أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1785.jpg&w=220&q=100&f=webp

سلطان السعد القحطاني

السعودية تقرأ عالم العولمة.. والعدو الحقيقي هو الصراع

في عالم يتغيّر بسرعة غير مسبوقة، لم تعد السياسة مجرد شعارات حماسية أو خطابات تعبويّة، بل أصبحت فناً لإدارة المصالح وتجنّب الصدامات الكبرى. الدول التي فهمت طبيعة العصر الجديد أدركت أن التنمية والاستقرار لا يتحققان في ظل الحروب المفتوحة، وإنما عبر التفاهمات السياسية وبناء التوازنات الدولية. ومن هنا يمكن قراءة التحوّلات التي تقودها المملكة العربية السعودية بوصفها نموذجاً لدولة تدرك طبيعة عالم العولمة، حيث أصبحت المصالح الاقتصادية والاستقرار الإقليمي أكثر أهمية من المغامرات العسكرية.

التاريخ السياسي الحديث مليء بالشواهد التي تؤكد أن التفاهم بين الخصوم كان دائماً مقدمة للاستقرار. فالاتفاق الودي بين بريطانيا وفرنسا مطلع القرن العشرين أنهى قروناً طويلة من الصراع بين «عدوي المانش»، وأسهم لاحقاً في تشكيل جبهة قوية استطاعت مواجهة التوسع الألماني والانتصار في حربين عالميتين. وقد بقي هذا التحالف رمزاً للتحوّل من العداء التاريخي إلى الشراكة الاستراتيجية، حتى إن الملكة إليزابيث الثانية احتفلت بمرور مئة عام على هذا التفاهم بوصفه نقطة تحوّل في تاريخ أوروبا الحديثة.

كذلك فإن اتفاقية وستفاليا التي أنهت الحروب الدينية في أوروبا عام 1648 أسّست لمفهوم الدولة الحديثة وسيادة الدول، وهي المبادئ التي اعتبرها المفكر والدبلوماسي الأمريكي هنري كيسنجر حجر الأساس للنظام الدولي المعاصر. ففي كتابه «النظام العالمي»، يشير كيسنجر إلى أن الاستقرار الدولي لا يتحقّق عبر فرض الهيمنة المطلقة، بل من خلال إيجاد توازنات تمنع الانفجار وتُبقي باب الحوار مفتوحاً حتى بين الخصوم. هذا الفهم هو الذي قاد لاحقاً إلى ما سُمّي بالعصر الذهبي للدبلوماسية الأمريكية خلال الحرب الباردة.

ولعل أبرز مثال على ذلك اتفاقيات الحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، التي أسهمت في تجنّب مواجهة نووية كارثية كانت تهدد العالم بأسره. ورغم استمرار الخلافات بين القوتين، فإن التفاهمات الاستراتيجية وفرت قدراً من الاستقرار العالمي. وحتى في شبه الجزيرة الكورية، فإن أي تقارب بين الكوريتين يُنظر إليه باعتباره انتصاراً للعقل السياسي على احتمالات الحرب المدمرة.

في هذا السياق، تبدو السياسة السعودية أقرب إلى قراءة واقعية لمعادلات العصر. فالمملكة، بحكم ثقلها السياسي والاقتصادي والديني، تدرك أن المنطقة لم تعد تحتمل مزيداً من الصراعات، وأن تكلفة الحروب أصبحت أعلى من قدرة الدول على الاحتمال. لذلك فإن التفاهمات الإقليمية، سواء مع تركيا أو باكستان أو حتى مع إيران بعد الاتفاق الذي رعته الصين، تأتي ضمن رؤية تسعى إلى تخفيف التوتر وحماية الاستقرار الاقتصادي العالمي.

ورغم أن بعض الأصوات لا تزال تقرع طبول الحرب مع إيران، فإن السعودية تبدو أكثر إدراكاً لتعقيدات المشهد. فهي الدولة التي واجهت النفوذ الإيراني لسنوات في أكثر من ساحة عربية، بينما كانت أطراف أخرى تحتفظ بعلاقات تجارية أو دبلوماسية مع طهران. ومن هنا فإن انتقال المملكة من مرحلة المواجهة المباشرة إلى مرحلة إدارة الخلافات بالحوار لا يمكن اعتباره ضعفاً، بل قراءة سياسية عميقة لموازين القوى ومصالح الدولة.

السياسة، في حقيقتها، ليست تغريدة في منصة اجتماعية ولا مقطعاً عاطفياً في تطبيق إلكتروني، بل هي حسابات دقيقة تتعلق بالأمن والاقتصاد والجغرافيا ومصالح الشعوب. ولهذا فإن الدول الكبرى تتصرف وفق معايير مختلفة عن منطق الانفعال أو الشعارات. والسعودية، بوصفها الدولة الأكبر تأثيراً في المنطقة، تتحمّل مسؤوليات تتجاوز حدودها الوطنية إلى استقرار الإقليم بأكمله.

ومن المفارقات أن بعض الذين لم يمنحوا السعودية يوماً حق المشاركة في قراراتهم المصيرية، باتوا اليوم يطالبونها بخوض الحروب نيابة عنهم. غير أن العالم تغيّر، ولم تعد القرارات تُبنى على العاطفة بقدر ما تُبنى على حسابات دقيقة للمصلحة الوطنية.

وفي هذا الإطار، تستحضر الذاكرة مقولة الإعلامي الكبير عثمان العمير بعد سقوط نظام صدام حسين، حين قال إنه مستعد لإعادة كل ما حصل عليه من النظام العراقي، وهي مجرد تكاليف إقامة فندقية، مقابل أن يعيد بعض المثقفين والإعلاميين العرب الملايين التي حصلوا عليها دفاعاً عن النظام السابق. والمشهد ذاته يتكرر اليوم مع بعض الأصوات التي خدمت المشروع الإيراني سياسياً وإعلامياً لسنوات، ثم تطالب الآخرين بخوض الحرب نيابة عنها.

إن العالم اليوم يتجه نحو التهدئة لا التصعيد، ونحو بناء الشراكات لا صناعة الحروب. والدول التي تنجح في قراءة هذه التحوّلات هي القادرة على حماية شعوبها وتحقيق مصالحها. ومن هنا تبدو السعودية وهي تراهن على الانتصار الهادئ؛ انتصار يتحقّق بالدبلوماسية والاقتصاد وبالنفوذ، لا بإطلاق الرصاص.

00:00 | 14-05-2026

المؤسسات حارسة الذائقة.. والسوق لها مَن؟

تُعدّ الذائقة الثقافية روح الوطن ومرآة مستقبله، فهي التي تتجلى في الكلمة، واللوحة، والفكرة، وفي كل تعبير إبداعي يعبّر عن هوية المجتمع وعمق حضارته. ومن خلال هذه الذائقة يمكن قراءة ملامح الشعوب وقياس مستوى وعيها الثقافي والفكري. لذلك، عندما تتبنى الحكومات مشاريع ثقافية، فإن المسؤولية تتجاوز مجرد الإنتاج إلى بناء معنى، وتشكيل وعي، وصياغة ذوق عام يرتقي بالإنسان. لا ينبغي أن تُدار هذه المشاريع بعقلية تجارية بحتة تُقاس بالأرقام والأرباح، بل وفق معايير عالية تضع الجودة والقيمة في مقدمة الأولويات.

لقد شهدنا نماذج عالمية تؤكد هذا التوجه، حيث تحرص بعض الدول على تقديم ثقافتها بوصفها قوة ناعمة تعكس تاريخها وإرثها الفكري. ففي التجربة الغربية مثلاً، يتم استحضار رموز أدبية وفكرية كبيرة، وتقديمها بأساليب حديثة تُبقيها حاضرة في الوعي الجمعي. هذه الجهود لا تهدف فقط إلى الترفيه، بل إلى ترسيخ القيم الثقافية وتعزيز الذائقة العامة.

وأتذكر خلال سنوات الدراسة كيف كانت المؤسسات الإعلامية والثقافية الكبرى تقدّم أعمالاً وثائقية وفنية على مستوى عالٍ من الإتقان، حيث يجتمع العمق المعرفي مع الجمال الفني في إنتاج يليق بتاريخ الأمة وثقافتها. لم يكن الهدف مجرد جذب المشاهد، بل تثقيفه ورفع مستوى وعيه، وهو ما يعكس الدور الحقيقي للمؤسسات الثقافية.

إن المؤسسات ليست حارسة للسوق، بل حارسة للذوق. وهذه مسؤولية كبيرة تتطلب وضوحاً في الرؤية والتزاماً في التنفيذ. فحين تنحرف هذه المؤسسات نحو المنافسة التجارية، فإنها تفقد دورها الأساسي وتدخل في مساحات ليست من اختصاصها. السوق لها أهلها من الشركات والقطاع الخاص، وهم أقدر على إدارة الربح والخسارة، ولهم الحرية في ذلك ضمن الأطر التنظيمية.

أما المؤسسات الحكومية، فيجب أن تبقى بعيدة عن هذا التنافس، وأن تركّز على دورها الأسمى في بناء الذائقة العامة، ودعم الإبداع الحقيقي، وتقديم نماذج راقية تسهم في رفع مستوى الثقافة في المجتمع. فالأمم لا تنهض فقط بالاقتصاد، بل ترتقي بذائقتها، لأن الذوق الرفيع هو أساس الحضارة، وهو ما يميّز المجتمعات الحية عن غيرها.

وفي النهاية، فإن الحفاظ على الذائقة مسؤولية مشتركة، لكن المؤسسات تبقى في مقدّمة هذا الدور، لأنها تملك الأدوات والقدرة على التأثير. وإذا أدركت هذه الحقيقة، فإنها ستسهم في صناعة مستقبل أكثر وعياً وجمالاً.

23:45 | 6-05-2026

والتاريخ أحياناً لا ينسى.. ولا يُنسى

لطالما كانت بريطانيا المثال الحي على قدرة القوة الناعمة أن تكون بديلاً موازياً للقوة الصلبة، حتى وإن اختلف التأثير وتبدّل الأسلوب. ومع كل مناسبة رسمية، مثل زيارة الملك تشارلز الثالث إلى الولايات المتحدة، يعود التذكير بحقيقة راسخة: الأمم الغنية بتاريخها لا يمكن أن تتخلى عنه، لأنه ليس مجرد ماضٍ يُروى، بل روح تسري في شرايينها كما يسري النفس.

لقد عايشت الملكة إليزابيث الثانية لحظة أفول شمس الإمبراطورية التي «لا تغيب عنها الشمس»، ورأت التحوّلات الكبرى في ميزان القوى العالمية. ومع ذلك، لم تدخل في صراع مع حركة التاريخ، ولم تحاول إيقاف الزمن أو السير عكس اتجاهه، بل تعاملت مع الواقع بمرونة ووعي. اختارت أن تعزّز من حضور بلادها عبر أدوات أكثر تأثيراً واستدامة، فدعمت الثقافة البريطانية، ورسّخت صورة بلادها في الوعي العالمي من خلال الدبلوماسية الهادئة والرمزية العميقة، محافظة على «اللمسة الإنجليزية» التي ما زالت حاضرة في أنحاء العالم.

في عالم اليوم، لم تعد القوة العسكرية الخيار الأول كما كانت في السابق. استخدام «الحديد والنار» أصبح مكلفاً سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً، بل وقد يبدو أحياناً نوعاً من التهور. في المقابل، برزت القوة الناعمة كأداة فعّالة، قادرة على تحقيق التأثير دون صدام، وعلى كسب العقول قبل فرض السيطرة.

يشير المفكر الأمريكي جوزيف ناي في نظريته الشهيرة إلى أن الدول القوية ليست فقط تلك التي تمتلك الجيوش، بل تلك التي تستطيع التأثير في الآخرين عبر الجاذبية الثقافية والقيم والأفكار. فالقوة الناعمة تُبنى من خلال التعليم، والفنون، والإعلام، والدبلوماسية، وكل ما يجعل الآخرين يرغبون في الاقتراب منك لا الخوف منك.

وفي السياق العربي، نجد نماذج لافتة تؤكد هذا المعنى. خلال حرب الخليج، لم يكن التأثير مقتصراً على السلاح، بل برز دور الكلمة. فقد كان لكل من غازي القصيبي وخلف بن هذال حضور قوي عبر الشعر والأدب، حيث شكّلت أعمالهما حالة معنوية مؤثرة، تضاهي في قوتها وقع المدافع والرصاص.

وهنا تتجلى حقيقة أساسية: الكلمة، والشعر، والفن، والثقافة، ليست ترفاً، بل هي أساس متين لأي أمة تسعى للتأثير. فالقوة الناعمة هي التي تعبر الحدود دون استئذان، وتصل إلى القلوب قبل العقول، وتصنع صورة تبقى حتى حين يتغيّر كل شيء.

00:06 | 30-04-2026

لم يأتنا النبأ التالي: المناقلة السورية اللبنانية

كم هي جريحة هذه الخريطة ومدماة. انهالت عليها مداميك التاريخ فأحدثت فيها ما أحدثته، وبقيت جريحة تحاول أن تعيش، تعيش، تعيش. تشهد منطقة الشام في المرحلة الراهنة حالة من التحوّل العميق، توحي بأن ما كان يُعدّ ثابتاً في الماضي قد لا يبقى كذلك في المستقبل. فالحدود السياسية التي رُسمت على الخرائط تبدو مستقرة نظرياً، لكنها على أرض الواقع تخضع لضغوط وتحديات متزايدة، في ظل تغيّرات إقليمية ودولية متسارعة. هذا الواقع يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مستقبل ثلاث مناطق مجاورة لإسرائيل، هي لبنان وسوريا وفلسطين، وكيف يمكن أن تتأثر بالتحوّلات الجارية.

في سوريا، لا تزال آثار النزاع الممتد منذ سنوات تلقي بظلالها على وحدة الدولة وسيادتها. ومع تعدد القوى الفاعلة على الأرض، تبرز مخاوف من إعادة تشكيل مناطق النفوذ بما يتجاوز الإطار التقليدي للدولة الوطنية. بعض التطورات الميدانية تشير إلى احتمالات فرض وقائع جديدة، سواء عبر ترتيبات أمنية أو تفاهمات غير معلنة، ما قد يؤدي إلى إعادة صياغة جزئية للخريطة السياسية.

أما في لبنان، فإن الوضع يبدو أكثر هشاشة. فالأزمة الاقتصادية العميقة، إلى جانب التوترات الأمنية، تجعل البلاد عرضة لتأثيرات خارجية متزايدة. ومع تصاعد العمليات العسكرية في بعض المناطق، يبرز القلق من انزلاق الأوضاع نحو سيناريوهات أكثر تعقيداً، قد تشمل تغييرات في موازين القوى الداخلية أو حتى في طبيعة السيطرة على بعض المناطق الحيوية، خصوصاً في العاصمة بيروت ومحيطها.

وفي فلسطين، يبدو المشهد أكثر تعقيداً، حيث تتقاطع الاعتبارات السياسية والأمنية مع واقع ميداني متغيّر باستمرار. التطورات في قطاع غزة والضفة الغربية تعكس حالة من عدم الاستقرار المستمر، وتطرح تساؤلات حول مستقبل الترتيبات السياسية القائمة، وإمكانية فرض وقائع جديدة على الأرض.

تُظهر هذه المؤشرات مجتمعة أن المنطقة قد تكون مقبلة على مرحلة من إعادة الترتيب، ليس بالضرورة عبر تغييرات رسمية في الحدود، بل من خلال فرض وقائع ميدانية جديدة تعيد تشكيل موازين القوى. وفي هذا السياق، يوضح هنري كيسنجر في كتابه إنهاء الحرب الفيتنامية أن الحروب، وإن بدأت بأهداف سياسية واضحة، فإن مساراتها غالباً ما تتعقد بفعل عوامل متعددة، لتنتهي بنتائج لا تعكس بالضرورة ما خُطط لها في البداية.

ويبدو أن التحدي الأكبر أمام دول الشام يتمثّل في كيفية إدارة هذه المرحلة الانتقالية بحكمة. فبدل الانخراط في مغامرات غير محسوبة، قد يكون من الأجدى التركيز على الحفاظ على الاستقرار القائم، وتعزيز المسارات الدبلوماسية، والسعي إلى تقليل الخسائر في بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم اليقين.

00:01 | 23-04-2026

سنوات المصيدة.. وهذا المضيق دولي، دولي، دولي..

يعيد التاريخ في منطقتنا إنتاج مشاهده المألوفة، لكن بأدوات جديدة ووجوه مختلفة. الأخطاء نفسها تتكرر، والحسابات الضيقة تتحوّل سريعاً إلى أزمات واسعة النطاق. قليلون فقط من يدركون كيف يتحرك العالم فعلياً، وأين تقف حدوده، وما هي الخطوط الحمراء التي لا تُرى بالعين المجردة لكنها ترسم مصائر الدول والشعوب.

ما نراه اليوم ليس حدثاً معزولاً، بل بداية فصل جديد من صراع طويل. لقد بدأت ملامح مواجهة إيرانية تتشكّل، ليس بالضرورة في صورة حرب تقليدية مباشرة، بل كسلسلة من الضغوط المتراكمة، والتحركات المحسوبة، والرسائل غير المعلنة. إنها لعبة شدّ الحبال بين قوى تدرك أن أي خطوة خاطئة قد تفتح أبواباً يصعب إغلاقها.

سنشهد، على نحو لافت، حواراً بين زمنين: القرن الثالث عشر والقرن الحادي والعشرين. ليس المقصود هنا الزمن الحرفي، بل العقلية. لغة قديمة تقوم على الرمزية والهيبة والتاريخ، في مقابل لغة حديثة تعتمد على المصالح والأرقام والاستراتيجيات. هذا التباين في الخطاب هو ما يجعل التفاهم صعباً، ويزيد من احتمالات سوء الفهم.

أما المضيق، الذي كان يُنظر إليه طويلاً باعتباره ورقة سيادية، فلن يبقى كذلك. لن يكون إيرانياً خالصاً كما يتصور البعض، بل سيتحوّل تدريجياً إلى جزء من منظومة دولية أوسع، تُدار وفق توازنات دقيقة. الهدف الحقيقي يتجاوز الجغرافيا القريبة؛ إنه يتعلق بإعادة تشكيل النظام العالمي، والتحضير لمواجهة التحدي الأكبر القادم: الصين.

الغرب، الذي يرى في صعود الصين تهديداً استراتيجياً، يعمل على بناء شبكة من الضغوط والاحتواء، تبدأ من النقاط الأكثر حساسية في العالم. والمضيق واحد من تلك النقاط، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية. من هنا، فإن ما يجري ليس مجرد خلاف إقليمي، بل جزء من معادلة دولية أكبر بكثير.

في هذا السياق، سيبدأ سيناريو المفاوضات المعقدة والمطولة. مفاوضات تشبه إلى حد بعيد ما حدث مع النظام العراقي في تسعينيات القرن الماضي. جولات لا تنتهي، وشروط تتغيّر، وضغوط تتصاعد، ووعود تُقدَّم ثم تُسحب. إنها عملية استنزاف سياسي ونفسي قبل أن تكون تسوية حقيقية.

أتذكر، عند قراءة محاضر المفاوضات بين جيمس بيكر ووزير الخارجية العراقي في جنيف، كيف بدا الطرفان وكأنهما يتحدثان من كوكبين مختلفين. لم يكن الخلاف فقط في المواقف، بل في طريقة فهم العالم ذاته. هذا المشهد قد يتكرر اليوم، بأسماء جديدة، لكن بالعقلية ذاتها.

المستقبل، في ضوء كل ذلك، لا يبدو بسيطاً ولا قريباً من الاستقرار. نحن أمام مرحلة انتقالية، تتشكّل فيها قواعد جديدة، وتُعاد فيها صياغة موازين القوى. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون الأخطاء مجرد زلات، بل قد تتحوّل إلى نقاط تحوّل تاريخية يصعب التراجع عنها.

00:04 | 16-04-2026

واحد مع العرب لا ضدهم...!

يشكّل التراث الفكري العربي أحد أبرز مكوّنات الهوية الثقافية في المنطقة، إلا أن بعض ملامحه الحديثة تأثرت بسياقات تاريخية معقدة، أبرزها تجربة الاستعمار وما خلّفته من حساسيات تجاه الغرب. هذا التأثير ظهر في صورة خطاب يتّسم أحيانًا بالعداء غير المبرر للقوى الغربية، وكأنه امتداد نفسي لصراعات تاريخية لم تُحسم على مستوى الوعي الجمعي. ومع ذلك، فإن هذا النمط من التفكير لا ينطبق بنفس الحدة على جميع الدول العربية، إذ يبدو أقل حضورًا في دول الخليج، وخصوصًا المملكة العربية السعودية، التي لم تعش تجربة الاستعمار المباشر بالشكل الذي شهدته دول عربية أخرى.

هذا الاختلاف التاريخي انعكس على طبيعة العلاقات الدولية، حيث تتبنى دول الخليج مقاربة أكثر براغماتية تقوم على المصالح والتوازنات، بدلًا من الانطلاق من مواقف أيديولوجية أو ردود فعل عاطفية تجاه الغرب. ففي عالم تحكمه موازين القوة، لا يمكن تجاهل حقيقة أن القوى الغربية ما زالت تتصدّر المشهد العالمي من حيث التفوق التقني والعسكري والاقتصادي، وهو ما يجعل التعامل معها ضرورة إستراتيجية لا خيارًا فكريًا.

إن الإصرار على تبني خطاب صراعي غير مستند إلى مبررات واقعية يتعارض مع طبيعة العلاقات الدولية الحديثة، التي تقوم على المصالح المتبادلة والتشابك الاقتصادي. فالعالم اليوم لم يعد ساحة لصراعات أيديولوجية بقدر ما هو شبكة معقدة من المصالح المشتركة، حيث تتقاطع السياسات مع الاقتصاد والتكنولوجيا بشكل غير مسبوق. ومن هذا المنطلق، فإن الاستمرار في استحضار صراعات الماضي دون إعادة تقييمها في ضوء الحاضر لا يسهم إلا في إضعاف فرص التنمية والانخراط الفعّال في النظام العالمي.

لا يعني ذلك إنكار قيمة التراث الخطابي العربي، فهو يحمل أبعادًا جمالية وثقافية مهمة، لكنه في صورته التقليدية لا يكفي لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية ملموسة. فالمواقف الدولية لا تُبنى على البلاغة أو الشعارات، بل على مزيج من القوة والواقعية السياسية والقدرة على التأثير. لذلك، فإن أي موقف عدائي يجب أن يستند إلى أسباب واضحة ومقنعة، لا أن يكون مجرد انعكاس لتراكمات تاريخية أو مشاعر غير محسوبة.

في المقابل، تقدّم دول الخليج نموذجًا مختلفًا يقوم على تجاوز عقد الماضي والتركيز على بناء علاقات دولية قائمة على المصالح الاقتصادية والتنموية. وقد ساهم هذا التوجه في تحقيق مستويات ملحوظة من النمو والاستقرار، مما يعزز فكرة أن البراغماتية السياسية قد تكون أكثر فاعلية من الخطابات الأيديولوجية في عالم سريع التغيّر.

00:13 | 9-04-2026

أعطني «النأي»... وغني !

في الوقت الذي تتعرّض فيه المنطقة لتحوّلات إقليمية عميقة، يطل علينا من يرى أن إيران لا تشكّل خطراً حقيقياً على العالم العربي بحجة بُعدها الجغرافي عن بعض الدول. هذه النظرة المحدودة لا تصمد أمام منطق السياسة، إذ يمكن لأي طرف آخر أن يستخدم الحجة نفسها ليقول إن إسرائيل ليست خطراً على العرب البعيدين عنها. إنها سردية تتناقض تماماً مع فكرة الوحدة العربية والمصير المشترك التي طالما شكّلت ركيزة الخطاب القومي لعقود طويلة.

فالمنادون بالوحدة يرون أن العالم العربي كتلة واحدة، وأن أي تهديد يستهدف دولة من دوله يجب أن يُعتبر خطراً على الجميع. هذه الرؤية التي ترسّخت في الفكر العربي الحديث تؤكد أن الأمن العربي لا يتجزأ، وأن ما يحدث في الخليج أو في المشرق أو في شمال أفريقيا له أثر مباشر على استقرار المنطقة بأكملها. بيد أنه في كل مرة يتعرّض فيها الخليج العربي للتهديد تتغيّر المعادلة الفكرية تماماً، لدرجة أن هنالك من يرى أن إيران ليست خطراً على الدول العربية مطلقاً!

اليوم، يواجه الخليج العربي تهديداً واضحاً من دولة مارقة قامت بقصف الأعيان المدنية وتهديد السلم الإقليمي والدولي. ومع ذلك، جاءت الإدانات العربية باهتة ومتأخرة، لتعيد إلى الأذهان مشهد الغزو العراقي للكويت عام 1990، حين انشغل بعض المثقفين العرب بتبرير العدوان أو بمساواة الضحية بالجلاد. هذا التردد في المواقف يكشف عمق الأزمة في الخطاب العربي المشترك، الذي فقد بوصلته تجاه الأخطار الحقيقية.

لقد أثبتت التجربة الخليجية أن القوة تكمن في الوحدة. فتماسك دول الخليج هو ما جعلها قادرة على تحييد التحديات ومواجهة الأزمات بثقة، دون انتظار دعمٍ من «أطفال اليسار العربي» الذين لا يحضرون عادة إلا بعد فوات الأوان. خلال العقود الأخيرة، برهنت الدول الخليجية أن لديها مشروعاً عربياً ناجحاً، قائماً على الاستقرار والفاعلية، لا على الشعارات. وفي هذا التجمع يبرز الثقل السياسي والجغرافي الذي تمثله المملكة العربية السعودية باعتبارها أساس النفوذ الخليجي وقوته.

ومع ذلك، ما زال بعض الخطاب العربي يحاول التقليل من هذا الدور، وحصره في النفوذ المالي فقط، متجاهلاً مظاهر القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية التي رسّخت حضور الخليج ركيزةً رئيسيةً في توازنات المنطقة.

اليوم، تبدو الحاجة ماسة إلى مراجعة شاملة لمفهوم الوحدة العربية، لتُفهم على أنها مسؤولية جماعية لا شعاراً عاطفياً. فالصمت أو النأي بالنفس لحظة تهديد الحلفاء يفرغ الوحدة من معناها، ويترك الباب مفتوحاً أمام تكرار المآسي العربية.

00:19 | 2-04-2026

وما هذه الأحجار الخرساء إلا ذاكرة.. ذاكرة مدينة!

لقد كانت هذه لندن؛ مدينة السحر والدهشة، مدينة تختزن في طبقاتها الزمنية حكايات لا تنتهي. سنوات من الذاكرة والحياة والعصور تتراكم في صمت، حتى تغدو الجدران كأنها كائنات حيّة تهمس بما شهدته. فليس كل مبنى مجرد أحجار صُفّت على عجل، بل هو بناء للذاكرة، يختزل في داخله أعماراً من الحياة، وأجيالاً من البشر، وانعكاسات متغيّرة لروح الإنسان عبر الزمن. ولقد كان سؤالي الساذج في ذلك العمر الغابر: لماذا هذه المباني القديمة؟ أين روح الإنسان، ودمغة العصر التي تفرض حضورها على كل شيء؟

ثم يأتيك العجب حين تكتشف أن هذه المباني ليست ملكاً لساكنيها، بل للمدينة، لتراثها، لتاريخها الممتد. ليس من السهولة بمكان أن تغيّر ملامحها، أو تهدمها لتقيم مكانها بناءً حديثاً يخلو من الذاكرة. وكنت أقول لنفسي: كيف يمكن لهذه العاصمة أن ترفض الحداثة؟ كيف تصر على الاحتفاظ بما يبدو قديماً في عالم يركض نحو الجديد؟ لكن مع مرور السنين وتراكم التجارب، يتبدل السؤال ذاته، ويصبح الفهم أعمق: هذه الأحجار ليست مجرد مادة، بل تاريخ حي، وذاكرة جمعية، وشواهد على عصور متفرقة تتجاور دون صراع.

إن هذا الفهم يلتقي مع ما تطرحه بعض النظريات الحديثة في علم الاجتماع الحضري، مثل فكرة «الذاكرة الجمعية» التي ترى أن المدن ليست مجرد فضاءات مادية، بل حوامل للهوية المشتركة، ومخازن للخبرة الإنسانية. كما تتقاطع مع نظريات «الهوية المكانية» التي تؤكد أن الإنسان لا ينفصل عن المكان، بل يتشكّل وعيه من خلال علاقته به، وأن فقدان المعالم التاريخية هو في جوهره فقدان لجزء من الذات.

فعلاً، هذه من الأفكار الجميلة التي تسهم في الحراك السياحي والثقافي؛ فالأبنية ليست مجرد واجهات، بل روح البلاد وشاهدها الصامت. وهي ملمح فريد لا يتكرر، يمنح كل مدينة طابعها الخاص الذي لا يمكن استنساخه. من خلالها يستطيع الزائر أن يبني علاقة حميمية مع المكان، وأن يشعر بروح الإنسان الذي مرّ من هنا، عاش وترك أثره. وهذا ما لا توفره المدن الحديثة المتشابهة، التي وإن بدت متقنة، إلا أنها تفتقر إلى العمق الزمني والوجداني.

ومن القرارات الجميلة في المملكة إعادة ترميم القصور القديمة وتحويلها إلى مزارات سياحية، في خطوة تعكس وعياً متنامياً بقيمة التراث. ولعل من المهم أيضاً أن يُصار إلى تحديد مجموعة من المباني التاريخية التي يُمنع تجديدها أو هدمها، لتبقى شاهداً على الماضي، وحافظة لذاكرة المدينة. فالحفاظ على هذه المعالم ليس ترفاً جمالياً، بل ضرورة ثقافية وهوية حضارية، تضمن أن يبقى للمدن قلب نابض، لا مجرد هياكل بلا روح.

00:05 | 26-03-2026

آدم سميث في «حي الوزارات»!

تذهلك فكرة الترابط الإنساني الحضاري العالمي حين تشاهدها وهي تبدأ من صورة بسيطة لكنها عميقة الدلالة، من خلال حضور أفكار الماضي في تفاصيل الحاضر اليومية. فحين تنظر إلى أحوال العالم تتفاجأ كيف ترابطت العصور مع بعضها البعض، وكيف عاشت شخصيات فكرية كبرى بعد وفاتها بآلاف السنين. هذه هي ميزة الحضارة التي لا تنفصل عن الإنسان، بل تشكّل جزءًا من كيانه المتجدّد، فالإنسان قادر على التغيّر والتكيّف مع العصور المتبدلة دون أن يفقد جذوره العميقة.

الحضارة في جوهرها ليست محلية أو منغلقة، بل هي واحدة حول العالم، تتغذى من تفاعل الشعوب وتبادل الخبرات والمعارف عبر الزمن. إن الأثر الفكري لا ينتهي ولا ينضب، لأنه ينتقل من جيل إلى جيل ويتجسّد في مؤسسات وأنظمة وأفكار جديدة. فنجد أرسطو حاضرًا في مبادئ الدساتير الحديثة، ونلمح آدم سميث في السياسات الاقتصادية المعاصرة وكأنه يعيش في حي الوزارات حيث تتخذ القرارات المالية وتدار البنوك وتتشكّل ملامح الاقتصاد الوطني. كما نجد الخوارزمي حاضرًا في التقنيات الرقمية وفي مراكز الابتكار في وادي السيليكون وفي الصين، حيث تقوم الثورة التقنية على أسس رياضية وضعها قبل قرون.

نعم، إنه عالم واحد يساهم في بنائه كل إنسان حسب دوره وقدرته، وهذا ما يجعل مصيرنا مشتركًا على نحو غير مسبوق في التاريخ. فمصير البشرية اليوم مترابط بشكل عميق يجعل الاستقرار العالمي حاجة ملحة، وليس مجرد خيار فكري أو سياسي. وقد وصف توماس فريدمان هذا الواقع بدقة عندما قال: إن العالم أصبح مسطحًا، أي أكثر ترابطًا وتشابكًا مما كان عليه من قبل. فالتقنية والاقتصاد والاتصال ألغت الكثير من الحواجز وقرّبت المسافات بين الشعوب والثقافات، وأتاحت فرصًا غير مسبوقة للتعاون والازدهار.

إن العولمة بهذا المعنى ليست تهديدًا، بل فرصة لتعزيز الترابط الإنساني وبناء مستقبل مشترك يقوم على الفهم المتبادل والتكامل الاقتصادي والثقافي. ولذلك فإن دعم هذا الترابط الدولي يصبح ضرورة لتحقيق الازدهار العالمي وضمان استقرار المجتمعات في عالم لا يمكن لأي دولة أن تعيش فيه بمعزل عن الآخرين.

فكل تحدٍ يواجه جزءًا من العالم سرعان ما يمتد أثره إلى بقية الأجزاء، سواًء كان اقتصاديًا أو بيئيًا أو صحيًا، كما شهدنا في الأزمات العالمية الحديثة. وهذا يفرض على الدول والمؤسسات والأفراد أن يعيدوا التفكير في طبيعة علاقاتهم، وأن يعملوا بروح الشراكة لا المنافسة الصفرية.

الحضارة الإنسانية هي قصة ترابط مستمر لا يتوقف، حيث يلتقي الماضي بالحاضر ويشكلان معًا ملامح المستقبل الذي نصنعه جميعًا بإسهاماتنا المختلفة، وهو ما يدعونا إلى تحمّل المسؤولية الجماعية والعمل بوعي أكبر للحفاظ على هذا الترابط وتعزيزه للأجيال القادمة حتى يظل العالم فضاءً للتعاون لا للصراع، ومصدرًا للأمل والتنمية المستدامة التي يستحقها كل إنسان على وجه الأرض جمعاء.

00:04 | 19-03-2026

في السياسة.. الجغرافيا تقول «كل شيء» لأنها «أهم شيء» !

كان للرئيس الفرنسي شارل ديغول أسلوبه الخاص في فهم العالم والتعامل مع التحديات التي تواجه بلاده. فعندما كان يواجه قضية تستدعي التفكير العميق والتقدير الإستراتيجي، لم يكن يبدأ بالتقارير المطولة أو التحليلات السياسية المعقدة، بل كان يطلب من مساعديه إحضار خريطة للعالم ويبسطها أمامه.

كان يتأمل الحدود، ويتفحّص مواقع الدول ومساحاتها، ويقدّر من خلالها أوزانها الحقيقية. ومن خلال هذا التأمل في الجغرافيا كان يقرأ حركة السياسة الدولية ويفهم اتجاهاتها. فبالنسبة له لم تكن الجغرافيا مجرد خطوط مرسومة على الورق، بل كانت مفتاحًا لفهم السياسة ومحركًا أساسيًا من محركاتها. فمن خلال الموقع والمساحة والحدود والموارد تتشكّل كثير من القرارات السياسية، وتتحدد إلى حد بعيد موازين القوة بين الدول.

في السياسة الدولية، كثيرًا ما يُقال إن الجغرافيا ليست مجرد خلفية للأحداث، بل هي العامل الذي يفسّر الكثير منها. فالجغرافيا، بما تحمله من موقع ومساحة وموارد وحدود، تشكّل الحقيقة الأكثر ثباتًا في عالم السياسة. وقد تتغيّر الأنظمة، وتتبدل التحالفات، وتتصاعد القوى الاقتصادية أو تتراجع، لكن الجغرافيا تبقى العنصر الثابت الذي يحدد إلى حد كبير مكانة الدول ودورها. وفي عالم اليوم تبرز المملكة العربية السعودية مثالًا واضحًا على أهمية الجغرافيا في فهم السياسة وموازين القوة.

إن الجغرافيا السياسية تمثل أحد أهم مصادر قوة الدولة وتأثيرها في محيطها الإقليمي والدولي. وقد لا يظهر هذا العامل بوضوح في فترات الاستقرار والرخاء، حين تبدو القوة الاقتصادية أو التكنولوجية وكأنها قادرة على تعويض كل شيء. لكن عندما تقع الأزمات الكبرى، سواء كانت سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، تعود الجغرافيا لتفرض نفسها باعتبارها العنصر الأول الذي يحدد قدرة الدول على التأثير والصمود. ففي لحظات التحوّل الكبرى يتذكر العالم أن الدول تستمد ثقلها الإستراتيجي أولًا من موقعها الجغرافي قبل أي شيء آخر.

خلال فترات الازدهار، قد تنتشر سرديات سياسية وفكرية توحي بأن الثروة وحدها كافية لبناء القوة، أو أن الاقتصاد قادر على تجاوز قيود الجغرافيا. غير أن الأحداث الكبرى غالبًا ما تكشف محدودية هذه الرؤية. فالجغرافيا تظل الأساس الذي تقوم عليه بقية عناصر القوة، سواء كانت اقتصادية أو عسكرية أو دبلوماسية. ومن دون موقع جغرافي مهم أو عمق إستراتيجي مناسب، يصعب على أي دولة أن تحافظ على دور مؤثر في محيطها.

من أهم عناصر قوة الدول حجمها الجغرافي وموقعها الإستراتيجي. فالدول ذات المساحات الواسعة تمتلك عادة عمقًا إستراتيجيًا يمنحها قدرًا أكبر من القدرة على المناورة والتأثير، كما أن الموقع الجغرافي يمكن أن يحوّل الدولة إلى نقطة ارتكاز في التوازنات الإقليمية والدولية. وهذا ما نشهده بوضوح في منطقة الخليج العربي، حيث تمثل المملكة العربية السعودية العمق الإستراتيجي لدول مجلس التعاون الخليجي، ليس فقط بحكم مساحتها الكبيرة، بل أيضًا بسبب موقعها الذي يربط بين آسيا وأفريقيا ويشرف على أهم الممرات الحيوية للطاقة والتجارة العالمية.

انطلاقًا من هذا الموقع، تلعب السعودية دورًا محوريًا في استقرار المنطقة وفي ضمان استمرارية إمدادات الطاقة إلى العالم. فاقتصاد العالم الحديث لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على تدفق الطاقة بشكل آمن ومستقر، وهو ما يجعل لدول الخليج عمومًا، وللسعودية على وجه الخصوص، أهمية إستراتيجية تتجاوز حدودها الإقليمية. ولذلك فإن الدور الذي تضطلع به المملكة في هذا المجال لا يقتصر على مصالحها الوطنية فحسب، بل يمتد ليشمل الاستقرار الاقتصادي العالمي، وهو دور تتعامل معه بمسؤولية كبيرة وبحسابات دقيقة.

وتعلّمنا الجغرافيا أيضًا أن التهديدات التي تواجه الدول ليست متشابهة، بل تختلف باختلاف المواقع والظروف الإقليمية. فما قد يبدو تهديدًا ثانويًا لدولة بعيدة جغرافيًا قد يكون خطرًا مباشرًا لدولة تقع في قلب التوترات الإقليمية. وفي حالة دول الخليج، كان موقعها الجغرافي يجعلها أكثر حساسية تجاه التحوّلات في البيئة الإقليمية المحيطة بها. ولذلك فإن إدراك طبيعة التهديدات يتطلب فهمًا عميقًا للجغرافيا السياسية للمنطقة.

خلال العقود الأربعة الماضية، شكّلت إيران أحد أبرز التحديات الأمنية لدول الخليج. فالقرب الجغرافي، إلى جانب التوترات السياسية والإستراتيجية، جعل من هذا الملف عنصرًا أساسيًا في معادلات الأمن الإقليمي. ومن هنا فإن فهم سياسات دول الخليج ومواقفها لا يمكن أن يكون كاملًا من دون إدراك تأثير الجغرافيا في تشكيل رؤيتها الأمنية والإستراتيجية.

وهكذا ندرك أن الجغرافيا تظل العامل الأكثر ثباتًا في عالم السياسة. فقد تتغيّر الأدوات والوسائل، لكن الموقع والمساحة والبيئة الإقليمية تبقى عناصر حاسمة في تحديد مكانة الدول وأدوارها. والسعودية، بحكم موقعها وعمقها الجغرافي ودورها في منظومة الطاقة العالمية، تمثل مثالًا واضحًا على كيف يمكن للجغرافيا أن تصنع التأثير السياسي والإستراتيجي للدول.

00:16 | 12-03-2026