ربما لم يعد السؤال اليوم: لماذا فقدنا الرضا؟ بل لماذا فقدنا الصبر؟ نحن نعيش في عصر أصبح أسرع من قدرتنا على الاستيعاب والإدراك. كنا نحلم بالسرعة بوصفها إنجازًا، فإذا بها تتحوّل إلى ظاهرة نفسية مرهقة وعقلية متعبة. في كل مكان تقريبًا، يبدو الإنسان مستعجلًا: أبواق السيارات، الركض في الممرات، الردود الفورية، والتنقل السريع بين عشرات الصور والمقاطع. حتى اللحظات التي لا تستدعي العجلة أصبحت تُعاش بعقلية السباق.

هذه السرعة لا تغيّر إيقاع حياتنا فقط، بل ربما تعيد تشكيل علاقتنا بالانتباه نفسه. عالم الاقتصاد الحائز على نوبل هربرت سايمون تحدث مبكرًا عن فكرة أن وفرة المعلومات تخلق ندرة في الانتباه؛ وهي الفكرة التي أصبحت أكثر وضوحًا في عصر المنصات الرقمية. لقد دخلنا عصر اقتصاد الانتباه، حيث تتنافس التطبيقات والمواقع على الثواني القليلة التي يمنحها الإنسان لشاشة هاتفه.

وتأتي المقاطع القصيرة، مثل تلك التي تنتشر على تيك توك وغيره، لتدفع هذا الإيقاع إلى أقصاه. ليست المشكلة في المقطع القصير بحد ذاته، وإنما في الاعتياد على الانتقال المستمر: نقرة، صورة، صوت، معلومة، ثم نقرة أخرى. ومع الوقت قد يصبح التعمّق أقل جاذبية من الانتقال، ويصبح العقل معتادًا على الجرعات السريعة بدل الرحلة الطويلة داخل فكرة واحدة. وهذا ما يُشار إليه شعبيًا أحيانًا بتعبير «التعفن الدماغي»، وإن كان التعبير ذاته ليس تشخيصًا علميًا.

على المقلب الآخر، ظهرت أفكار عالمية تدعو إلى استعادة قيمة البطء. فالكاتب كارل أونوريه، في كتابه في مديح البطء، دافع عن فكرة أن البطء ليس نقيض التقدّم، بل يمكن أن يكون وسيلة لاستعادة جودة الحياة. كما ارتبطت حركة «الطعام البطيء» بفكرة مقاومة الاستهلاك السريع واستعادة العلاقة الهادئة مع الأشياء.

ولعل الإنسان الزراعي كان أول من تعلّم درس الصبر. كان يزرع ثم ينتظر شهورًا حتى يحصد. لم يكن أمامه خيار سوى أن يتصالح مع الزمن. وربما صنعت هذه العلاقة الطويلة مع الانتظار شيئًا من الصلابة والتأمل.

ولا ننسى أن الإبداع والصبر متلازمان بشكل جلي، فمن الصبر خرج الإبداع. الأعمال الأدبية والفنية الكبرى لم تكن وليدة العجلة. دوستويفسكي، تولستوي، مارسيل بروست وغيرهم تركوا أعمالًا تحتاج من القارئ وقتًا طويلًا، وكان القارئ نفسه مستعدًا لأن يمنحها ذلك الوقت. أما اليوم، فقد يجد البعض صعوبة في إكمال مقطع لا يتجاوز دقيقة.

حتى الصحافة المتخصصة، التي كانت تمنح القارئ مساحة للتأمل والتحقيق والسرد، تواجه تحدي اقتصاد الانتباه. ومع ذلك، ما زالت مؤسسات مثل نيويوركر تراهن على المقال الطويل، وكأنها تقول إن الإنسان لم يفقد قدرته على القراءة، وإنما يحتاج إلى أن يستعيد الصبر الذي يسمح لعقله بأن يتنفس.

ربما لا تكون المشكلة أننا أصبحنا أسرع، بل إننا نسينا أن بعض الأشياء لا يمكن اختصارها. الفكرة تحتاج وقتًا، والكتاب يحتاج وقتًا، والعلاقة تحتاج وقتًا، والنضج نفسه يحتاج وقتًا.

حين نفقد الصبر، لا نفقد القدرة على الانتظار فقط؛ نفقد المساحة الداخلية التي تسمح لنا بأن نفكر بعمق. وربما تكون نهاية الصبر هي بداية نهاية تلك الفسحة التي كان العقل يجد فيها نفسه.