقت حوالى 60 مليار دولار على البحث والتطوير والبنية التحتية منذ تأسيسها إلى الآن. أي أن قيمتها الحالية الضخمة لم تولد في الأسواق المالية وإنما ولدت قبل ذلك في مختبرات البحث والتطوير، وعرفت كيف تحول الإنفاق البحثي إلى منتجات متطورة أصبحت تُعرف بالاقتصاد الفضائي الجديد الذي بلغ الإنفاق الحكومي العالمي عليه حوالى 138 ملياراً في عام 2025.

أوردنا قصة هذه الشركة لكي نشير إلى قيمة وأهمية البحث العلمي في العالم المتقدم ومأساته في عالمنا العربي، وكيف أن إهماله هو السبب الأساس لكثير من خيباتنا وتخلفنا العلمي والتقني، ومشكلاتنا الاقتصادية وتردّي التنمية. في أمريكا والصين بلغ حجم الإنفاق على البحث العلمي ما يقارب 800 مليار دولار لكل دولة خلال عام 2024، ثم تأتي بعدهما دول مثل اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية بإنفاق أقل لكنه كبير بالنسبة للإنفاق الوطني الكلي الذي تشترك فيه الحكومات والشركات والجامعات، علماً بأن القطاع الخاص يساهم بنسبة كبيرة تصل في بعض الدول إلى نسبة 70% من إجمالي الإنفاق. وأما بالنسبة للدول الأكثر تخصيصاً للبحث العلمي نسبةً إلى حجم اقتصادها المحلي، فتأتي في مقدمتها عالمياً إسرائيل بنسبة 6.8%، نعم إسرائيل الدولة الصغيرة التي هددها العرب ذات زمن بقذفها في البحر فإذا بها الآن من أفضل دول العالم في الأبحاث العلمية والطبية والتقنية، التي منحتها قوة وتطوراً متواصلاً. وأما بالنسبة لدول العالم العربي عند البحث عن موقعها بين دول العالم في البحث العلمي وكم يُنفق عليه فإننا سنجد نتيجة مخجلة ومحزنة، بل يمكن القول إنه لا مكان فعلياً لها.

وصلت بعض دول العالم إلى اقتصاد الفضاء بتفوقها في البحث العلمي، بينما ما زالت كثير من الدول عاجزة عن استثمار ثرواتها الهائلة على الأرض، بسبب النزاعات الداخلية والفساد والتخلف التعليمي. البحث العلمي هو الأداة الوحيدة الضامنة لتقدم أي أمة.