الإعلام الرياضي، ممثلاً في عصر الصحافة الورقية، وقبل ظهور البرامج الرياضية وانتشارها، وقبل أن تصبح وسائل التواصل الاجتماعي، ومن بينها منصة «إكس»، ساحةً تختلط فيها الآراء وتتشابك فيها الأصوات، كان له في ذلك الزمن تأثير بالغ في توجيه وصناعة القرار، وكان له دور مؤثر في مسيرة الإصلاح الرياضي، سواء على مستوى الأندية أو المنتخبات.
- كانت الآراء النقدية والمنشورات المثيرة للاهتمام تجد تفاعلاً من أصغر مسؤول إلى أكبر مسؤول، وتحظى بصدى واسع واستجابة سريعة. أما في عصرنا الحالي، فلم يعد للإعلام الحديث وما يطرحه من آراء نقدية التأثير ذاته؛ فمن الواضح أننا أصبحنا أمام حالة أشبه بـ«النفخ في قربة مخرومة»، وكأن الرسالة غير المعلنة تقول: أياً كان موقعكم، فإن آراءكم لا تهمنا، ولن تؤثر في قراراتنا. ذلك الزمن ولّى، وتغيرت الأحوال.
- وهنا، ونتيجة هذا التجاهل الواضح لما يُطرح إعلامياً من آراء نقدية لا تجد أي ردة فعل، سواء بالتوضيح أو بالتصحيح أو باتخاذ قرار، فإن ذلك يقود إلى تفسيرين لا ثالث لهما:
الأول: أن المنظومة الرياضية فقدت الثقة في الإعلام الرياضي وطروحاته النقدية، نتيجة ما قد يتصوره البعض إعلاماً «منفلتاً» أو غير منضبط، لا يلتزم بالمعايير المهنية المطلوبة.
أما التفسير الآخر، فهو أن بعض المسؤولين يحظون بقدر كافٍ من «الحماية»، التي تحول دون وجود مساءلة حقيقية عن أي أخطاء جسيمة، إن وُجدت، وبالتالي لم يعد هناك اهتمام بما يُطرح إعلامياً في ظل هذه الحماية التي تمنع أي تأثير أو تغيير، والتفسير الثاني أراه أقرب للحقيقة.
- الأمثلة كثيرة ومتعددة حول هذه الفجوة بين الإعلام الرياضي والمنظومة الرياضية عموماً، ولا تتسع هذه المساحة لطرحها جميعاً، إلا أنني سأستعرض مثالاً قريباً يتعلق بالاتحاد السعودي لكرة القدم.
- فعلى الرغم مما كُتب وطُرح من آراء نقدية تخص مسيرة المنتخب واللجان خلال السبع السنوات، هل وجدنا أذناً صاغية تتفاعل مع تلك الملاحظات، وتعمل على إصلاح ما يمكن إصلاحه في جوانب عديدة تطرق إليها الإعلام؟
للأسف، كانت الإجابة: «أذنٌ من طين وأذنٌ من عجين»، فبقيت بعض الإشكالات قائمة ومستمرة، واستقالة المسحل المتأخرة لم تكن تفاعلاً مع مطالب الإعلام، بل أجبر عليها «مرغماً أخوك لا بطل»، على عكس ما كان يحدث في عصر سابق، حين كان المسؤول يرى نفسه شريكاً وطنياً، يدرك أهمية الإعلام الرياضي ورسالته، ويتفاعل معه عبر قرارات إصلاحية.
- وحتى على مستوى الأندية، فمن الملاحظ أن لدينا مشروعاً جباراً تكفلت به الدولة لإصلاح أوضاع هذه الأندية، ونقلها من فكر «الهواة» على مستوى العمل الإداري والفني إلى العمل المؤسسي. لكن، رغم ما صُرف على هذا المشروع من مليارات، فإننا لم نلحظ التغيير الجذري المنتظر في ما يخص الكفاءات الإدارية والفنية، سواء السعودية أو الأجنبية، فالهدر المالي ما زال حاضراً وبشكل أسوأ، وصناعة بيئة احترافية تستفيد من وجود هذا الكم الهائل من النجوم العالميين لم نرَ لها أثراً واضحاً في مسيرة اللاعب السعودي داخل ناديه أو على مستوى المنتخبات.
- والحديث يطول عن هذه الفجوة التي أتمنى ألا تستمر، وأن تحظى بدراسة حقيقية من أصحاب القرار وكل من يهمه أمر تطور رياضتنا السعودية، خصوصاً كرة القدم.
- إن أهمية الإعلام الرياضي ضرورة، وليس من المصلحة الوطنية أن يكون الإعلام الرياضي في وادٍ والمنظومة الرياضية في وادٍ آخر، إلا إذا تغيّرت النظرية السائدة «إن كليهما شريكان حقيقيان في صناعة التطوير».
- ما أريد الوصول إليه، أن الإعلام ليس خصماً للمنظومة الرياضية، كما أن النقد ليس عائقاً للتطوير، بل إن غياب الحوار بين الطرفين هو ما يصنع الفجوة، التي يدفع ثمنها مستقبل الرياضة عندنا.


