شكّل عام 2016 محطة مهمة في مسيرة المملكة العربية السعودية مع إعلان رؤية السعودية 2030، التي أرست توجهاً واسعاً للتنمية والتطوير، وفتحت آفاقاً جديدة أمام الكفاءات الوطنية للمشاركة في صناعة المستقبل. وكان تمكين المرأة السعودية أحد أبرز التحولات التي شهدتها المملكة خلال هذه المرحلة، إذ تعزز حضورها في مجالات العمل والتنمية وصناعة القرار، وامتد هذا الحضور إلى القطاع الرياضي بصورة لافتة.


ومع برامج الرؤية ومبادراتها، اتسعت مشاركة المرأة في الرياضة السعودية، فبرز حضورها في الممارسة والمنافسة والعمل الإداري، وعضوية مجالس إدارات الأندية، والتحكيم، وتأسيس الفرق والمبادرات الرياضية. وحققت أسماء سعودية إنجازات مميزة على المستويين المحلي والقاري، وأسهمت في بناء تجربة رياضية نسائية تنمو عاماً بعد عام.


وفي محافظة القطيف، أخذت هذه المسيرة حضوراً متنامياً داخل الأندية وخارجها، حيث شاركت المرأة في الفرق الرياضية والأنشطة المختلفة ومجالس الإدارات، وخاضت المنافسات، واعتلت منصات التتويج، وأسهمت في تأسيس مبادرات وفرق رياضية. ومع كل محطة، ظهرت أسماء جديدة تستحق التوثيق والاحتفاء.


في نادي الخليج بسيهات، برزت سمات السيهاتي وياسمين الشافعي ضمن العمل الإداري عام 2021. وفي نادي السلام بالعوامية، حضرت معصومة عبدالله الزاهر وأزهار علي آل ربح ضمن المشهد الرياضي والإداري للنادي. كما شهد نادي مضر بالقديح مشاركة نسائية من خلال آيات حسين الجنبي وألاء البندري.


ويقدم نادي الصفا بصفوى نموذجاً مهماً في مسيرة المرأة داخل منشآت الأندية؛ فقد حصلت وفا بنت سمير آل ناصر على بطاقة عضوية رسمية في النادي، ومُنحت عام 2018 بطاقة «عضو مميز» للسيدات، في مرحلة شهدت توسعاً في استفادة المرأة من المنشآت والأندية الرياضية، وأسهمت هذه الخطوة في تعزيز حضورها داخل البيئة الرياضية المحلية.


وفي عام 2019، سجلت فوزية آل مبارك محطة مهمة من خلال حصولها على موافقة رسمية لممارسة الرياضة داخل منشأة نادي الصفا، بصفتها رئيسة فريق «مشاة صفوى للسيدات»، لتقدم تجربتها نموذجاً للمبادرات المجتمعية التي تسهم في نشر ممارسة الرياضة بصورة منظمة.


وفي كرة القدم، شهدت محافظة القطيف تجربة لافتة مع تأسيس فريق «الواحة» عام 2019، ثم اندماجه لاحقاً ليصبح فريق نادي الترجي للسيدات. وضم الفريق مجموعة من اللاعبات، إلى جانب المديرة التنفيذية همام العوامي، ليشكّل تجربة مبكرة لكرة القدم النسائية المنظمة في المحافظة، ويفتح المجال أمام المزيد من المواهب في اللعبة.


ومن هنا انتقلت الحكاية إلى مرحلة أخرى: مرحلة منصات التتويج.


في رياضة رفع الأثقال، برز اسم الشقيقتين رحمة عبد المنعم الخواهر وفاطمة عبد المنعم الخواهر، وقدمتا سلسلة من النتائج المميزة في دورة الألعاب السعودية والبطولات العربية.


في 27 أكتوبر 2022، حققت رحمة عبد المنعم الخواهر الميدالية الذهبية لوزن 49 كجم ضمن منافسات النسخة الأولى من دورة الألعاب السعودية. وفي اليوم التالي، 28 أكتوبر 2022، حققت شقيقتها فاطمة عبد المنعم الخواهر الميدالية البرونزية لوزن 59 كجم ضمن منافسات الدورة نفسها.


وفي نوفمبر 2023، واصلت فاطمة مشوارها في البطولات العربية، وحققت ثلاث ميداليات برونزية في منافسات الخطف والنتر والمجموع لوزن 64 كجم ضمن البطولة العربية لرفع الأثقال التي أقيمت في مصر. وفي 29 نوفمبر 2023، أضافت إلى سجلها الرياضي الميدالية الذهبية لوزن 59 كجم ضمن منافسات النسخة الثانية من دورة الألعاب السعودية.


واستمرت مشاركاتها العربية، ففي 28 ديسمبر 2024 حققت فاطمة عبد المنعم الخواهر الميدالية البرونزية في منافسات النتر لوزن 64 كجم ضمن بطولة العرب لرفع الأثقال التي أقيمت في قطر.


وتقدم رحمة وفاطمة الخواهر صورة مشرقة للموهبة الرياضية في القطيف؛ شقيقتان، ومسيرة متواصلة، وميداليات في بطولات سعودية وعربية، وتجربة تؤكد أهمية اكتشاف القدرات الشابة وتوفير البيئة المناسبة لتطويرها.


وفي رياضة الجيوجيتسو، سجلت كوثر أنور أبو الرحي حضوراً مميزاً بعد تحقيقها ذهبية البطولة الرسمية في الرياض، لتضيف إنجازاً جديداً إلى سجل اللاعبات في المحافظة، وتقدم نموذجاً آخر لتنوع المواهب الرياضية.


أما في الفروسية، فقد حضرت المرأة القطيفية في المحافل الدولية من خلال الفارسة أسمى السيهاتي، المتخصصة في سباقات القدرة والتحمل، والتي حققت إنجازات بارزة على المستويين الدولي والمحلي.


وعلى المستوى الدولي، حققت أسمى السيهاتي المركز الأول والميدالية الذهبية في سباق كأس الدانوب للقدرة والتحمل لمسافة 80 كيلومتراً، الذي أقيم في جمهورية سلوفاكيا، لتسجل حضوراً سعودياً مميزاً في إحدى رياضات الفروسية التي تتطلب قدراً عالياً من المهارة والتحمل والخبرة.


وعلى المستوى المحلي، حظيت بتكريم رئيس الاتحاد السعودي للفروسية بوصفها أفضل فارسة في رياضة القدرة والتحمل للموسم الرياضي. وإلى جانب احترافها رياضة ركوب الخيل، تحمل أسمى شهادة أكاديمية في الهندسة المعمارية من بريطانيا، لتقدم نموذجاً يجمع بين التخصص الأكاديمي والطموح الرياضي.


وتجسد تجربة أسمى السيهاتي صورة ملهمة للمرأة السعودية التي تجمع بين الطموح الرياضي والتميز الأكاديمي، وتمثل الوطن في المحافل الدولية، وتؤكد قدرة القطيف على تقديم فارسات يحققن حضوراً مشرفاً في ميادين الفروسية والرياضة العالمية.


وفي كرة اليد، التي تحظى بمكانة خاصة في القطيف وترتبط بتاريخ المحافظة الرياضي، جاء حضور نسائي مميز في مجال التحكيم. فقد سجلت إسراء الغافلي وجنان الإبراهيم إنجازاً تاريخياً بوصفهما أول طاقم تحكيم نسائي سعودي ينال الشارة القارية لكرة اليد من الاتحاد الآسيوي لكرة اليد، وذلك في نوفمبر 2025م.


وبدأت الحكمتان مسيرتهما من المنطقة الشرقية، وشاركتا في إدارة مباريات الدوري الممتاز للشباب والناشئين، إلى جانب مباريات الدوري النسائي، وصولاً إلى المستوى القاري، في تجربة تعكس تطور التحكيم النسائي السعودي ووصول الكفاءات الوطنية إلى مواقع متقدمة.


وامتد هذا الحضور إلى مجالس إدارات الأندية، حيث شغلت الأستاذة نسرين المقظوظ عضوية مجلس إدارة نادي النور، ثم تواصل حضور المرأة في النادي من خلال عرفات الماجد وسكينة القصاب عام 2026م، لتترسخ مكانة المرأة في العمل الإداري الرياضي ومشاركتها في صناعة القرار داخل الأندية.


وعند جمع هذه التجارب، تظهر صورة متكاملة لمسيرة المرأة في رياضة القطيف: لاعبات اعتلين منصات التتويج، وفارسة حققت الذهب في محفل دولي، وإداريات شاركن في مجالس الأندية، وحَكَمات وصلن إلى المستوى القاري، ومبادرات أسهمت في تأسيس الفرق والمجموعات الرياضية.


وتحمل هذه التجارب قيمة تتجاوز الميداليات والمناصب، فهي تصنع نماذج محلية تلهم الأجيال الجديدة، وتقدم صورة حية للمرأة السعودية القادرة على المنافسة والتميز وتحمل المسؤولية. وتمتلك القطيف مواهب متعددة، وإرثاً رياضياً غنياً، وتجارب ناجحة تشكّل قاعدة مهمة لبناء منظومة رياضية نسائية أكثر استدامة.


وتفتح المرحلة القادمة آفاقاً واسعة لاكتشاف المواهب في سن مبكرة، وتطوير البرامج التدريبية، ودعم الفرق النسائية، وتأهيل الكفاءات الإدارية والتحكيمية، وتوفير البيئة الرياضية التي تساعد الموهوبات على الانتقال من المشاركة إلى المنافسة والإنجاز.


فالمرأة القطيفية اليوم جزء فاعل من صناعة المشهد الرياضي، وحضورها يتسع في الملاعب والمنشآت ومجالس الإدارات ومنصات التتويج والمحافل الدولية. وما تحقق يمثل بداية لمسيرة تحمل أسماء جديدة، وإنجازات أكبر، وحضوراً أوسع للقطيف في خارطة الرياضة السعودية.


ومن القطيف تتواصل الحكاية، حكاية نساء اخترن الرياضة ميداناً للطموح، وحوّلن المشاركة إلى إنجاز، والإنجاز إلى نموذج يُحتذى. وكل إنجاز يتحقق اليوم يفتح الطريق أمام موهبة جديدة غداً، لتبقى الرياضة مساحة لصناعة النجاح، ومنصة لحضور المرأة السعودية في المشهد الوطني.