أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1918.jpg?v=1788191845&w=220&q=100&f=webp

فارس بن حزام

من وحي «ليب».. صراع البرمجية السعودية الإيرانية

صراع البرمجيات السياسية بين المملكة وإيران، هذا أول ما يطرأ على البال مع استضافة الرياض اليوم عمالقة التقنية في معرض «ليب 2026».

ومن خلال صراع البرمجيات تتشكّل صورة كبرى تتجاوز الصراع التقليدي على النفوذ الإقليمي أو الانقسام الطائفي القديم. إنها الآن صورة إدارة بلدين يطبّقان نظامَي تشغيل متناقضين تماماً؛ أحدهما صمّم ليصنع الاتصال والرخاء، ويركّز على الكفاءة. سريع في معالجة بياناته، ومنفتح على التطبيقات العالمية. برمجة موجهة للمستقبل. يعمل «كود» رؤيتها الاقتصادية والاجتماعية على تصفير الأخطاء. والهدف تحقيق الاستقرار والرفاهية للمستخدمين. والآخر، يعمل على نظام تشغيل قديم ومغلق. «كوده» الأساسي مبرمج على العقيدة، وتصدير الأزمات، وتغذية المليشيات. هذا النظام يرفض التحديثات الخارجية، ويعتبر أي اتصال بالشبكة العالمية تهديداً له. لقد صمّم ليزرع العزلة والفوضى.

البرمجة السعودية الحديثة تمثل نظام تشغيل متطور يعتمد على البناء والانفتاح، والربط بالنظام العالمي. رؤية المملكة وإن كانت في مظهرها خطة اقتصادية، لكنها تقوم على تحديث شامل لنظامَي العمل والحياة. فكرتها جوهرية ببساطتها؛ تحويل الثروة النفطية إلى أصول مستدامة، وجذب عمالقة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وخلق مئات الآلاف من فرص العمل للشباب، وتحويل المنطقة إلى مركز خدمي يربط القارات الثلاث. هذا البرنامج لا يرى جيرانه أعداء يجب اختراقهم بقدر ما هم شركاء محتملون في شبكة تجارية واقتصادية واسعة، وركيزتها الاستقرار والازدهار المشترك، فهما الضمانة الوحيدة لحماية الاستثمارات الضخمة.

في المقابل، تعمل إيران عبر برمجيات ذات طبيعة مغايرة تماماً. صمّمت للاختراق والتفكيك والتعطيل. أمضى النظام سبعة وأربعين عاماً من عمره، ولم يطور نموذجاً اقتصادياً أو تكنولوجياً يمكن تصديره للعالم. تفرغ لتطوير «فيروسات» تمثلت في المليشيات الطائفية والشبكات المسلحة في العالم العربي. هذه البرمجة الإيرانية تعمل بأفضل كفاءة عندما تكون الدول ضعيفة أو ممزقة؛ فهي تتغذى على الفراغ السياسي في بغداد وبيروت وصنعاء، كما تغذت في دمشق سابقاً. وحين يخترق البرنامج دولة ما، يجلب معه الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، لا الجامعات الحديثة، ولا المعامل التقنية. والنتيجة النهائية تكون بفصل تلك الدول عن النظام المالي العالمي، وعزل شعوبها في ظلام اقتصادي دامس.

طوال خمسة عقود، واجهت المملكة هذا الفيروس الإقليمي باستراتيجية «الاحتواء الفعّال». لم تعجز الرياض عن الرد بالمثل، لكن قادتها أدركوا مبكراً أن الدخول في حرب برمجيات هجومية مدمرة سيؤدي إلى إرباك نظامها التنموي الخاص. حوادث عدة شهدتها المملكة، والجاني واحد. أحدها، عدوان على منشآت أرامكو عام 2019، لم تنجر إليه الرياض ليخدم أجندة خصمها الفوضوية، ومضت في مسارين؛ عزل دبلوماسي للخطر الإيراني، ومواصلة العمل على بناء البنية التحتية للاقتصاد الجديد. وهذه فكرة البرمجة السعودية؛ الرد على محاولات التعطيل يكون بتسريع معدلات النمو والبناء. وحتى عندما رعت الصين الاتفاق السعودي الإيراني، كانت تلك محاولة سعودية جديدة لفرض بروتوكول حماية، يربط استقرار طهران بمصالح اقتصادية حقيقية، واختبار مدى قدرة النظام الإيراني على تعديل «أكواده» البرمجية من الثورة إلى الدولة.

المشهد الواضح، والخاضع لعشرات الاختبارات، يؤكد أن الرابح في المنطقة ليس من يملك ترسانة أكبر من الصواريخ العتيقة، أو من يستطيع تهديد ممرات الملاحة الدولية. الرابح هو من يملك الاقتصاد الأقوى، والتعليم الأفضل، والقدرة على دمج شبابه في الاقتصاد الرقمي العالمي. وهذا خيار المملكة أن تستثمر في المستقبل خدمة لشعبها وللمنطقة، وألا تنشغل بصراعات الماضي. تطور برمجيات لتواكب العصر. فيما اختارت إيران أن تبقى رهينة برمجية قديمة تؤدي حتماً إلى شاشة الموت الزرقاء.

منذ ساعة