لسنوات طويلة كان سوق العمل يعمل وفق معادلة مفهومة تقريباً، حتى وإن لم تكن مثالية: يولّد الاقتصاد وظائف، وتُخرّج الجامعات تخصصات، وتبحث الشركات عن موظفين، وتضع إدارات الموارد البشرية الوصف الوظيفي، وتتولى مؤسسات التدريب سد الفجوات، بينما تستخدم الحكومات سياسات التوظيف والأجور والتوطين والحماية الاجتماعية لضبط التوازن بين العرض والطلب.

كانت قواعد سوق العمل معروفة تقريباً، تدرس تخصصاً مطلوباً، وتحصل على شهادة، وتقدّم على وظيفة، وتلقى تدريباً، واكتسب الخبرة، ثم اصعد السلم الوظيفي، ويتم تحسين دخلك تدريجياً، لكن السرعة التي يتعلم بها الذكاء الاصطناعي مهمة جديدة خلال أسبوع أو أشهر، بينما تحتاج الجامعات والأنظمة سنوات للاعتراف به وقبوله؟

إنها سرعة التغيير التي تهدّد قواعد السوق التي حكمته لعقود من الزمن، فلم يعد سوق العمل يتغيّر ضمن قواعد اللعبة المعتادة. الذكاء الاصطناعي لا يقضي على الوظائف، لكنه يفرّغ الوظائف من محتواها ومهاراتها ومهامها وقيمتها الاقتصادية. وهذا ما يدفع منظمة العمل الدولية للقول إن نحو ربع الوظائف عالمياً تقع في مهنٍ لديها درجة من التعرّض للذكاء الاصطناعي التوليدي، لكنها تؤكد أن النتيجة الأكثر احتمالاً ليست الاختفاء الكامل للوظائف، بل تحول محتواها ومهامها. هذا يعني أننا قد لا نشهد ببساطة اختفاء «المحاسب» أو «المحامي» أو «المهندس» أو «الإعلامي» أو «المبرمج»، وإنما نشهد اختفاء أجزاء متزايدة مما كان يفعله كل واحد منهم، وهنا يكون التحدي ومكمن الثورة الحقيقية.

مضت عقود بُنيت خلالها أنظمة الموارد البشرية والتعليم والتدريب حول ما يسمى (الوظيفة)، واسم الوظيفة، والوصف الوظيفي لها، والمؤهل المطلوب لها، والراتب المناسب لها، والمرتبة المساوية لها، والمسار الوظيفي لها، لكن دخول الذكاء الاصطناعي نقل الاقتصاد من (اقتصاد الوظائف) إلى اقتصاد سرعة التنقل والتحول بين المهام والمهارات والقدرات، حيث أصبحت الشركات تسأل إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع القيام بالمهام؟ وأيها يقوم بها الإنسان؟ وأيها يحتاج إلى إنسان يستخدم الذكاء الاصطناعي؟ وما المهارات البشرية التي تصبح أكثر قيمة نتيجة لذلك؟ هذه الأسئلة قلبت هندسة سوق العمل رأساً على عقب. لأول مرة، يصبح تخطيط سوق العمل أبطأ من سوق العمل نفسه. وهذه هي التحديات التي تستدعي قلق مخططي التعليم والتوظيف ورأس المال البشري.

الجامعة تخطط لسنوات، والطالب يدرس أربع سنوات، واللوائح التعليمية والجهات التنظيمية وبرامج التدريب تحتاج إلى تصميم ومدربين وميزانيات، بينما يمكن لتقنية ذكاء اصطناعي جديدة أن تغيّر طريقة أداء مهنة كاملة بأقل من شهر، رغم أن تأثيراته تختلف باختلاف القطاعات والمناطق ومستويات المهارة.

سرعة التقنية أعلى من سرعة المؤسسة وسرعة التشريع وسرعة القرار، وهذه قد تكون أخطر فجوة في سوق العمل القادم.

كان صاحب العمل يبحث عن الشهادة والخبرة وسنوات الخدمة. واليوم يسأل: هل تمتلك مهارات بشرية يصعب على الآلة محاكاتها؟ الشهادة لن تختفي، لكنها ستفقد احتكارها في إثبات القدرة، وسينافسها سجل المهارات والخبرات والشهادات المهنية والقدرة المثبتة على الإنجاز.

حتى الخبرة لم تعد قاعدة مضمونة. قد يمتلك الإنسان خبرة كبيرة في شيء تتراجع قيمته، بينما يمتلك شاب قليل الخبرة مهارة جديدة ترتفع قيمتها بسرعة. وهذا يتطلب الانتقال من التدريب المتقطع إلى التعلم المستمر في أثناء العمل، ومن البطالة العامة إلى (البطالة المهارية) والسبب هو أنه توجد آلاف الوظائف الشاغرة في الوقت الذي يوجد فيه آلاف الباحثين عن العمل، لكن الاثنين لا يلتقيان. قد نشهد اتساع الفارق بين شخصين يحملان المؤهل نفسه ويعملان في القطاع نفسه، لأن أحدهما يستخدم الذكاء الاصطناعي لمضاعفة إنتاجيته، بينما يعمل الآخر بالطريقة التقليدية.

أظن أن الدول بحاجة لإيجاد منظومة تعمل مثل الرادار للتكيّف المستمر في سوق العمل بدلاً من جهاز التخطيط الجامد، كما هناك حاجة ربما لمنظومة تلتقط تغيّرات السوق مبكراً وتعدل السياسات بسرعة، ومؤشر وطني يقيس الزمن بين تراجع وظيفة وظهور البديل والتحول المهني والوظيفي وفجوة الانتقال واكتشاف نقص المهارة وتوفير التدريب عليها، وبين قرار التعليم وتغيّر حاجة السوق، ومحفظة فردية لكل لمهارات الموظف يغذيها أينما كان عمله.

إن مفهوم رأس المال البشري الجديد يقوم على القدرة على التحول، لأننا نحتاج إلى إعادة تعريف رأس المال البشري في ظل تأثير الذكاء الاصطناعي ليشمل القدرة على التحول. فالموظف الأكثر قيمة لن يكون بالضرورة صاحب أعلى شهادة أو أطول خبرة، وإنما من يستطيع الانتقال من مهارة إلى أخرى ومن تقنية إلى أخرى ومن وظيفة إلى أخرى دون أن يفقد قدرته على إنتاج القيمة.

ربما نحتاج لإعادة كتابة العقد الذي حكم العلاقة بين التعليم والعمل والمهارة والأجر والإنتاجية والوظيفة والدخل منذ عقود، حيث تنتفي الحاجة لحماية الوظائف القديمة، شريطة عدم ترك ترك الإنسان وحده في مواجهة التحول.

المطلوب حماية قدرة الإنسان على الانتقال من وظيفة إلى أخرى ومن مهارة إلى أخرى دون أن يسقط اقتصادياً واجتماعياً في المسافة بينهما. لا تبنِ نظام التعليم لإعداد الخريج لوظيفة واحدة، بل لإعداده لعشرات التحولات المهنية.

الدولة الأكثر استعداداً لعصر الذكاء الاصطناعي لن تكون بالضرورة الدولة التي تعرف اليوم ما وظائف عام 2040، بل ستكون الدولة التي بنت نظاماً يستطيع اكتشاف الوظيفة الجديدة بسرعة، وتعليم مهاراتها بسرعة، ونقل الناس إليها بسرعة، وحمايتهم اقتصادياً خلال فترة الانتقال.