أحياناً، تبدأ الحرب على الدول بصورة قديمة، وخبر بلا مصدر، وتغريدة مكتوبة بلهجة العاجل، ثم تتكاثر حتى تبدو كأنها حقيقة. وفي الحالة السعودية، الحرب النفسية جزء من بيئة الصراع السياسي والأمني والاقتصادي المحيطة بالمملكة. وهنا يكفي هاتف، وحساب نشط، وجمهور مستعد للتصديق.


شهر سبتمبر وحده قدّم أمثلة كثيرة، إذ أُحْصِيَتْ عشرات الادعاءات الممنهجة. تخرج من شاشات الهواتف، وتدار بمحركات إقليمية معلومة. ويمكن توثيق خمس حالات بارزة فندت هذا الشهر؛ مقطع قديم من العراق أعيد تقديمه باعتباره ضربة حوثية حديثة داخل المملكة، ومشاهد لهجمات مسيّرة في كردستان العراق تحوّلت إلى استهداف لقاعدة الملك فهد في الطائف، وفيديو قديم لعملية عسكرية منسوبة إلى مليشيا عراقية ظهر من جديد بوصفه هجوماً على خط أنابيب «شرق-غرب»، ثم جاء حريق صناعي قديم في دبي ليصبح هجوماً على منشآت ينبع النفطية، وقصة عن شراء السعودية 25 ناقلة نفط بمليارات الدولارات، قبل أن تنفي وزارة الطاقة الرواية، وتوضح أن ارتفاع تكاليف الشحن له أسباب أخرى.


قد تبدو هذه الوقائع، كل واحدة على حدة، مجرد أكاذيب صغيرة. لكنها في مجموعها ليست صغيرة. والمشكلة هنا؛ في توقيتها، وفي الجمهور الذي تستهدفه، وفي قدرتها على إنتاج الانطباع قبل أن تصل الحقيقة. ولذا، فإن الحرب النفسية لا تحتاج إلى أن تقنع الجميع. يكفي أن تزرع الشك لدى البعض، وأن تمنح آخرين مادة لتأكيد ما يريدون تصديقه أصلاً.


ومن هنا نفهم لماذا تبدو بعض الروايات المعادية للسعودية عصية على التصحيح الشامل. فالمتلقي، عموماً، يبحث أحياناً عما يوافق موقفه السابق. ولذا نجد في العالم العربي، وفي دوائر دولية، من يستقبل أي رواية سلبية عن المملكة بوصفها تأكيداً لما يريد اعتقاده مسبقاً، فتتحوّل الشائعة إلى دليل، فموقف، فحملة. وكلها عند جمهور مضلل، أو يعيش على ضغائن قديمة، ويجد في أي شائعة ضد السعودية متنفساً لعقده السياسية.


وكثيراً ما تتزامن الحملات الإعلامية مع خلافات سياسية، وقد تستثمر أطراف مختلفة في الضغط على المملكة عندما تتعارض مصالحها مع موقف سعودي. فكلما استعصت الرياض على التماهي مع مشاريع ملتبسة، أو شددت قبضتها على أمنها السيادي بشراكات إستراتيجية، دارت ترسانة الابتزاز النفسي في عنف مكتوم.


ولكن للمملكة لياقة أعلى نتيجة عقود من حملات التشكيك. فقد شككوا مرة في سياستها، ومرة في اقتصادها، ومرة في قدرتها على توسيع تنميتها، ومرة في تماسك مجتمعها. كانت الأدوات تختلف، لكن الفكرة واحدة؛ صناعة صورة عن دولة تبدو دائماً على وشك أزمة. والجديد أن هذه الصناعة انتقلت من غرف الأخبار إلى هواتف الناس. فحساب لديه عشرات الآلاف من المتابعين، بلا دليل ولا تاريخ، يفي بالغرض.


وهنا تصبح الخوارزمية شريكاً غير مرئي في المعركة. فالمحتوى الأكثر إثارة ينتشر أسرع من المحتوى الأكثر دقة. والصورة التي توحي بكارثة تحظى باهتمام أكبر من بيان ينفيها. أما التصحيح، فيأتي غالباً بعد أن تكون القصة قد قطعت نصف الطريق.


لكن ثمة جانباً آخر في هذه القصة. المملكة لم تعد تتعامل مع هذه الحملات بالطريقة القديمة؛ مطاردة لا تنتهي خلف كل شائعة. فالدولة التي تحاول الرد على كل كذبة تمنح الكذب، من حيث لا تريد، قيمة إضافية. الأهم هو بناء مصادر موثوقة للمعلومة، وتسريع التواصل الرسمي، ودعم أدوات التحقق، ورفع قدرة الإعلام على كشف السياق الحقيقي للصور والمقاطع. فالهدف جعل الضجيج أقل تأثيراً، وليس إسكاته. وهذا فارق جوهري؛ لأن الدول لا تنتصر في معركة المعلومات بكثرة البيانات، وإنما بوجود مؤسسة يثق الناس بمعلوماتها عندما تضطرب الروايات.


المملكة ستظل هدفاً للحملات السياسية والإعلامية. كلما اتسعت مصالحها، اتسعت مساحة خصومها. وكلما أصبحت أكثر حضوراً في الإقليم والعالم، أصبح استهداف صورتها جزءاً من الصراع. لذلك لن تنحسر الشائعات. ستأتي واحدة غداً، وبعدها أخرى. صورة قديمة ستظهر في ثوب جديد، وفيديو من مكان آخر سيمنح عنواناً سعودياً، وحساب مجهول سيعلن حدثاً لم يحدث أصلاً.