أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1918.jpg?v=1788191845&w=220&q=100&f=webp

فارس بن حزام

ما لم يقله اللواء تركي المالكي

ليست كل الرسائل السياسية ما يُقال في المؤتمرات الصحافية، وإنما ما يراد للآخرين أن يفهموه منها. وحين يدعو المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، مليشيا الحوثي إلى قراءة ما بين السطور، فالأرجح أن الرسالة تمتد إلى العواصم الإقليمية التي تمدهم بالسلاح والتقنيات، وتعتقد أن بإمكانها إدارة التصعيد من وراء الحدود، ثم النأي بنفسها عن عواقبه.


المعنى واضح. لا يمكن فصل من يطلق الصاروخ عمن مكنه من إطلاقه، ولا يجوز أن تتحول السعودية إلى هدف دائم، فيما يظن الداعمون أن المسافة الجغرافية توفر لهم حصانة من تبعات أفعالهم.


وهنا تكمن أهمية الرسالة السعودية، وهنا، أيضاً، ينبغي فهم حدود ضبط النفس في الرياض. هي لا تبحث عن حرب، لكنها ليست مستعدة للعيش الدائم تحت طائلة التهديد. والفرق بين الموقفين جوهري. فالدولة التي تدرك كلفة الحرب لا تتعجلها، لكنها لا تسمح للآخرين بأن يحولوا حرصها على الاستقرار إلى رخصة مفتوحة للاعتداء. ليس الصبر ضعفاً، لكن الصبر الذي يساء فهمه يحتاج إلى ما يصحح تفسيره.


ومن السهل على جماعة مسلحة أن تطلق مسيرة، أو أن تستهدف منشأة مدنية، ثم تنتظر رد الفعل. والأصعب أن تدرك أن الدولة، التي تواجهها، لا تتخذ قراراتها تحت ضغط الاستفزاز، ولا تكشف جميع خياراتها في اللحظة التي يريدها خصمها. لذلك فإن الخطأ الأكبر لدى مليشيا الحوثي، ومن يقف خلفها، هو الاعتقاد بأن ما ظهر من تعامل سعودي مع التهديدات يمثل سقف قدرتها، أو نهاية خياراتها.


فليس بالضرورة أن تكون المواجهة قد بلغت مداها. ربما ما ظهر، حتى الآن، مجرد وميض محدود من منظومة خيارات أوسع وأشد لم تُستخدم. وهذه المقاربة لا تحمل في طياتها قرعاً أعلى لطبول الحرب، وإنما تذكير هادئ بحقيقة ساطعة؛ عدم الرغبة في التصعيد لا تعني استحالته، ومن يملك القدرة الكاملة على الرد، يملك بالضرورة حق الاحتكار لتحديد توقيته، وشكله، ومداه المرسوم.


وفي هذا السياق، تتجاوز رسالة اللواء تركي المالكي التحذير العسكري التقليدي الموجه لأدوات محلية، لتخاطب شبكة التمكين الإقليمية بأكملها. إنها مواجهة مع بنية تحتية للتسليح والإسناد تجعل الاعتداءات أكثر تطوراً وخطورة، وتحاول عبثاً إطالة أمد الفوضى. ومن يراهن على أن المملكة ستظل منشغلة باعتراض الصواريخ والمسيرات، بينما تستمر خطوط الإمداد بالتدفق، يراهن على معادلة وهمية مآلها الحتمي السقوط.


لكن ثمة ما يفسر جانباً من ضبط النفس السعودي، ويجب ألا يغيب عن قراءة المشهد؛ سلامة المدنيين. فالمملكة، وهي تحسب خطواتها العسكرية، لا تنظر إلى مسارح العمليات باعتبارها قائمة أهداف صماء. وراء المواقع مدن، ووراء المدن بشر تمترست المليشيا بهم. وكلما اتسعت المواجهة، تعاظم شبح الضرر الذي قد يطال الأبرياء. ولذا فإن تجنب توسيع دائرة الأذى ليس عجزاً عن استخدام القوة، وإنما مسؤولية أخلاقية تفرضها الاعتبارات الإنسانية والقانونية، فضلاً عن الحسابات الإستراتيجية.


غير أن مراعاة المدنيين لا تعني منح المعتدي حصانة، ولا ينبغي أن يفسرها داعمو الحوثي على أنها قيد دائم يكبل قدرة المملكة على حماية أمنها. فور التصعيد وخطره يتحمله أولاً من بادر بالعدوان، ومن وفر له أسباب البقاء. ولا يمكن تحويل النبل الإنساني إلى وسيلة لابتزاز دولة تسعى إلى حمايتها.


هذه هي المعادلة، التي ينبغي أن تفهمها العواصم المعنية؛ السعودية تفضل الاستقرار، لكنها لن تقبل أن يبنى على استمرار تهديدها. خاصة أنها منحت التهدئة فرصتها، لكنها لم تتعهد بصبر بلا حدود. فبين ضبط النفس والتفريط مسافة، وبين تجنب الحرب والعجز عن خوضها مسافة أخرى.


والدول الواثقة لا تحتاج إلى الإعلان عن كل ما تستطيع فعله. يكفي، أحياناً، أن تترك الرسالة ناقصة، كي يفكر الطرف الآخر في الجزء الذي لم يقل. فالقوة أن يعرف الخصم بوجود الخيارات، وأن عدم استخدامها حتى الآن قرار، لا عجز.


لذا، فإن تحذير اللواء المالكي ليس فصلاً جديداً في مواجهة المليشيا. إنه تنبيه إلى من يظن أن بإمكانه مواصلة التصعيد من خلف الستار، ومن دون أن يتحمل تبعاته. والمطلوب ليس زيادة التوتر في المنطقة، وإنما أن يفهم من يغذي أسبابه أن ضبط النفس السعودي فرصة لتجنبه.


ومن يقرأ ما بين السطور جيداً، سيدرك أن أخطر ما في الصبر أن له نهاية يحددها صاحب القرار، بوضع النقطة، وإغلاق كتاب الاحتمالات.

منذ ساعة

هندسة الهجوم الإعلامي على المملكة

حين لا تسعف ساحات المعارك خصوم السعودية، تفتح الجبهات البديلة على مصراعيها في قلاع الإعلام وغرف صياغة الروايات. إنها هجمة إعلامية ممنهجة، لا تبحث عن الحقيقة بقدر بحثها عن هندسة الوعي وتشويه المواقف، حيث تتخذ من تسمية الأشياء وتوجيه دلالاتها أخطر أسلحتها الموجهة ضد المملكة. أداة ضغط سياسي، تسعى لتقويض السيادة وتزييف المشهد.


وفي خضم هذا الاستهداف المتواصل، تكررت مؤخراً روايات إعلامية سمجة تُصور السعودية في حال قلق وجودي واضطراب استراتيجي، زاعمة أنها تبحث يائسة عن مخرج سياسي أو تستجدي وساطة دولية لإنقاذها. وهي صياغات سطحية تتعمّد القفز فوق الفروق الجوهرية والبدهية؛ بين السعي إلى تسوية عادلة تحفظ الاستقرار -وهو نهج عقلاني ومألوف في إدارة النزاعات- وبين طلب النجدة، الذي يبقى ادعاء أملته أهواء الدعاية المغرضة. فالدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها العليا، وتعيد تقدير خياراتها الاستراتيجية بمرونة ووعي، من دون أن يعني ذلك البتة أنها فقدت زمام المبادرة أو تراجعت عن ثوابتها.


إن هذا التوجه الممنهج ليس عفوياً، وإنما يندرج في إطار تواطؤ إعلامي واضح في اختيار المسميات، واختيار التوقيت، لضرب الثقة وتوجيه الرسائل الضمنية. ولقد شهدنا بوضوح في أزمات كبرى سابقة، كيف تنخرط منصات إعلامية غربية واسعة التأثير في صياغة رواية أحادية الجانب؛ تُنحى فيها السياقات الأمنية والتهديدات الحقيقية والهواجس المشروعة جانباً، لتبرز الأضرار وكأنها سلوك بنيوي، بينما يُغض الطرف تماماً عن ممارسات المليشيات المتمردة والدول الإقليمية الداعمة لها. إنه الخلط الصريح بين مساءلة دولة ومحو مسؤولية مليشيا.


إن هذا الاختزال المتعمد، عبر مصطلحات ملتوية وموجهة، يضع الدولة ذات الشرعية والكيان المتمرد في كفة واحدة، متجاهلاً عمداً الفروق القانونية والسياسية، ليجعل المسؤوليات متساوية قبل حتى فحصها، ويختزل صراعاً معقداً في صورة طرفين متماثلين، تماماً كما تقتضي الأجندة السياسية، التي تحاول عبثاً تقويض مكانة المملكة عبر محاولات شيطنة قراراتها السيادية المستقلة.


ولعل الأزمة الحقيقية لا تكمن في أن تتناول الصحافة الدولية قرارات السعودية أو تداعيات الحروب في المنطقة، وإنما في الانتقائية الفجة للوقائع لخدمة رواية جاهزة ومسبقة، مع إسقاط الأسئلة الجوهرية عن مسؤولية الأطراف الأخرى. فالتغطية الصحافية الجادة والمتوازنة تستحضر السياق التاريخي للحدث عند وصف أثر الضربة المباشر، وتفحص دقة مصادر الادعاءات، وتتيح للقارئ رؤية الصورة الكاملة من زوايا متعددة. أما التغطية المتهورة التي تستعجل إصدار الأحكام، فهي تترك في ذهن المتلقي انطباعاً حاداً ومضللاً، لا يغنيه عن الحقيقة شيئاً، بقدر ما يغذي لديه انحيازاً أعمى مسبقاً.


إن المعيار الصحفي الأصيل لا يوزع صكوك البراءة والإدانة وفق الميول السياسية، ولا يتغافل عن الانتهاكات أياً كان مرتكبها. ولكنه في المقابل يرفض، بقطعية، أن تتحوّل المعاناة الإنسانية إلى مادة استعراضية رخيصة، تُستخدم لغة التعاطف فيها غطاء لتبرئة مجرم، بينما تُحمّل طرفاً آخر تبعات المشهد بأكمله. فالمهنية الحقيقية ليست غفلة عن السياسة وموازين القوى. إنها مقاومة صلبة لأن تبتلع السياسة الوقائع وتطمس ملامحها.


وفي نهاية المطاف، لن تُحسم معركة الروايات الإعلامية بضجيج العناوين العريضة ولا ببريق المانشيتات، وإنما بصلابة الحقائق ودقة التفاصيل.


إن الحقيقة كالشمس، قد يحجبها ضباب الدعاية لفترة، لكن غربال الأكاذيب أضعف من أن يطسها. فالصحافة التي تختار الانحياز الأعمى تغتال مصداقيتها أمام القارئ اليقظ والذكي، علاوة على إساءتها للمملكة. ويبقى الرهان الأكبر معقوداً على وعي المتلقي، الذي بات يدرك بفطنته أن خلف كل عنوان برّاق مصلحة خفية، وأن وراء كل صياغة درامية أجندة سياسية تتجاوز حدود الخبر الصحفي البحت، لتكشف بوضوح عن وجه الصراع الحقيقي ومآلاته.


تلك هندسة الرواية. تعتمد على التكرار والانتقاء والإيحاء. قد تنجح مؤقتاً في صناعة انطباع زائف، لكنها لا تصمد طويلاً أمام الوقائع الموثقة.

منذ يوم

رهان الحوثي على صناعة الخوف

ما تريد قوله مليشيا الحوثي باستهداف المطارات إن الخطر باق، وإن قدرتها على الإيذاء تمنحها مكاناً في أي معادلة سياسية. فحين تعجز عن تحقيق مشروعها بالتسوية، تحاول فرضه بالتهديد والخطر، وحين لا تملك ما تقدّمه بالسياسة، تلوّح بما تستطيع إفساده في الميدان.


هذه عقلية المليشيات التي تراهن على تعب خصومها أكثر من قوتها. تطيل الأزمة، وتوسع دائرة المخاطر. إنها لا تراهن على الانتصار بقدر ما تراهن على الخوف من تبعاته، وعلى أن يتحوّل تجنّب المواجهة إلى سياسة، والاستثناء إلى أمر واقع. وبدلاً من أن يكون السلاح وسيلة للوصول إلى غاية سياسية، يصبح غاية قائمة بذاتها، ويغدو استمرار التهديد بديلاً عن أي أفق للحل.


لكن مشكلة حسابات المليشيات أنها تنظر إلى الزمن بوصفه حليفاً مضموناً. وعلاوة على إنهاك الخصوم، تراهن على أن اعتياد الخطر سيحولها تدريجياً إلى جزء من المشهد، وأن العالم الذي يضيق بالفوضى، قد يفضل التعايش مع مصدرها على تحمل كلفة مواجهته. وهذه محاولة فرض هدنة مفتوحة تحت تهديد السلاح.


لكن الخطر لا يصنع شرعية، والقدرة على التعطيل ليست قدرة على البناء. قد تنجح الصواريخ في استنفار الدفاعات، وإرباك حركة الطيران، ورفع كلفة التأمين، لكن ليس كل من آذى خصمه استطاع إخضاعه.


فالردع يقاس بقدرة الدولة على منع التهديد من التحول إلى قاعدة تحكم سلوكها. والاعتراض، مهما بلغت أهميته، يعالج الهجوم، أما إنهاء قابلية تكراره فيتطلب عملاً أوسع يستهدف مصادر الخطر، ويجعل الاعتداء مغامرة مكلفة لا ورقة تفاوض رابحة. ولعل المفارقة أن المليشيا، وهي تحاول إثبات قدرتها على الوصول، تكشف في الوقت نفسه حدود قدرتها على التأثير.


وفي هذا السياق، فإن استهداف مطار الرياض لا يقرأ باعتباره تفصيلاً في مواجهة عسكرية، وإنما اختبار لمدى قدرة التهديد المسلح على تعطيل مصالح تتشابك فيها حسابات دول وشركات وأفراد. وكلما اتسعت هذه المصالح، اتضح أن حماية الاستقرار ضرورة تتجاوز حدود الدولة المعتدى عليها.


والدولة لا تحتاج إلى إنكار الخطر كي تثبت قوتها، ولا إلى تركه يتراكم كي تتجنّب كلفة مواجهته. حاجتها الحقيقية أن تحمي أمنها، وتحافظ على انتظام الحياة، وتمنع المعتدي من الاعتقاد أن تكرار الهجوم سيغير حساباتها، أو يفرض تعريفه للصراع. فهذه المليشيا تريد أن يبدو استمرار الخطر دليلاً على أهميتها، وأن يتحول العجز عن إنهائها سريعاً إلى مبرر لبقائها.


إن الاستقرار، الذي يُشترى بالصمت عن التهديد، ليس استقراراً. إنه تأجيل للأزمة بشروط من يملك السلاح المنفلت. وكذلك السلام، الذي يحتاج إلى إبقاء الخطر قائماً كي يستمر، ليس سلاماً. إنه هدنة ينتظر فيها الابتزاز فرصته التالية.


قد تنجح الصواريخ في تعكير السماء، لكنها لا تكتب مستقبل الأرض. وبين القدرة على إزعاج الحياة والتهديد، والقدرة على فرض الإرادة، مسافة واسعة لا يختصرها السلاح. تلك هي المسافة التي لا تدركها المليشيا. فإطالة الخطر لا تعني كسب المعركة، وتحويل الخوف إلى أداة سياسية سيرفع عليها كلفة المواجهة. لأن الدولة التي تدرك أن أمنها شرط لاستمرار الحياة والاقتصاد، لا يمكن أن تجعل التهديد قاعدة لإدارة علاقاتها، ولا أن تمنح المعتدي حق تحديد سقف استجابتها. فهي الدولة القادرة على حماية أمنها ومنع الابتزاز من التحول إلى سياسة.

19:38 | 12-10-2026

انقلاب معادلة الحوثي في مطار الرياض

يتكرر العدوان الحوثي على الرياض، لكن رسائله تتجاوز الميدان العسكري. فاستهداف المطارات ينتقل من إيقاع الضرر بالمنشأة إلى تهديد حياة الناس والأعمال، ويهدف لجعل الحرب أقرب إلى تفاصيل الحياة اليومية.


هنا تكمن الفكرة، فالجماعات المسلحة لا تحتاج دائماً إلى الانتصار؛ يكفي أحياناً أن تجعل هزيمتها مكلفة، وأن تقنع الخارج بأن بقاءها أقل خطراً من محاولة إنهائها. إنها تراهن على الخوف من الفوضى، وتحاول تحويل كلفة المواجهة إلى ضمانة لاستمرارها.


فمليشيا الحوثي تدرك أن موقعها في اليمن، بما يحيط به من تعقيدات سياسية وأمنية وإنسانية، يمنحها فرصة لتوسيع دائرة المخاطر. فكلما امتد التهديد إلى الملاحة والتجارة والطيران، ازدادت الحسابات الدولية تعقيداً. وبدلاً من أن ينصب الاهتمام على إنهاء النزاع، يصبح السؤال عن تكلفة ذلك، وما قد يترتب عليه من اضطراب إقليمي.


بهذا المعنى، يمكن قراءة استهداف مطارات المملكة بوصفه محاولة لرفع فاتورة المواجهة، على أمل أن يدفع الخوف من التصعيد المجتمع الدولي إلى التعايش مع الأمر الواقع. لكن هناك فرقاً بين جعل المشكلة أكثر تعقيداً والقدرة على حلها، وبين امتلاك وسيلة للإيذاء وامتلاك مشروع سياسي. فالفوضى قد تمنح المليشيا مجالاً للمناورة، لكنها لا تصنع شرعية.


في الحسابات السياسية، لا يعني إرباك الخصم تحقيق مكسب. قد يدفع العدوان على المطار شركات الطيران إلى مراجعة تقديراتها للمخاطر، وترفع تكاليف التأمين والتشغيل، لكنها لا تضمن انتزاع تنازلات سياسية. فالقدرة على إلحاق الضرر ليست مرادفاً للقدرة على فرض الشروط. ربما تنقلب المعادلة. فكلما اقترب التهديد من المنشآت المدنية وسلامة المسافرين، خرجت القضية من إطار النزاع اليمني إلى نطاق أوسع، يتعلق بأمن الطيران الدولي وحماية المدنيين. وقد تكون النتيجة تعزيز التعاون الأمني، وتطوير قدرات الدفاع الجوي والإنذار المبكر، وتوسيع الضغوط الرامية إلى الحد من تكرار الهجمات.


هذه مفارقة تغيب عن حسابات المليشيات؛ ما يراد به تضييق خيارات الخصم، قد يدفعه إلى توسيع تحالفاته، وما يستخدم لإثبات القدرة على الوصول، قد يتحوّل إلى حافز لتعزيز الحماية والردع. فالمطارات تتجاوز وظيفتها التشغيلية. إنها بوابات الدول إلى العالم، وشرايين للاقتصاد والتجارة والسياحة، ومساحات يفترض أن تعبرها الحياة بعيداً عن منطق الاستهداف العسكري. وتهديدها يثير سؤالاً أوسع عن مدى إمكان ترك المرافق المدنية رهينة لصراعات سياسية مفتوحة، ومنع تحول البنية التحتية إلى أدوات ابتزاز.


أما الرياض، فإن تعاملها مع هذه التهديدات يتخطى مسألة الدفاع عن منشأة فحسب، إلى حماية استمرارية الحياة، وضمان تدفق المصالح الاقتصادية، والحفاظ على قدرة الدولة على أداء وظائفها، ومنع الخطر من التحول إلى واقع جديد يفرض بالتدريج، أو يفرض إيقاعه على القرار السياسي. ولذا لم يعد اعتراض الصواريخ والمسيّرات وحده كافياً لضمان أمن الرياض والمنشآت الحيوية في المملكة، فالرد السعودي الحاسم سيستهدف إنهاء القدرة على تكرار الهجمات، لا الاكتفاء بإحباط كل هجوم على حدة. ومن حق المملكة، وفق القانون الدولي، الدفاع عن أراضيها ومواطنيها، واتخاذ الإجراءات اللازمة لردع مصادر التهديد، بما يتناسب مع حجم الاعتداء ويحمي المدنيين.


إن الرسالة التي بعثتها الرياض واضحة؛ أمن السعودية ليس ورقة للمساومة، واستهداف مدنها ومطاراتها لن يفرض عليها تنازلات، وإنما سيستدعي إجراءات أكثر حزماً لحماية سيادتها. وهذه فلسفتها في الردع الحقيقي، إذ يبدأ حين يدرك المعتدي أن تكرار الهجوم لن يبقى بلا تبعات، وأن سياسة الابتزاز بالصواريخ لن تحقق أهدافها.

16:28 | 11-10-2026

فن السياسة السعودية.. متى تختلف ومتى تحاور؟

فن السياسة السعودية يقاس بمهارة إدارة المسافة مع الآخرين. متى تقترب لتعزيز الشراكة، ومتى تختلف لحماية المصلحة، ومتى تصمت لأن الصمت أبلغ من البيان أحياناً، ومتى تعود إلى طاولة الحوار حين تنضج اللحظة وتكتمل الحسابات.


وهذه ليست مهارة وليدة اللحظة. فمن يتأمل سيرة الملك عبد العزيز يجد أن بناء الدولة كان تجربة مبكرة في إدارة التوازنات. كان الرجل يتحرك في بيئة شديدة التعقيد. وكان عليه أن يعرف متى يفاوض، ومتى ينتظر، ومتى يقترب، ومتى يضع حدوداً لا يتجاوزها أحد.


وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التجربة السعودية؛ دولة تتشكّل في بيئة محدودة الموارد، ومحاطة بالتحديات، تعلمت أن العلاقات الخارجية ليست غاية بذاتها، فالتحالف وسيلة، والتفاهم وسيلة، والتفاوض وسيلة، أما الغاية فهي بقاء الدولة ومصالحها وقدرتها على اتخاذ قرارها.


ولعل هذه الروح هي ما يفسر جانباً من سياسة المملكة اليوم. ففي زمن مضى، كان سهلاً النظر إلى السياسة الخارجية باعتبارها خريطة واضحة من الأصدقاء والخصوم. أما اليوم، فقد تبدلت القاعدة، واستحال المشهد لوحة بالغة التعقيد. الصديق في ملف قد يكون منافساً في آخر، والحليف الأمني قد يصبح منافساً اقتصادياً، ومن تختلف معه في قضية اليوم قد تجده شريكا في أزمة الغد.


هكذا يعمل العالم، وهكذا تتعامل الرياض معه. لم تعد تنتظر من الآخرين أن يحددوا لها موقعها. تحدد موقفها أولاً، ثم تفاوض بناء عليه، وتختلف لمصالحها، وتعود للحوار حين يكون طريقاً أكثر فائدة. وهذه نقطة جوهرية في فهم السياسة السعودية؛ الندية لا تعني الخصومة، والشراكة لا تعني التنازل عن القرار.


في تجربة الملك المؤسس عبد العزيز، كان يمكن للظرف أن يفرض على الدولة الناشئة أكثر من حساب في الوقت نفسه. كان يعرف أن الجغرافيا لا تكفي، وأن القوة لا تغني عن التفاوض، وأن الدولة لتستمر عليها أن تعرف كيف تتعامل مع من حولها، من دون أن تفقد بوصلتها. فتحسّن إدارة الاختلاف، وتقول: هذا موقفنا، ويقول الآخر: وهذا موقفنا، ثم يسأل الطرفان: ماذا نفعل غداً؟ هنا، تبدأ السياسة، وهكذا تدار الدول.


والمملكة اليوم أمام شبكة واسعة من المصالح؛ أمن وطاقة واستثمار وتجارة وممرات بحرية، وعلاقات مع واشنطن وبكين وموسكو، وروابط متشابكة مع عواصم خليجية وعربية، وهذه المصالح لا يمكن أن تدار بعقلية المحور الواحد.


وبالتالي لا تبحث المملكة عن أصدقاء يصفقون لها، بقدر ما تبحث عن شركاء يعرفون أنها صاحبة قرار، ويدركون في الوقت نفسه أنهم أصحاب قرار أيضاً. من هذه النقطة يبدأ الاحترام، وتنتهي المجاملة، ويدفن الشعار البليد «إما معي أو ضدي». فليس كل اختلاف خصومة، وليس كل اتفاق تحالف دائم. إذ إن العلاقات الدولية مساحات متغيّرة من المصالح، تتسع وتضيق. فالرياض قد تتفق مع واشنطن في الأمن، وتختلف معها في إعلان حرب. وقد تتعاون مع دولة خليجية في ملف، ثم تصطدم الحسابات في ملف آخر. وقد تتقاطع مع دول عربية في لحظة، ثم تجد نفسها على طرفي طاولة أخرى، وهذا طبيعي، وعين العقل السياسي.


ومن هنا، يمكن فهم التحوّل الأوسع، فالمملكة تتعامل مع محيطها باعتبارها مركزاً إقليمياً تتقاطع عنده مصالح متعددة؛ في واشنطن وبكين وموسكو، وفي العواصم العربية، وفي أسواق الطاقة، وممرات التجارة، وترتيبات الأمن الإقليمي. وحين تتسع الدائرة، يصبح الاختلاف مع الآخرين أمراً لا مفر منه.


ستختلف الرياض، وسيختلف الآخرون معها. قد تغضب دول، وقد تعترض أخرى، وقد تتباعد المواقف في ملف، ثم تتقارب في آخر. المهم أن تعرف الدولة لماذا تختلف، ومتى، وكيف تعود إلى الحوار بعد الاختلاف. وهذا، في جوهره، تطور طبيعي مع مدرسة مؤسس المملكة. فالأدوات تغيرت، والدولة اتسعت، والمصالح تضاعفت.


إن الدبلوماسية ليست طريقاً مستقيماً. إنها فن معرفة متى تقترب، ومتى تتراجع خطوة، ومتى تقول اختلف، ومتى تقول اتفق، ومتى تترك للوقت أن يقول ما لا ينبغي أن يقال الآن. وفي النهاية، ربما تختصر السياسة في سؤال بسيط: هل تعرف الدولة أين تقف؟ وحين تعرف، يصبح اختلافها مفهوماً، وتقاربها محسوباً، وصمتها جزءاً من سياستها، وعودتها إلى الطاولة استمراراً للمسار، وليس تراجعاً.


وهنا تلتقي الرياض مع إرث الملك المؤسس؛ دولة تبحث عن مساحة تستطيع فيها أن تختلف من دون أن تخسر، وتتفق من دون أن تتنازل، وتبني علاقاتها من موقع القرار، فتعرف أين تقف، وإلى أي أفق تمضي.

15:37 | 8-10-2026

الوقوع في فخ باب المندب

في هذه اللحظة، يسقط الوهم الجغرافي الذي تعايشت معه المليشيا طويلاً. فقد وقع الحوثي في فخ باب المندب. تعامل مع المضيق باعتباره ورقة ضغط يمكن استخدامها في الصراع اليمني، لكنه اكتشف أن أهميته الإستراتيجية تجعل كلفة العبث به أكبر من المكاسب.


باب المندب ليس ورقة يمنية داخلية. إنه ممر رئيسي للملاحة الدولية، وأي تهديد لحركة السفن فيه يتحول سريعاً إلى قضية تتجاوز حدود اليمن. وهذا تحديداً ما أخطأ الحوثي في تقديره. اعتقدت الجماعة أن تهديد الملاحة سيمنحها نفوذاً إضافياً. أرادت أن تقول للمنطقة والعالم إن تجاهلها غير ممكن. لكن النتيجة كانت عكسية.


هنا تكمن المفارقة. الموقع الذي أراد الحوثي استخدامه لحماية مشروعه أصبح سبباً في تضييق خياراته. فباب المندب يمنحه أهمية جغرافية، لكنه لا يمنحه حق التحكم بالممر. والمضايق ذات الأهمية الدولية لا تدار بمنطق الجماعات المسلحة، ولا تخضع لحسابات الصراع المحلي وحدها.


كما أن الحوثي بالغ في تقدير قيمة سيطرته على الساحل. وجوده قرب البحر يمنحه قدرة على التهديد والمناورة، لكنه في الوقت نفسه يجعل خطوط إمداده مكشوفة أمام أي عملية تستهدف نفوذه على الساحل الغربي.


الخطأ الأكبر كان في الاعتقاد أن أهمية باب المندب ستفرض على الآخرين التعامل مع الحوثي باعتباره قوة لا يمكن تجاوزها. العكس هو ما حدث. تهديد الملاحة وسّع دائرة الأطراف المعنية بالصراع، وجعل أمن البحر الأحمر جزءاً من الحسابات الإقليمية والدولية. غير أن المشكلة الجوهرية في هذه الإستراتيجية العبثية تكمن في أن الورقة نفسها مرشحة دائماً للانقلاب على حاملها؛ فالتاريخ لم يرحم يوماً من حاولوا ركوب أمواج السياسة بأشرعة ممزقة من الأوهام.


لذا، فإن عزل الحوثي عن الساحل الغربي لا يتعلق فقط بتأمين الملاحة. المسألة تتصل أيضاً بقدرته العسكرية والسياسية. فإبعاده عن البحر يقلل خياراته، ويضعف خطوط الإمداد، ويحد من قدرته على استخدام الساحل كورقة تفاوض.


وهنا يصبح باب المندب جزءاً من معادلة أوسع. فالسيطرة على الساحل تعني قدرة أكبر على الحركة والإمداد والضغط. وانتزاع هذه القدرة يعني دفع الحوثي إلى الاعتماد بصورة أكبر على مناطقه الداخلية، حيث تصبح خياراته أقل، واتصاله الخارجي أصعب.


وبالتالي، لا تنفصل معركة الساحل عن معركة صنعاء. كلما تراجع نفوذ الحوثي على البحر، زادت الضغوط على مواقعه في الداخل. وكلما تقلصت قدرته على تأمين الإمداد والمناورة، أصبحت السيطرة على صنعاء أكثر ارتباطاً بموازين القوة على الأرض.


التحول المهم هنا، أن الحوثي لم يعد يملك رفاهية التعامل مع باب المندب كورقة محلية. لقد أدخل الملاحة الدولية في الصراع، فدخلت معه حسابات أكبر من قدرته على التحكم بها.


هذه هي المشكلة التي صنعها بنفسه. أراد أن يحول الموقع الجغرافي إلى مصدر قوة دائم، لكنه جعله، في الوقت نفسه، نقطة يمكن أن يستهدف من خلالها نفوذه. وأراد استخدام البحر لرفع كلفة خصومه، فرفع كلفة بقائه هو في الساحل.


وعليه، فالجغرافيا لا تكفي لصناعة القوة. إنها بحاجة إلى قدرة سياسية وعسكرية على حمايتها. والحوثي واجه الآن معادلة مختلفة؛ تمسك بباب المندب كورقة ضغط، فازدادت الضغوط لسحب هذه الورقة منه.


لذا، فإن فخ باب المندب لا يكمن في خسارة موقع جغرافي فقط. الخطر بالنسبة إلى الحوثي أن يتحول هذا الموقع إلى بداية لعزله عن البحر، وقطع خطوط إمداده، وتقليص قدرته على المناورة، ثم نقل الضغط إلى الداخل.


من هنا يصبح الساحل الغربي أكثر من جبهة عسكرية. إنه اختبار لقدرة الحوثي على الاحتفاظ بأحد أهم مصادر قوته. وإذا خسر هذه المساحة، فلن يخسر منفذاً بحرياً فحسب، بل سيخسر جزءاً مهماً من أدوات الضغط التي بنى عليها نفوذه.


إن عزل الحوثي بحرياً، وقطع خطوط إمداده وقدرته على الابتزاز الإقليمي، يجرده تدريجياً من الرئة التي يتنفس منها سياسياً وعسكرياً. والعاصمة المختطفة خلف الجبال تسمع اليوم صدى التحولات، وترى في الأفق انكسار الهيمنة، وتدرك يقيناً أن حلم التحرير بات خطة عملياتية تنفذ على الأرض، لا مجرد شعار مكرر.


إن الجغرافيا، كما علمنا التاريخ، صلبة وقاسية. تمنح الفرص لمن يستحقها، لكنها لا تغفر أبداً للمغامرين الجهلة. وعندما تنقلب ورقة البحر على حاملها، تصبح قوافل الهزيمة حتمية، لا رجعة فيها. وفجر اليمن، الذي انطلق واثقاً من الساحل الغربي، لن يتوقف قبل صنعاء، بعد أن يدفع الحوثي الثمن كاملاً جرّاء اللعب بنار المضيق، ليكتشف متأخراً أن من يبتلع البحر حتماً سيغرق فيه.

19:03 | 5-10-2026

فخاخ السماء والأرض في طريق المملكة

كما أن الدول تتقي أخطاراً في هيئة جيوش تعبر الحدود، أحياناً يطل الخطر بشكل أكثر هدوءاً؛ حادثة غامضة، أو اتهام مفاجئ، أو تسريب في توقيت مريب، أو أزمة تبدو في ظاهرها كحدث معزول، لكنها تدفع الدولة خطوة إلى مكان لم تخطط للوقوف فيه.


وهكذا يمكن قراءة جانب من التاريخ السعودي، بصفتها دولة تقع في إقليم لم يعرف الاستقرار طويلاً، وتجاور ساحات حرب وانقلابات وثورات، وفي الوقت نفسه، تملك وزناً اقتصادياً وسياسياً يجعلها هدفاً دائماً للضغط ومحاولات الاستدراج.


منذ تأسيس المملكة، كان بناء الدولة موازياً لحواف العواصف. جاءت حرب الخليج الثانية، لتضعها في عين عاصفة أعادت رسم أمن المنطقة لعقود. وبعد سنوات، جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فتحولت المملكة إلى موضوع اتهام سياسي وإعلامي غير مبرر، رغم أن حقيقة مسؤولية التنظيم المنفذ للحادث ظلت مرتبطة بتنظيم القاعدة، وبدول سهلت نقل أعضائه، لا بالدولة السعودية. ثم جاء غزو العراق عام 2003، وما تلاه من صعود تنظيمات مسلحة وطائفية، ليخلق محيطاً أكثر اضطراباً حول المملكة. وفي العقد التالي، تناسلت الحروب في سوريا واليمن وليبيا، وتداخلت فيها قوى دولية وإقليمية وجماعات مسلحة. وفي كل مفترق طرق، كانت السعودية تجد نفسها أمام السؤال نفسه؛ كيف تحمي أمنها من دون أن تستدرج إلى حرب لا تنتهي؟


وفي التاريخ القريب أيضاً، ظهرت أزمات دبلوماسية واقتصادية يمكن النظر إليها باعتبارها اختبارات لقدرة المملكة على حماية مسارها التنموي. فالمشاريع الكبرى لا تعمل في فراغ. المشروع الاقتصادي يحتاج إلى الاستقرار السياسي، وسلاسل إمداد آمنة، واستثمارات، وسمعة دولية، وأمن إقليمي. وكلما كبر المشروع، اتسعت الدائرة التي يمكن أن يتأثر بها.


لهذا فإن الفخ الخارجي لا يعني بالضرورة مؤامرة مكتملة الأركان. أحياناً يكفي تضارب المصالح بين الدول، أو سوء تقدير، أو تحرك جماعة مسلحة، أو حادث أمني، حتى ينشأ مسار قد يضغط على الدولة، ويدفعها إلى رد فعل يخدم أطرافاً أخرى.


في السياسة الدولية، يقاس الذكاء بمدى براعة الدولة المستهدفة في تجنب الفخاخ. والمملكة اليوم أمام مرحلة مختلفة تشهد مشاريع اقتصادية واجتماعية واسعة، من «رؤية 2030» إلى تطوير السياحة والتقنية والصناعة والطاقة، وكلها تحتاج إلى بيئة صلبة لا تسمح للأزمات الطارئة بأن تتحول إلى مسارات دائمة.


منطقياً، لا يمكن نسب كل حادث إلى المؤامرة، ولا تحويل كل خصومة إلى تفسير تآمري. لكن واقعنا يقول إن الدول التي تعيش في منطقة مضطربة تحتاج إلى قراءة ما وراء الحدث، من دون أن ترى المؤامرة في كل ظل. ولذا في هذه المنطقة، حيث قد تبدأ الحكاية برصاصة وتنتهي ببيان في مجلس الأمن، تصبح الحكمة السياسية هي ألا تسمح المملكة لأحد بأن يختار لها المعركة، أو أن يجعل مشروع المستقبل رهينة لحدث، خاصة إذا تقاطعت حادثة جوية مع حسابات إقليمية معقدة، فالخطر قد يكون ما يراد له أن ينتج، أو المسار الذي يمكن أن يفتح بسببه، وليس الحادث الذي وقع.


عبر عقود من الأزمات، تعلمت المملكة أن الحوادث لا تقرأ منفردة، وأن الاتهام ليس دليلاً، وأن التحقيق لا ينبغي أن يكون رهينة للاستعجال. وهذه القاعدة تصبح أكثر أهمية كلما اتسعت مصالح الدولة وكبرت مشاريعها. ولذا، فإن حماية هذا المسار تعني حماية الوقت، والاستقرار، وصورة الدولة، وقدرتها على مواصلة الطريق. فالفخاخ الخارجية تنجح عندما تجعلك تتوقف عن السير، أو تغير اتجاهك المرسوم.

00:03 | 2-10-2026

كم كذبة ضد المملكة هذا الشهر؟

أحياناً، تبدأ الحرب على الدول بصورة قديمة، وخبر بلا مصدر، وتغريدة مكتوبة بلهجة العاجل، ثم تتكاثر حتى تبدو كأنها حقيقة. وفي الحالة السعودية، الحرب النفسية جزء من بيئة الصراع السياسي والأمني والاقتصادي المحيطة بالمملكة. وهنا يكفي هاتف، وحساب نشط، وجمهور مستعد للتصديق.


شهر سبتمبر وحده قدّم أمثلة كثيرة، إذ أُحْصِيَتْ عشرات الادعاءات الممنهجة. تخرج من شاشات الهواتف، وتدار بمحركات إقليمية معلومة. ويمكن توثيق خمس حالات بارزة فندت هذا الشهر؛ مقطع قديم من العراق أعيد تقديمه باعتباره ضربة حوثية حديثة داخل المملكة، ومشاهد لهجمات مسيّرة في كردستان العراق تحوّلت إلى استهداف لقاعدة الملك فهد في الطائف، وفيديو قديم لعملية عسكرية منسوبة إلى مليشيا عراقية ظهر من جديد بوصفه هجوماً على خط أنابيب «شرق-غرب»، ثم جاء حريق صناعي قديم في دبي ليصبح هجوماً على منشآت ينبع النفطية، وقصة عن شراء السعودية 25 ناقلة نفط بمليارات الدولارات، قبل أن تنفي وزارة الطاقة الرواية، وتوضح أن ارتفاع تكاليف الشحن له أسباب أخرى.


قد تبدو هذه الوقائع، كل واحدة على حدة، مجرد أكاذيب صغيرة. لكنها في مجموعها ليست صغيرة. والمشكلة هنا؛ في توقيتها، وفي الجمهور الذي تستهدفه، وفي قدرتها على إنتاج الانطباع قبل أن تصل الحقيقة. ولذا، فإن الحرب النفسية لا تحتاج إلى أن تقنع الجميع. يكفي أن تزرع الشك لدى البعض، وأن تمنح آخرين مادة لتأكيد ما يريدون تصديقه أصلاً.


ومن هنا نفهم لماذا تبدو بعض الروايات المعادية للسعودية عصية على التصحيح الشامل. فالمتلقي، عموماً، يبحث أحياناً عما يوافق موقفه السابق. ولذا نجد في العالم العربي، وفي دوائر دولية، من يستقبل أي رواية سلبية عن المملكة بوصفها تأكيداً لما يريد اعتقاده مسبقاً، فتتحوّل الشائعة إلى دليل، فموقف، فحملة. وكلها عند جمهور مضلل، أو يعيش على ضغائن قديمة، ويجد في أي شائعة ضد السعودية متنفساً لعقده السياسية.


وكثيراً ما تتزامن الحملات الإعلامية مع خلافات سياسية، وقد تستثمر أطراف مختلفة في الضغط على المملكة عندما تتعارض مصالحها مع موقف سعودي. فكلما استعصت الرياض على التماهي مع مشاريع ملتبسة، أو شددت قبضتها على أمنها السيادي بشراكات إستراتيجية، دارت ترسانة الابتزاز النفسي في عنف مكتوم.


ولكن للمملكة لياقة أعلى نتيجة عقود من حملات التشكيك. فقد شككوا مرة في سياستها، ومرة في اقتصادها، ومرة في قدرتها على توسيع تنميتها، ومرة في تماسك مجتمعها. كانت الأدوات تختلف، لكن الفكرة واحدة؛ صناعة صورة عن دولة تبدو دائماً على وشك أزمة. والجديد أن هذه الصناعة انتقلت من غرف الأخبار إلى هواتف الناس. فحساب لديه عشرات الآلاف من المتابعين، بلا دليل ولا تاريخ، يفي بالغرض.


وهنا تصبح الخوارزمية شريكاً غير مرئي في المعركة. فالمحتوى الأكثر إثارة ينتشر أسرع من المحتوى الأكثر دقة. والصورة التي توحي بكارثة تحظى باهتمام أكبر من بيان ينفيها. أما التصحيح، فيأتي غالباً بعد أن تكون القصة قد قطعت نصف الطريق.


لكن ثمة جانباً آخر في هذه القصة. المملكة لم تعد تتعامل مع هذه الحملات بالطريقة القديمة؛ مطاردة لا تنتهي خلف كل شائعة. فالدولة التي تحاول الرد على كل كذبة تمنح الكذب، من حيث لا تريد، قيمة إضافية. الأهم هو بناء مصادر موثوقة للمعلومة، وتسريع التواصل الرسمي، ودعم أدوات التحقق، ورفع قدرة الإعلام على كشف السياق الحقيقي للصور والمقاطع. فالهدف جعل الضجيج أقل تأثيراً، وليس إسكاته. وهذا فارق جوهري؛ لأن الدول لا تنتصر في معركة المعلومات بكثرة البيانات، وإنما بوجود مؤسسة يثق الناس بمعلوماتها عندما تضطرب الروايات.


المملكة ستظل هدفاً للحملات السياسية والإعلامية. كلما اتسعت مصالحها، اتسعت مساحة خصومها. وكلما أصبحت أكثر حضوراً في الإقليم والعالم، أصبح استهداف صورتها جزءاً من الصراع. لذلك لن تنحسر الشائعات. ستأتي واحدة غداً، وبعدها أخرى. صورة قديمة ستظهر في ثوب جديد، وفيديو من مكان آخر سيمنح عنواناً سعودياً، وحساب مجهول سيعلن حدثاً لم يحدث أصلاً.

17:27 | 29-09-2026

تفكير العقل الحوثي تحت الضغط

منذ سيطر الحوثيون على صنعاء قبل أكثر من عقد، بُني جانب كبير من حساباتهم على فكرة محددة؛ خصومهم سيتعبون قبلهم، والمنطقة ستتغير، وإيران ستظل قادرة على توفير ما يكفي من الدعم لإبقائهم في موقع المساوم، لا المهزوم.


لكن اليمن يدخل الآن مرحلة مختلفة. استئناف القتال، واتساع الضغط العسكري، وتراجع هامش الحركة الإيرانية، كلها تطرح سؤالاً غير سؤال المعركة نفسها؛ كيف يفكر الحوثي حين يصبح ظهره أقل اتساعاً مما كان؟


المؤشرات الأخيرة توحي بأن الجماعة تحاول تعويض تراجع العمق الإيراني بتوسيع قيمة أوراقها هي. باب المندب، والبحر الأحمر، وتهديد المصالح السعودية والدولية، باتت أوراق تفاوض يريد الحوثي أن يجعل التخلي عنها مكلفاً.


وربما هنا تكمن عقدة الصراع. فالمسألة تبدو أن المليشيا تحاول رفع كلفة هزيمتها إلى مستوى يجعل خصومها يفكرون في التفاوض معها بدلاً من استئصالها. فكلما ارتفعت كلفة الحرب، ارتفعت، في حسابها، قيمة المقعد على طاولة التسوية.


لكن التاريخ اليمني يقول شيئاً آخر. خلال سبعة عقود، أثبت السلاح قدرته على فرض اتفاق، لكنه لم يثبت قدرته على بناء دولة. فمنذ قيام الجمهورية، مروراً بحروب ما بعد الوحدة والتحوّلات السياسية الكبرى، وصولاً إلى هدنة 2022، ظلت الاتفاقات تعالج ميزان القوة أكثر مما تعالج مسألة الدولة. حتى الحوار الوطني، الذي انتهى إلى تصور اتحادي من ستة أقاليم، لم يحسم قضية الجنوب ولا معضلة توزيع السلطة والثروة. ثم جاء سقوط صنعاء بيد الحوثيين ليطيح بالمرحلة الانتقالية كلها، ويفتح الباب لحرب جديدة، أعقبتها سلسلة من الهدن. وما ثبت مراراً أن خفض التصعيد ممكن، أما تحويل الهدن إلى تسوية سياسية شاملة فشيء آخر. واليوم تبدو هشاشة المعادلة أكثر وضوحاً مع اتساع رقعة القتال.


في المنطقة تجارب أخرى تستحق التأمل، رغم اختلاف الجغرافيا والهويات والظروف. اتفاق الطائف أنهى الحرب اللبنانية؛ لأنه نقل جوهر الصراع من الميدان إلى المشاركة السياسية، لكنه ترك، مع مرور الوقت، اختلالات في بنية الدولة حين بقي السلاح خارج احتكارها الكامل. وفي العراق، أظهرت التجربة أن ترتيب تقاسم النفوذ، ودمج القوى المسلحة في النظام السياسي، لا يكفي إذا ظل القرار الأمني موزعاً بين الدولة وقوى أخرى. وفي سوريا، أظهرت سنوات التفاوض أن وقف النار، من دون حسم سؤال مستقبل السلطة، يمكن أن يتحول إلى مجرد فاصلة بين معركتين.


والحوثي يعرف هذه التجارب جيداً. لذلك يصعب عليه تصور سلام يعيده إلى كهوف صعدة. قد يريد تثبيت موقعه الذي صنعته الحرب؛ اعتراف سياسي بحجم قوته العسكرية، وضمانات اقتصادية تتيح لجماعته البقاء، وترتيب أمني يحفظ نفوذها، وربما مساحة من الاستقلال عن المركز في صنعاء.


لكن في المقابل، لا تستطيع المملكة أن تنظر إلى يمن يتحوّل إلى منصة صواريخ، أو إلى ذراع إيرانية على حدودها، بوصفه تسوية مقبولة. وإيران، حتى تحت الضغط، لا تتخلى بسهولة عن ورقة اكتسبت بواسطتها موطئ قدم على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ومع ذلك، فإن النفوذ الإيراني في اليمن والبحر الأحمر ليس قدراً أبدياً. فحين تصبح كلفة إسناد الجماعة أعلى من العائد السياسي والاستراتيجي الذي تحققه، قد يجد الحوثي نفسه أمام ضرورة إعادة تعريف علاقته بإيران. ليس بالضرورة قطعها، وإنما إعادة ضبطها بما يتناسب مع ميزان جديد للقوة والمصلحة.


فكيف يفكر العقل الحوثي تحت الضغط؟


ربما يكون الطريق الوحيد القابل للحياة هو تسوية على مراحل؛ وقف إطلاق نار قابل للرقابة، وفتح الطرق والموانئ والمطارات، ومعالجة أزمة الرواتب، وتبادل الأسرى، ثم الانتقال إلى حوار سياسي يضع الأسئلة المؤجلة كلها على الطاولة: شكل الدولة، وتوزيع السلطة والثروة، ومصير السلاح. لكن هل تقبل المليشيا بذلك؟


صفقات كثيرة جُربت وفشلت في اليمن؛ لأنها وصلت إلى الطاولة قبل أن تنضج الدولة، أو لأنها تعاملت مع كل حرب باعتبارها نزاعاً بين طرفين، بينما اليمن أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. إنه بلد متعدد الهويات والمصالح، حتى داخل الأسرة الواحدة أو مشيخة القبيلة نفسها. أحياناً تكون الانقسامات فيهما أكثر تعقيداً من حدود خطوط القتال، التي تبدو واضحة على الخريطة.


ولذا، قبل أن تحين ساعتها، فمليشيا الحوثي أمام معادلة واضحة؛ إما أن تجعل من قوتها العسكرية جسراً إلى السياسة، أو أن تجعل السياسة رهينة لقوتها العسكرية. في الحالة الأولى، يمكن أن تتحوّل القوة إلى موقع داخل يمن جديد. أما في الثانية، فقد تحصل على مزيد من الحرب والنفوذ الموقت وأوراق الضغط، لكن ليس بالضرورة مزيداً من اليمن.

16:18 | 26-09-2026

من يواجه الحوثي؟

هناك سؤال لا يمكن لليمن أن يتجنّبه، ولا يستطيع المجتمع الدولي أن يتهرب منه طويلاً: متى تصبح مواجهة المليشيا مسؤولية دولية، ومتى تظل شأناً يخص الدولة المتضررة وجيرانها؟


الجواب ليس في مواثيق الأمم المتحدة وحدها، ولا في البيانات الدبلوماسية. الجواب، في كثير من الأحيان، يبدأ عندما تقترب النار من المصالح.


فطوال سنوات، كان اليمن يغرق في حربه. دولة تتآكل، ومليشيا تتمدد، ومدن تدفع الثمن، والعالم يراقب من بعيد. كانت الأزمة تُدار بالهدن والمفاوضات والوساطات، وكأن المطلوب هو منع الانفجار الكبير، لا معالجة أسبابه. لكن كل شيء تغيّر عندما وصلت الحرب إلى البحر الأحمر.


فعندما بدأت السفن التجارية تتعرّض للخطر، وتحوّلت الملاحة إلى حسابات أمنية، وارتفعت كلفة التأمين والشحن، لم يعد الحوثيون مجرد طرف في حرب يمنية. فجأة أصبحت المسألة مرتبطة بأمن التجارة العالمية، وسلاسل الإمداد، والطاقة، ومصالح اقتصادات كبرى.


نتذكر في أواخر عام 2023، تشكّل تحالف «حارس الازدهار»، ثم بدأت الضربات الأمريكية والبريطانية ضد مواقع الحوثيين. هنا، ظهرت حقيقة السياسة الدولية بلا كثير من التجميل.


لم تكن معاناة اليمنيين جديدة حين تحركت الأساطيل. الجديد أن الخطر أصبح يهدد سفناً تحمل بضائع العالم. وهذه ليست خصوصية اليمن وحده. فعندما تمدد «داعش» في العراق وسورية، وهدد مصادر الطاقة، وتجاوز خطره حدود المنطقة، تشكّل تحالف دولي واسع لمواجهته. وفي أزمات أخرى بعيدة عن طرق التجارة ومصادر الطاقة ومصالح القوى الكبرى، بقي التدخل الدولي أبطأ وأقل حسماً.


المشكلة، إذاً، ليست فقط في القانون الدولي. إنها أيضاً في ترتيب المصالح داخل النظام الدولي. والحوثيون يمثلون حالة أكثر تعقيداً من جماعة مسلحة تقليدية. إنها قوة تسيطر على جغرافيا واسعة، وتمتلك صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، وتدير مؤسسات وسلاحاً وموانئ، وتملك القدرة على التأثير في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.


وهنا يتغير تعريف المشكلة. لم نعد أمام خلية يمكن تفكيكها بعملية أمنية، إنما أمام كيان مسلح يملك بعض أدوات الدولة من دون أن يكون دولة. ولهذا لا تختزل مواجهته بضربة جوية أو صفقة سياسية مؤقتة. فالمشكلة ليست في الصاروخ وحده، وإنما في البيئة التي تسمح بإنتاج الصاروخ، وإطلاقه، وإعادة إنتاج القدرة على إطلاقه.


أما الكلفة، فقد خرجت من اليمن إلى العالم. مئات السفن غيرت مسارها إلى رأس الرجاء الصالح، وارتفعت كلفة النقل والتأمين، واضطربت جداول الشحن. وهكذا تحولت جماعة مسلحة إلى عامل يؤثر في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا. وهنا، تحديداً، تظهر أهمية البحر الأحمر. فإذا اختفى الأمان، تغير الطريق. لكنه تغيير لا يلغي الفاتورة. إذ تدفعها شركات الشحن، ثم الأسواق، ثم المستهلك في النهاية.


إقليمياً، تبدو الصورة أكثر وضوحاً. إيران بنت خلال سنوات شبكة نفوذ إقليمية متعددة الأدوات، ويشكل الحوثيون أحد مكوناتها المهمة. وبالنسبة إلى طهران، يمثل وجود قوة حليفة على هذا الموقع الجغرافي ورقة ضغط في صراع أوسع من حدود اليمن.


أما السعودية، فتتعامل مع اليمن باعتباره جزءاً من أمنها المباشر، لا ملفاً خارجياً عادياً. ومصر لديها حساب مختلف، لكنه لا يقل مباشرة، اسمه قناة السويس. وأي اضطراب في البحر الأحمر يتحول سريعاً إلى مشكلة تتجاوز حدود الدولة المصرية.


وهنا تعود القضية إلى أصلها. لماذا يتحول الخطر إلى قضية دولية فقط عندما يمس المصالح الدولية؟


قد تكون الإجابة غير مريحة، لكنها بسيطة؛ لأن الدول تتحرك وفق حسابات الأمن والمصلحة قبل أن تتحرك وفق اعتبارات التضامن. وهذا لا يعني أن القانون الدولي بلا قيمة، إنما يعني أن القانون وحده لا يصنع السياسة الدولية. القوة والمصلحة والاقتصاد والجغرافيا كلها تدخل في القرار.


ومن هنا، فإن الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن المليشيا تظل مشكلة محلية إلى الأبد. المليشيا تبدأ داخل دولة، ثم تتمدد داخل فراغها، ثم تبني قوة موازية، ثم تكتشف أن الجغرافيا تمنحها نفوذاً يتجاوز حدودها. وعندما تصل إلى الموانئ والممرات البحرية لا تعود المشكلة تخص الدولة التي خرجت منها.


تلك هي قصة الحوثيين اليوم. وأصبحت اختباراً لطريقة تعامل العالم مع الكيانات المسلحة التي تنمو داخل الدول، ثم تتحول إلى قوة قادرة على تعطيل طرق التجارة وتهديد الأمن الإقليمي. والتاريخ يقول إن النار لا تحتاج إلى جواز سفر. قد تبدأ في بيت الجار، لكن الريح وحدها تقرر إلى أين تذهب.

17:15 | 21-09-2026