قبل أعوام قليلة، كان السؤال الذي يسبق كل زيارة سعودية إلى عاصمة أوروبية: ماذا ستشتري الرياض؟ أما في باريس هذه المرة فقد انقلب السؤال: ماذا ستبني السعودية هنا؟
هذا التحوّل في صيغة السؤال هو المدخل الحقيقي لقراءة زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا. فالزيارة لم تكن معرضاً للعقود ولا قائمة مشتريات، بل تعبيراً عن تغيّر موقع المملكة في علاقاتها الدولية.. من سوق تستقبل المنتج والخبرة ورأس المال، إلى شريك يملك نماذجه الاستثمارية، وينقلها إلى الخارج، ويدخل في تطوير التقنية وصناعة الأسواق.
المثال الأكثر وضوحاً ظهر في مشروع القدية قرب باريس. وللمرة الأولى تنتقل تجربة سعودية حديثة في صناعة الترفيه إلى دولة أوروبية بهذا الحجم. فالمملكة التي كانت تستورد الألعاب والمدن الترفيهية وخبراتها التشغيلية، أصبحت مستثمراً يطوّر وجهة متكاملة في منطقة سيرجي بونتواز، باستثمار يقارب ستة مليارات يورو، مع توقع توفير نحو 22 ألف وظيفة.
ليست المسألة إنشاء ألعاب جديدة فحسب، بل تصدير نموذج اقتصادي وُلد من احتياج سعودي، ثم نضج حتى أصبح قابلاً للعمل في سوق عالمية كالسوق الفرنسية. فالقدية هنا لا تبيع تذكرة ترفيه، بل تنقل منظومة تجمع الاستثمار والتطوير والضيافة والثقافة والرياضة وصناعة المحتوى.
وحين يقدم الرئيس إيمانويل ماكرون المشروع للفرنسيين بوصفه تطوراً لم تشهد فرنسا مثله منذ ديزني لاند باريس، فنحن لا نسمع مجاملة دبلوماسية، بل نرى رئيس دولة أوروبية يستخدم الاستثمار السعودي للحديث إلى مواطنيه عن الوظائف والتنمية وجاذبية بلاده الاقتصادية.
وفي الجانب الثقافي، جاء قرار إنشاء مركز ثقافي سعودي في باريس ليكمل المعنى نفسه. فالحضور الثقافي السعودي في فرنسا لن يبقى مرتبطاً بمعرض مؤقت أو فعالية موسمية، بل يتجه للتحول إلى منصة دائمة تقدم الثقافة السعودية للجمهور الفرنسي، وتفتح المجال أمام المبدع السعودي لبناء علاقات مباشرة مع المؤسسات الثقافية الأوروبية.
وهكذا يتحرك النموذج السعودي على مسارين متوازيين: مشروع ترفيهي يستثمر في الاقتصاد الفرنسي، ومركز ثقافي يبني حضوراً إنسانيا طويل المدى. الأول يصنع الوظائف والعوائد، والثاني يصنع المعرفة المتبادلة وصورة لا تستطيع البيانات السياسية وحدها صناعتها.
لكن التحول الأكثر عمقاً ظهر في ملف التقنية. فالعلاقة التقليدية بين الدول المنتجة للتقنية والدول المستوردة لها كانت تقوم غالباً على بيع المنتج النهائي، مع الاحتفاظ بالمعرفة في بلد المنشأ. أما الاتفاقات الجديدة فتشير إلى انتقال العلاقة نحو التطوير المشترك وبناء القدرات والتشغيل المحلي.
اتفاق «هيومين» السعودية و«ميسترال» الفرنسية في الذكاء الصناعي يقدم مثالاً واضحاً. فالمملكة لا تشتري برنامجاً جاهزاً، بل تدخل في تطوير نماذج متقدمة موجهة للعربية، وتطبيقات للأمن السيبراني وتقنيات الصوت، مع ربطها ببنية حوسبة سعودية، وتسويقها في قطاعات حساسة مثل المال والاتصالات والصناعة والقطاع العام.
وهذا يغيّر موضع المملكة داخل سلسلة التقنية.. من مستخدم في نهايتها إلى شريك في تصميمها وتشغيلها وحماية بياناتها. كما يفسّر حضور مفهوم «الذكاء السيادي»، حيث لا تنفصل التقنية عن سيادة البيانات والقدرة على التحكم في البنية التي تعمل من خلالها.
وفي النقل ظهر الاتجاه نفسه. فعقد قطارات مترو الرياض لا يقف عند التوريد، بل يمتد الى دعم تجميع قطارات الخط السابع داخل المملكة. والفرق بين الحالتين كبير.. ففي الأولى تصل العربة جاهزة، وفي الثانية تنتقل معها المعرفة والتدريب وسلسلة الموردين وفرص العمل.
حتى الاتفاق الدفاعي يمكن قراءته من الزاوية نفسها. فهو لم يعلن صفقة سلاح بعينها، بل وضع إطاراً للتعاون في التقنيات والصناعات الدفاعية والأمن السيبراني والذكاء الصناعي والتدريب والتعليم العسكري. والمعنى هنا أن العلاقة الدفاعية تتحرّك من شراء المنظومة إلى المشاركة في بناء القدرة الوطنية المرتبطة بها.
وفي الصحة، لم يعد التعاون محصوراً في العلاج أو استقدام الطبيب، بل امتد إلى الأبحاث السريرية والصحة الرقمية والذكاء الصناعي والصناعات الدوائية وتدريب الأطباء، مع بحث تصنيع التقنيات الطبية داخل المملكة. أي أن الخدمة تتحوّل إلى سلسلة تبدأ بالبحث والتدريب، وقد تنتهي بامتلاك التقنية وتصنيعها.
هذه النماذج لم تظهر منفصلة عن السياسة. فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز أعاد تقديم السعودية بوصفها مورداً للطاقة وممراً لوجستياً في الوقت نفسه، تربط الخليج بالبحر الأحمر، وتملك بنية يمكن أن تدخل ضمن المسارات البديلة للتجارة والطاقة. ومن هنا يصبح تطوير ميناء جدة وشبكات الكهرباء والنقل جزءاً من مكانة جيوسياسية، لا مشروعات محلية منعزلة.
وما يمنح هذه المسارات فرصة الاستمرار هو مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي. فقيمته ليست في مراسم اجتماعه الأول، بل في تحويل العلاقة من اتفاقات مرتبطة بالزيارات إلى ملفات تخضع للمتابعة والقياس والتنفيذ.
من قصر الإليزيه لم يعد السؤال: ماذا اشترت السعودية من فرنسا؟.. بل ماذا ستبني السعودية في فرنسا، وماذا ستبني فرنسا مع السعودية؟
هنا تتغير طبيعة النفوذ.. من امتلاك السلعة إلى امتلاك النموذج، ومن استيراد التقنية إلى المشاركة في تطويرها، ومن حضور مؤقت في أوروبا إلى استثمار وثقافة ومعرفة تترك أثراً طويل المدى.


