أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1785.jpg&w=220&q=100&f=webp

سلطان السعد القحطاني

مضت أيام الدم.. وانتصرت السعودية على الإرهاب

كصحافي عايش عن قرب سنوات الإرهاب التي ضربت العاصمة الرياض، أستطيع اليوم أن أستشعر بوضوح حجم التحوّل الذي تعيشه المملكة العربية السعودية. لم تكن تلك السنوات عابرة في الذاكرة الوطنية؛ كانت أياماً عصيبة ومؤلمة، شهدت جرائم مرعبة استهدفت الأمن والاستقرار، وزرعت الخوف في المجتمع. أكثر من عشرات الحوادث الإرهابية، بتوقيتها العنيف ورسائلها الدموية، كانت كفيلة بإسقاط دول أو إدخالها في دوامات فوضى طويلة الأمد. غير أن ما حدث في السعودية كان مختلفاً؛ إذ واجهت الدولة تلك التحديات بشجاعة وحسم، مستندة إلى تماسك مؤسساتها ودعم مجتمعها.

لقد شكّلت تلك المرحلة اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على حماية نفسها ومواطنيها. ومع مرور الوقت، تراجعت الأعمال الإرهابية بشكل لافت حتى انخفضت إلى مستوى الصفر، في مؤشر واضح على نجاح الاستراتيجية الشاملة التي انتهجتها المملكة. لم يكن الأمر مجرد مواجهة أمنية تقليدية، بل كان مشروعاً متكاملاً لمحاربة التطرف من جذوره، أمنياً وفكرياً في آنٍ واحد. فإلى جانب الجهود الاستخباراتية والميدانية الدقيقة، أطلقت برامج فكرية متخصصة، وعزّزت الخطاب الديني الوسطي، وفتحت المجال أمام مراجعات فكرية عميقة ساهمت في تحصين المجتمع.

هذا التحوّل لم ينعكس فقط على الجانب الأمني، بل أسهم أيضاً في تعزيز مسار الانفتاح الذي تشهده المملكة اليوم. أصبحت السعودية أكثر حضوراً على الساحة الدولية، وأكثر ثقة في تقديم نموذجها الخاص في التحديث والتنمية، دون التفريط في هويتها. ويعد ذلك دليلاً مُهماً على التغيير الذي شهدته البلاد في السنوات الأخيرة، بقيادة طموحة تسعى إلى نقل المملكة إلى مرحلة جديدة قوامها الاستقرار والانفتاح والتنمية المستدامة.

ومن المهم التأكيد أن السعودية لم تكن يوماً دولة تطرف أو عدوة للأديان، بل هي دولة تعتز بخصوصيتها الدينية والثقافية. شعبها يحمل رؤية دينية عميقة، بحكم كونها مهد الإسلام ومنبع الرسالة، وهو ما يمنحها مسؤولية مضاعفة في ترسيخ قيم الاعتدال والتسامح. صحيح أن الإرهاب حاول استغلال بعض الشعارات الدينية لتبرير جرائمه، لكن المجتمع السعودي كان أول من اكتوى بناره، وأول من رفضه وواجهه.

إن سردية ربط السعودية بالتطرّف والإرهاب لم تعد ذات جدوى، بل تبدو اليوم بعيدة عن الواقع. فالدولة التي عانت من الإرهاب وواجهته بحزم، وتمكّنت من تحييد خطره وإبعاده عن مجتمعها، لا يمكن اختزالها في اتهامات قديمة أو تصوّرات نمطية. لقد كان هناك دور أمني حاسم، ودور فكري لا يقل أهمية، تكاملا ليقودا المملكة إلى بر الأمان في مرحلة بالغة الحساسية من تاريخ المنطقة.

ورغم محاولات بعض الخصوم إعادة إنتاج خطاب يربط السعودية بالإرهاب والتطرف، فإن الوقائع على الأرض تقول غير ذلك. التجربة السعودية في مواجهة الإرهاب تقدّم مثالاً على قدرة الدول على تحويل المحن إلى فرص، وعلى أن الحسم الأمني حين يقترن بالإصلاح الفكري والاجتماعي يمكن أن يصنع تحوّلاً حقيقياً ومستداماً.

منذ يومين

«اليمين» الذي لم يصافح «اليسار».. فنجا بعض البعض!

وأنت تنظر هذه الأيام لأحوال العالم العربي تستذكر الكثير من الفرص المهدرة. ولكن التاريخ يقدح لك في الظلام ألف شعلة. رحلة في تاريخ المنطقة تكشف كيف أن اليسار سلب من العرب الكثير من الوقت، والفرص والأجيال. شُوّهت سمعة اليمين تاريخياً، ولكن الأحداث أثبتت أنه كان أكثر عقلانية، وقدرة على البناء.

شهد العالم العربي في منتصف القرن العشرين صعود اليسارية العربية والتيارات الثورية المرتبطة بالاشتراكية والقومية الراديكالية، والتي رفعت شعارات كبرى عن التحرر والوحدة والعدالة الاجتماعية. غير أن هذه الشعارات، حين تحوّلت إلى أنظمة حكم، أدّت في كثير من الحالات إلى تقويض الدولة الوطنية، وتفكيك الاقتصاد، وتكريس الاستبداد باسم الثورة. في خضم هذا المد الجارف، برزت شخصيات سياسية امتلكت وعياً سياسياً مبكراً بخطورة اليسار العربي، وكان موقفها في حينه أشبه بشعاع لم يُفهم في وقته، بل وُوجه بالتخوين والتشويه.

يُعد كميل شمعون في لبنان نموذجاً واضحاً لهذا الوعي المبكر. فقد أدرك أن الناصرية واليسارية العربية لا تحمل مشروع دولة، بل مشروع هيمنة أيديولوجية عابرة للحدود. رفض شمعون محاولات جرّ لبنان إلى معسكر «الثورة العربية»، مدافعاً عن التعددية السياسية والاقتصاد الحر وسيادة الدولة اللبنانية. موقفه من جمال عبدالناصر لم يكن صراعاً شخصياً، بل رفض جذري لفكرة تصدير الانقلابات وإلغاء الخصوصيات الوطنية باسم القومية. وقد أثبتت التجارب اللاحقة أن كثيراً من الدول التي خضعت لذلك الخطاب فقدت استقرارها ومؤسساتها، بينما بقي لبنان، رغم أزماته، مساحة نسبية للحرية.

أما الملك فيصل بن عبدالعزيز، فيمثّل حالة أعمق وأكثر شمولاً في مواجهة اليسار العربي. فقد فهم مبكراً أن الاشتراكية العربية والناصرية ليستا مشروع نهضة، بل خطاب عاطفي يفتقر إلى التخطيط ويستنزف الموارد. واجه الملك فيصل هذا التيار بهدوء استراتيجي، معزّزاً مفهوم الدولة القوية، ومقدّماً الهوية الإسلامية كبديل حضاري جامع في وجه الأيديولوجيات المستوردة. استخدم النفط كأداة سياسية واقتصادية ذكية، لا كشعار ثوري، وسعى إلى بناء توازن إقليمي يحدّ من نفوذ اليسار العربي. رؤيته كانت بعيدة المدى، ولهذا اصطدم مباشرة مع التيارات الثورية التي رأت في مشروعه تهديداً لخطابها التعبوي.

وتبرز شخصية الحبيب بورقيبة في تونس كنموذج مختلف في مواجهة اليسار الراديكالي. فقد اختار طريق الإصلاح التدريجي وبناء الدولة الحديثة، رافضاً الانجرار وراء الخطاب الثوري السائد. ركّز بورقيبة على التعليم، وتحديث القوانين، وبناء مؤسسات الدولة، وخاصة في المجال الاجتماعي وحقوق المرأة. ورغم سلطويته السياسية، إلا أنه أدرك أن الثورة الدائمة والشعارات اليسارية لا تصنع مجتمعاً مستقراً، بل تؤدي إلى الفوضى وتعطيل التنمية.

إن القاسم المشترك بين الملك فيصل وكميل شمعون والحبيب بورقيبة هو إيمانهم بأولوية الدولة على الأيديولوجيا، وبأن بناء الأوطان يحتاج إلى عقلانية سياسية لا إلى حماسة ثورية. لقد وُصفوا في زمنهم بالرجعية أو العمالة أو معاداة «حركة التاريخ»، لكن ما جرى لاحقاً كشف أن كثيراً من الأنظمة اليسارية العربية انتهت إلى الاستبداد والانهيار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي. إن إعادة قراءة هذه التجارب اليوم ليست مجرد مراجعة تاريخية، بل درس سياسي يؤكد أن الوعي المبكر، وإن بدا معزولاً في لحظته، قد يكون الأكثر صدقاً على المدى البعيد.

00:00 | 5-02-2026

كان سبتمبر عاصفة العواصف.. وهذه المملكة لم تهتز..

في سبتمبر، حين اشتدت العواصف وتكاثفت الضغوط، بدت الصورة لدى بعض المراقبين وكأن المملكة العربية السعودية تقف على حافة اهتزاز سياسي أو أمني. غير أن قراءة متأنية لمسار الدولة وتاريخها تكشف أن ما جرى لم يكن سوى اختبار جديد يضاف إلى سلسلة طويلة من التحديات التي واجهتها المملكة وخرجت منها أكثر تماسكاً وثباتاً. فالدول لا تُقاس بردود الأفعال العابرة، بل بقدرتها على الصمود حين تتعالى الأصوات وتشتد الرياح.

كصحافي عاصر أحداثاً جساماً مرّت بها المملكة خلال العقود الأخيرة، أجد نفسي أنظر إلى بعض الأخبار وحملات الضغط الإعلامي الأجنبية بنوع من السخرية المهنية. إذ يبدو أن ممولي تلك الحملات يراهنون على أن الضجيج الإعلامي كفيل بإرباك القرار السعودي أو النيل من أمنه الوطني. غير أن هذا الرهان يتجاهل حقيقة أساسية: السعودية واجهت ما هو أعقد وأقسى من مقالات رأي أو مؤتمرات صحافية. لقد تعرّضت لضغوط سياسية وعسكرية مباشرة، ووقفت في قلب صراعات إقليمية ودولية، ومع ذلك لم تغيّر بوصلتها ولم تتخلَّ عن ثوابتها.

ما يميّز المملكة في مثل هذه اللحظات هو وضوح الرؤية وصلابة الموقف. فهي دولة تعرف وزنها الجغرافي والسياسي، وتدرك أن الاستجابة للابتزاز الإعلامي ليست خياراً. من يعتقد أن السعودية قد تهتز بسبب حملة إعلامية عابرة يخطئ في فهم طبيعة هذه الدولة. فهنا نتحدث عن كيان سياسي بُني عبر عقود من الكفاح والتضحيات، تحكمه أسرة ملكية تُعد الأعرق في الجزيرة العربية، ولم تُمنح هذه الأرض على طبق من فضة، بل شُيّدت وحدتها بالسيف والسياسة، وبحسّ تاريخي عميق بأهمية الاستقرار.

إن ثوابت المملكة ليست شعارات تُرفع عند الحاجة، بل هي مرتكزات راسخة لا تحيد عنها مهما تبدلت الظروف. ولهذا السبب، فإن محاولات التشكيك أو التقليل من شأنها غالباً ما تصطدم بجدار الواقع. فالسعودية ليست مجرد دولة بالمعنى التقليدي، بل هي فكرة عربية وإسلامية تشكّلت عبر التاريخ، وورثت مسؤولية إدارة قلب الجزيرة العربية، وأحسنت التعامل مع هذا الإرث بثقل ومسؤولية.

قد تستطيع بعض الدول شراء اليخوت الفاخرة أو تشييد ناطحات السحاب، لكن التاريخ لا يُشترى، والشرعية لا تُستورد. وهذا ما يميّز السعودية وريثة الإمبراطورية العربية والإسلامية، التي لا تبحث عن دور إقليمي أو دولي بقدر ما تجد الأدوار تتقاطر إليها بحكم مكانتها. وفي زمن العواصف، يبقى الثبات هو اللغة الأوضح، وتبقى المملكة مثالاً لدولة تعرف نفسها جيداً، فلا تهتز، ولا تنجرف مع العناوين العابرة.

00:02 | 29-01-2026

السعودية تدشن حقبة «اليمن اليمني»... والرسالة وصلت !

في لحظة مفصلية من مسار الأزمة اليمنية، دشّنت المملكة العربية السعودية ما يمكن وصفه بحقبة «اليمن اليمني»، وهي رسالة سياسية واضحة المعالم مفادها أن اليمن ليس ساحة مفتوحة للعبث أو لتصفية الحسابات الإقليمية، بل ملف استراتيجي تمسّ المملكة أمنه واستقراره، ولا يمكن القبول بتحويله إلى رهينة بيد المليشيات أو أصحاب الأجندات الضيقة.

الحسم السعودي لم يكن عسكرياً بقدر ما كان سياسياً وأخلاقياً، إذ أكّدت الرياض أن حماية اليمن تعني صون استقلال قراره، والحفاظ على وحدته الاجتماعية، وتمكين أبنائه من تقرير مستقبلهم بعيداً عن الابتزاز المسلح أو الوصاية الخارجية. ومن هذا المنطلق، شدّدت المملكة على أن أي حل لا يمكن أن يكون إلا «يمنياً يمنياً»، عبر الحوار والتوافق، لا عبر فرض الأمر الواقع بالقوة.

لقد تجلّى هذا الموقف بوضوح في تعامل السعودية مع أزمة حضرموت الأخيرة. فبدل الانجرار إلى منطق الاستقطاب أو دعم طرف على حساب آخر، تعاملت الرياض مع الأزمة بوصفها شأناً يمنياً داخلياً يتطلب الاحتواء لا التصعيد. تحركت مبكراً، وفتحت قنوات التواصل مع القيادات المحلية والاجتماعية، واحترمت خصوصية حضرموت كركيزة استقرار، رافضةً تحويلها إلى ساحة صراع أو منصة نفوذ لأي جهة مسلحة.

وكانت الرسالة السعودية في هذا السياق حاسمة: الأمن لا يُبنى بالمليشيات، ولا بتغليب طرف بالقوة، بل عبر مؤسسات الدولة، والتوافق المجتمعي، واحترام إرادة أبناء المحافظة. وهو ما عرّى الدور السلبي لبعض الأطراف، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي، الذي حاول توظيف الأزمة ضمن حسابات خارجية، بما يهدّد النسيج الحضرمي ويقوّض فرص الاستقرار.

إلى جانب الدور السياسي، أدركت المملكة أن الاستقرار لا يتحقّق دون معالجة الجذور الاقتصادية والإنسانية للأزمة. لذا جاءت حزم المساعدات السعودية لليمن ضمن رؤية شاملة، تستهدف تحسين معيشة المواطن، ودعم الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والطاقة، وتمكين الاقتصاد المحلي. فالفقر واليأس هما الوقود الحقيقي للصراعات، وأي مشروع سلام لا يضع الإنسان في صلب أولوياته محكوم عليه بالفشل.

هذه المساعدات لم تعزز فقط صمود المجتمع اليمني، بل دعمت حضور الدولة ومؤسساتها الشرعية، وأضعفت منطق السلاح والفصائل، في انسجام واضح مع الموقف السعودي الرافض لأي كيانات مسلحة خارج إطار الدولة، مهما كان غطاؤها السياسي.

ولم تقتصر جهود المملكة على الداخل اليمني، بل امتدت إلى الساحة الدولية، حيث لعبت دوراً دبلوماسياً فاعلاً في شرح تعقيدات المشهد اليمني، وإيصال الصوت اليمني الحقيقي. ففي المحافل الدولية، أكدت الرياض عدالة المطالب الجنوبية بوصفها قضية سياسية واجتماعية، مع رفض اختزالها أو احتكار تمثيلها من قبل أطراف مسلحة. تصريحات مندوب المملكة في الأمم المتحدة عبدالعزيز الواصل جسّدت هذا النهج القائم على الحلول السلمية، واحترام سيادة اليمن، ورفض تحويله إلى ساحة نفوذ.

هكذا، تؤسّس السعودية لمرحلة جديدة عنوانها: يمن مستقل، قراره بيد أبنائه، ومستقبله يُصاغ بالحوار لا بالبندقية. وهي رسالة وصلت، وستظل ترسم ملامح الطريق نحو يمن آمن ومستقر.

23:59 | 21-01-2026

وهكذا نعلن: بين بحرين يتشكّل مستقبل العالم..

وسوف نعلم أن البحر الأبيض المتوسط ليس مجرد مساحة مائية تفصل بين ثلاث قارات، بل هو بحق «أبو البحار» وأحد أهم مفاتيح الجغرافيا السياسية في العالم. فمنذ العصور القديمة، كان هذا البحر مركزاً للتجارة والحروب وتبادل الثقافات، وسبباً مباشراً في صعود وسقوط الإمبراطوريات. السيطرة عليه لم تكن يوماً مسألة ثانوية، بل كانت شرطاً أساسياً لبناء النفوذ والاستمرار في قيادة النظام الدولي.

ولا تقل أهمية البحر الأحمر عن نظيره الأبيض المتوسط، إذ يمثّل شرياناً حيوياً يربط الشرق بالغرب عبر باب المندب وقناة السويس. هذا البحر يتحكم في حركة التجارة العالمية، خاصة تجارة الطاقة والبضائع القادمة من آسيا إلى أوروبا. ولهذا فإن استقراره أو اضطرابه ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار النفط وسلاسل الإمداد.

إن البحرين الملونين؛ البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، يتوقف عليهما مصير المنطقة ككل، كما تتشكّل حولهما تحالفات المستقبل والاستراتيجيات القادمة. وفي حال اندلاع صراع كبير بين القوى العظمى، مثل الصين والولايات المتحدة، فإن هذين البحرين سيكونان مسرحاً رئيسياً لإدارة الصراع غير المباشر. فلا يمكن لروسيا أن تصبح قوة عالمية مؤثرة دون موطئ قدم في البحر الأبيض المتوسط، ولا يمكن للمشروع الصيني الضخم، المعروف بطريق الحرير، أن يحقّق أهدافه دون ضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر.

وتتداخل مع هذه المعادلة قضايا حيوية أخرى، مثل سد النهضة، الذي يمثّل مثالاً واضحاً على استخدام الموارد المائية كأداة استراتيجية. كما تعيد حكايات السد العالي إلى الأذهان كيف يمكن لمشروع مائي واحد أن يغيّر موازين القوة، ويعيد رسم العلاقة بين الجغرافيا والسياسة والأمن القومي.

ويؤكد التاريخ أن الإمبراطوريات الكبرى لم تنجح إلا عندما سيطرت على البحر الأبيض المتوسط، سواء عبر الأساطيل العسكرية أو النفوذ التجاري. واليوم، نشهد تزاحماً واضحاً بين روسيا وأمريكا وحلف الناتو وإسرائيل، حيث تتنافس هذه القوى على القواعد العسكرية وخطوط الطاقة والممرات البحرية. هذه المحاولات المتسارعة للسيطرة سيكون لها تأثير مباشر على خريطة المنطقة ومستقبلها السياسي والأمني.

وفي هذا الإطار، يبرز الدور السعودي في البحر الأحمر كدور متميّز وعقلاني، يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي. فالمملكة تنظر إلى البحر الأحمر بوصفه جزءاً أصيلاً من أمنها الاستراتيجي. كما تبرز أهمية التنسيق السعودي المصري، خاصة أن السعودية تعد أكبر دولة مطلة على البحر الأحمر، ما يجعل حماية هذا الممر الحيوي ضرورة لأمن الطاقة وضمان استقرار أسواق النفط العالمية.

00:06 | 15-01-2026

في السياسة والتحالفات: البحر.. وما أدراك ما البحر!

الجغرافيا تتغيّر ولكن البحر حقيقة ثابتة. هذا ما تراه وأنت تنظر إلى خريطة العالم، متأملاً حدوده، متفحصاً مواقع النفوذ، ومكامن الخطر، باعتبار أن البحار أكثر من مجرد مسطحات مائية، بل هي أحد أعمدة القوة في النظام الدولي، ودليل نفوذ وفاعلية في العلاقات الدولية. الممرات البحرية لم تعد مسألة جغرافيا فقط، وإنما تحوّلت إلى عنصر مركزي في معادلات الأمن القومي، والاقتصاد السياسي، وصناعة النفوذ. ومن هنا ظهر مصطلح «الدول الحبيسة»؛ ليعبّر عن حقيقة سياسية قاسية: الدولة البعيدة عن البحر غالباً ما تكون بعيدة عن التأثير العالمي.

وبصفتي باحثاً في العلاقات الدولية، تستوقفني دائماً النظريات التي لا تبقى حبيسة الكتب، بل تجد لها صدى واضحاً على أرض الواقع. ومن أبرز هذه النظريات تلك التي ربطت بين السيطرة على البحر وصعود القوى العظمى. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، وضع ألبرت ثاير ماهان الأساس الفكري للاستراتيجية البحرية الحديثة، حين أكد أن القوة البحرية هي مفتاح التفوق الاقتصادي والعسكري. فالدول القادرة على حماية طرق التجارة البحرية، وتأمين أساطيلها، وفرض حضورها في البحار، هي دول تمتلك أدوات الردع والتأثير.

وتكتسب هذه الرؤية أهميتها اليوم في ظل حقيقة أن أكثر من 80% من التجارة العالمية تمر عبر البحر. فالممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز، قناة السويس، ومضيق ملقا تمثل نقاط اختناق حيوية، يمكن لأي اضطراب فيها أن يهز الاقتصاد العالمي. ولذلك، لا تُقاس قوة الدول فقط بحجم جيوشها البرية، بل بقدرتها على تأمين هذه الشرايين البحرية أو تهديدها.

إلى جانب التجارة، يمثّل البحر مجالاً حيوياً للأمن القومي. فالدول الساحلية تواجه تحديات متزايدة، من القرصنة إلى تهريب السلاح والهجرة غير النظامية، ما يجعل السيطرة البحرية ضرورة لحماية السيادة الوطنية. كما أن البحار تزخر بالموارد الطبيعية، من النفط والغاز إلى الثروة السمكية والمعادن النادرة، وهو ما يفسر تصاعد الصراعات حول الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة.

في هذا السياق، قدّم نيكولاس سبايكمان رؤية جيوسياسية أكثر ارتباطاً بالواقع المعاصر، من خلال نظريته حول «الهلال الخارجي» أو Rimland. فعلى خلاف ماكيندر الذي ركّز على قلب اليابسة، رأى سبايكمان أن السيطرة على المناطق الساحلية المطلة على البحار هي مفتاح الهيمنة العالمية. هذه المناطق تجمع بين الكثافة السكانية، والموارد الاقتصادية، والوصول إلى الممرات البحرية، ما يجعلها مركز الثقل الحقيقي في السياسة الدولية.

ولعل تطبيقات هذه النظرية تتجلى بوضوح في الاستراتيجيات الأمريكية، سواء خلال الحرب الباردة أو بعدها، حيث شكّلت التحالفات البحرية، وحماية الممرات الدولية، وانتشار الأساطيل، أدوات رئيسية لإدارة التوازنات العالمية.

وهذا يعني أن البحر ليس مجرد خلفية جغرافية للصراع الدولي، بل هو أحد ميادينه الأساسية. ومن يسيطر على البحر، يملك مفاتيح التجارة، والأمن، والتحالفات، وبالتالي يقترب أكثر من فهم كيف يُحكم العالم.

00:01 | 8-01-2026

تلك الليلة الطويلة.. «ووترغيت» حيث قصة القصص..!

لطالما كانت وظيفة الإعلام هي الدوران حول محور الأزمات، ومحاولة صناعتها، أو استخدامها والبناء عليها، ذلك أنه لا يمكن وجود إعلام حقيقي دون وجود أزمات، وإلا أصبح مجرد إعلام دعائي لا وهج له، ولا لون، ولا رائحة. حين نتذكر الأزمات العالمية الكبرى نجد أن الإعلام كان له دور كبير، في الصورة الكبيرة، سواء من خلال كشف قضية معينة، أو إعادة بعثها من جديد.

لا يمكننا أن ننسى واحدة من أعظم القصص الصحافية المهمة، التي تحوّلت إلى بركان كبير، وأزمة لا تنسى في تاريخ الصحافة العالمية. إنها فضيحة «ووترغيت» ودور «واشنطن بوست» في كشف هذه الأزمة وصناعتها.

لقد تحوّلت تلك القصة إلى واحدة من ألمعيات الدهر في عالم الصحافة، ودليل راسخ وباقٍ حول أهمية الإعلام بالنسبة للأزمات والعكس. ففي تلك الليلة يتلقّى بوب وودورد اتصالاً مزعجاً في ليلة عطلته، وبعدها تبدأ ساعة الرمل في التسرّب قصصاً وحكايات!

هذه القصة والكثير مما يشبهها تؤكد كيف أن الإعلام أصبح واحداً من أهم أدوات القوة الناعمة في العصر الحديث، إذ لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح فاعلاً رئيسياً في تشكيل الوعي، وصناعة الرأي العام، وإدارة الأزمات، والتأثير في القرار السياسي داخلياً وخارجياً. وتنطلق مقولة إن «الإعلام يعيش ويتغذى على الأزمات» من واقع عملي يؤكد أن الأزمات تمنح الإعلام حيويته وتأثيره، بينما يمنحها الإعلام بدوره الزخم والامتداد والتأثير.

فالتاريخ الإعلامي حافل بأمثلة تؤكد هذا الترابط، ولعل فضيحة «ووترغيت» نموذج بارز على قدرة الإعلام على تحويل حدث محدود إلى أزمة سياسية كبرى أطاحت برئيس الولايات المتحدة، ما يبرز دور الصحافة كسلطة رقابية وكقوة ناعمة قادرة على إحداث تغيير عميق دون استخدام القوة الصلبة. ومن هنا يتضح أن الإعلام لا يكتفي بتغطية الأزمات، بل يشارك في صناعتها، وإدارتها، وتفسيرها، بل وحتى في مرحلة ما بعد انحسارها.

ويبرز دور الإعلام في الأزمات عبر مراحل متعددة، تبدأ بإدارة القضايا من خلال مراقبة البيئة وجمع المعلومات، ثم التخطيط لمنع الأزمات عبر بناء استراتيجيات اتصال وقائية، وصولاً إلى إدارة الأزمة ذاتها من خلال التدفق المستمر للمعلومات، وتوعية الجمهور، وشرح أبعاد الأزمة وآثارها. ولا ينتهي هذا الدور بانتهاء الأزمة، بل يستمر في مرحلة ما بعد الأزمة عبر تقييم الأداء، واستخلاص الدروس، وبناء استراتيجيات تمنع تكرارها مستقبلاً.

وعلى الصعيد السياسي، تمثّل الدعاية السياسية إحدى أبرز وظائف الاتصال السياسي، حيث تستثمرها الدول داخلياً لتعزيز الشرعية وبناء الولاء، وخارجياً لتحسين الصورة الذهنية وتبرير السياسات الخارجية. وقد أثبتت الدراسات أن وسائل الإعلام، رغم أنها لا تصنع القرار السياسي مباشرة، فإنها تلعب دوراً حاسماً في ترتيب أولوياته، وتسويغه أمام الجمهور، لا سيما في الأنظمة الديمقراطية.

أما في حروب المستقبل، فقد تراجع دور القوة العسكرية المباشرة لصالح القوة الناعمة، وفي مقدمتها الإعلام. فالحروب الحديثة تُدار بالعقول قبل الميادين، وتُكسب الشرعية عبر الشاشات قبل ساحات القتال. وقد شكّل دور وسائل الإعلام، مثل شبكة «CNN» في حرب الخليج، مثالاً واضحاً على كيفية توظيف الإعلام لتبرير الحروب وتوجيه الرأي العام العالمي. كما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي سلاحاً مؤثراً في النزاعات، لما تملكه من قدرة على النفاذ السريع والتأثير المباشر.

ويستخدم الإعلام السياسي أساليب متعددة للتأثير، مثل التنشئة السياسية، والتسويق السياسي، وصناعة الصور الذهنية، وأحياناً التلاعب بالمعلومات عبر تقنيات كغسل الأخبار، والاغتيال المعنوي، وإعدام الذاكرة، وهي ممارسات تؤكد أن الإعلام قوة خطرة بقدر ما هو قوة ناعمة.

الإعلام اليوم لم يعد مجرد وسيلة، بل أصبح بيئة كاملة تصنع الواقع، وتعيد تشكيل الوعي، وتؤدي دوراً محورياً في إدارة الأزمات، وصناعة السياسة، وحسم صراعات المستقبل، ما يجعله أحد أخطر وأهم أدوات القوة الناعمة في عالمنا المعاصر.

00:05 | 1-01-2026

صفقة في واشنطن: رحلة من المستقبل ومعه... وإليه

في خضم أخبار السياسة وصفقات التسلّح التي عادةً ما تتصدّر العناوين عند أي زيارة رفيعة المستوى إلى واشنطن، برزت خلال الزيارة الأخيرة لولي العهد السعودي زاوية مختلفة أقل صخبًا وأكثر عمقًا: التكنولوجيا المتقدمة، وبالتحديد أشباه الموصلات (الرقائق). فبينما انشغل كثيرون بالحديث عن الطائرات المقاتلة المتقدمة مثل F-35 وما تمثّله من رمزية عسكرية، بدا أن «صفقة الرقائق» هي العنوان الأهم من حيث الأثر الاقتصادي والإستراتيجي طويل الأمد.

أهمية الرقائق لا تكمن في كونها منتجًا صناعيًا فحسب، بل لأنها المدخل الأساسي لكل ثورة تقنية معاصرة. فالرقائق هي قلب الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والصناعات الدفاعية المتقدّمة، والاقتصاد الرقمي عمومًا. ومن هنا، فإن أي تعاون أو استثمار في هذا المجال يتجاوز منطق الصفقات التقليدية إلى بناء قاعدة تكنولوجية قادرة على نقل الاقتصاد إلى مستويات أعلى من الإنتاجية والتنافسية.

هذا الفهم ينسجم مع ما طرحه المفكر الاقتصادي الأمريكي روبرت سولو (Robert Solow) في نظريته الشهيرة حول النمو الاقتصادي. فقد بيّن سولو أن تراكم رأس المال – أي الاستثمار في المصانع والآلات – يساهم في النمو، لكنه يحقّق أثرًا مؤقتًا فقط. أما المحرك الحقيقي للنمو المستدام على المدى الطويل فهو التقدم التكنولوجي، لأنه يرفع كفاءة العمل ورأس المال معًا ويخلق قيمة مضافة لا يمكن بلوغها بالوسائل التقليدية.

تاريخ الاقتصاد العالمي يدعم هذا الطرح بوضوح. فبعد الحرب العالمية الثانية شهدت الدول الصناعية طفرة نمو غير مسبوقة، لم تكن نتيجة إعادة الإعمار فقط، بل نتيجة الانتشار الواسع للتقنيات الجديدة في الصناعة والنقل والإنتاج. ويعبّر عن هذه المرحلة – ولو بصورة ثقافية رمزية – فيلم بريطاني شهير من عام 1963 هو Summer Holiday، حيث يظهر عمال وميكانيكيون قادرين على قضاء عطلة صيفية، في دلالة على تحسن مستويات المعيشة واتساع الطبقة الوسطى بفضل التقدم الصناعي والتقني.

كما تقدّم كوريا الجنوبية مثالًا حيًا على قوة التكنولوجيا في تغيير مصير الدول. فمن دولة محدودة الموارد في ستينيات القرن الماضي، تحوّلت إلى قوة صناعية وتقنية عالمية عبر الاستثمار المكثف في التعليم، والتصنيع المتقدّم، ثم لاحقًا في أشباه الموصلات والإلكترونيات.

انطلاقًا من هذا السياق، يمكن فهم صفقة الرقائق – أو التعاون في هذا المجال – على أنها استثمار في المستقبل لا يقل أهمية عن أي صفقة عسكرية. فهي تمثّل رهانًا على بناء اقتصاد معرفي قادر على تحقيق نمو مستدام، وهو تمامًا ما أكده سولو: التكنولوجيا ليست عنصرًا مساعدًا للنمو، بل هي جوهره الحقيقي.

00:02 | 25-12-2025

هذا هو اقتصاد المستقبل ونفط السعودية الجديد

لم يكن الحديث عن السياحة مجرد طرح عابر، بل كان رحلة نحو المستقبل، مستقبلٍ نراه يتشكّل أمام أعيننا مع رؤية ولي العهد التي لا تتوقف عن دفع المملكة نحو آفاق جديدة. الأهداف أصبحت واضحة، فالسعودية تتجه بثبات نحو مستقبل آمن وقادر على مواجهة أي تقلبات اقتصادية عالمية، مستندة إلى رؤية عميقة لموقعها وقدراتها.

تتقدّم الرياض اليوم لتأخذ مكانها الطبيعي بين أهم عشر مدن في العالم. فالعاصمة التي بُنيت لبنة فوق أخرى طوال نصف قرن من قيادة الملك سلمان- باعتباره «أمير التنمية»- أصبحت مدينة عالمية بمعايير البنية التحتية والاستعداد للنمو. الرياض التي نعرفها اليوم تمتلك من الإمكانات ما يجعلها مؤهلة لاحتضان مشاريع نوعية ضخمة، وقادرة على استيعاب الزيادة السكانية، مقارنة بمدن كثيرة حول العالم لا تملك هذا الأساس المتين.

إن دخول الرياض إلى نادي المدن العالمية الكبرى ليس مجرد لقب، بل إعلان مرحلة جديدة تكون فيها المدينة محرّكاً أساسياً للاقتصاد الوطني.

هذا التحوّل يحمل معه فرصاً استثمارية واسعة، ووظائف نوعية، ومناخاً اقتصادياً سيصب في مصلحة جميع مدن المملكة، من خلال تدفق رؤوس الأموال وخلق منظومة اقتصادية متنوعة.

الرؤية اليوم واضحة: المملكة قادرة على العيش والتكيّف مع كل المتغيّرات. فليس النفط وحده من سيبني المستقبل، بل تعدد المبادرات التي تمزج بين العلم والفرص العالمية، وتستفيد من المزايا الضخمة التي تمتلكها السعودية في مواردها وموقعها وقدرات شبابها.

ويأتي صندوق الاستثمارات العامة ليكون المحرك العملي لهذا التحوّل، فهو يوفر أهم ما تحتاجه الدول للسير نحو الريادة: مناخ ملائم للكفاءات وللمشاريع وللمنتجات لتتحوّل إلى كيانات اقتصادية ضخمة. فجوهر التنمية لا يكمن فقط في المال، بل في البيئة التي تمكّن روّاد الأعمال والمبدعين من تحويل أفكارهم إلى استثمارات حقيقية.

في ظل التغيّرات العالمية المتسارعة، نرى كيف أصبح النفط عنصراً متراجعاً في المعادلة الاقتصادية الدولية، مع توجه الصناعات نحو الكهرباء والطاقة النظيفة. لم يعد الاعتماد على النفط خياراً آمناً للمستقبل، ولذلك تستعد المملكة لهذا التحوّل بشكل مبكر، مستفيدة من فرص هائلة تعهدت رؤية 2030 بتحويلها إلى مصادر دخل مستدامة.

ومن بين تلك الفرص، تبرز السياحة بوصفها «نفط السعودية الجديد». فالمملكة اليوم تقدّم مناخاً استثمارياً آمناً وموثوقاً، تحكمه قواعد الحوكمة ومكافحة الفساد، مما يجعل الاستثمار في السياحة وغيرها من القطاعات غير النفطية خياراً جذاباً وعالي الجدوى.

إن السعودية تسير بخطى واثقة نحو بناء اقتصاد متنوع ومستقبل مستدام، والرياض ستكون في قلب هذا التحوّل، مدينة عالمية تقود اقتصاداً عالمياً ناشئاً من أرض الفرص.

00:01 | 18-12-2025

العالم يتغيّر.. من ليفربول إلى جاكيت بوتين..!

قال بول ماكارتني، ركن فرقة البيتلز الركين: «ماذا لو علم والدي في ليفربول، حين منعني من الغناء، أن بوتين سيحضر حفلتي، وأنني سأغنّي في الساحة الحمراء في موسكو؟»

ويُروى أنه في تلك اللحظة انسلّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بين الحضور، فقال ماكارتني ضاحكاً: «رحِّبوا معي بالشخص الذي يلبس الجاكيت والذي انضم لنا مؤخراً!».

كانت تلك اللحظة الطريفة أكثر من مجرد تعليق عابر. فقد حملت رمزاً واضحاً على تغيّر وجه العالم، وتحوّل مركز الجذب من معسكرٍ اشتراكي مغلق إلى فضاء رأسمالي منفتح. فروسيا التي كانت يوماً أيقونة الشيوعية ومركز المعسكر الشرقي أصبحت اليوم أقرب للنموذج الرأسمالي من دول كثيرة كانت تنتقده. مشهد ماكارتني وهو يغني في الساحة الحمراء، بينما يقف بوتين بين الجمهور، ليس مجرد حدث فني، إنه تعبير عن رحلة طويلة قطعها العالم منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

لقد شهدت العقود الأخيرة تغيّراً هائلاً في موازين القوى الاقتصادية والفكرية. فالنظام الشيوعي، الذي اعتمد لسنوات على مركزية صارمة وقمع لكل أشكال المبادرة الفردية، وجد نفسه عاجزاً عن مواكبة التطوّر التكنولوجي والاقتصادي الذي انفجر في الغرب الرأسمالي. فالاقتصاد المقيّد بالخطط الخمسية والقرارات المركزية لم يستطع إنتاج بيئة ابتكار أو منافسة، وهو ما أدّى إلى تراجع الإنتاجية وتآكل القدرة على التطوّر.

وعلى الجانب الآخر، واصل النموذج الرأسمالي تحقيق قفزات مهمة بفضل ما يتيحه من حرية للحركة الاقتصادية، وتشجيع للمبادرة الفردية، واستقطاب للاستثمارات. ومع الوقت، باتت الرأسمالية تُقدَّم بوصفها بوابة الازدهار والتنمية، حتى لدى الدول التي كانت تعلن عداءها لها في السابق.

وتبرز الصين مثالاً صارخاً على هذا التحوّل. فهي لا تزال تحمل راية الحزب الشيوعي، لكنها في الواقع تطبّق شكلاً متقدّماً من «رأسمالية الدولة»؛ اقتصاد سوق ضخم يتحرك تحت إشراف حكومي لكنه يعمل بآليات تنافسية واضحة. لقد أدركت بكين أن التحرر الجزئي للسوق ضروري للنمو، ففتحت الباب أمام الاستثمار، والصناعة التصديرية، والتكنولوجيا. والنتيجة كانت واحدة من أسرع تجارب النمو الاقتصادي في التاريخ.

أما روسيا، فقد انتقلت بدورها من اقتصاد مركزي مغلق إلى اقتصاد يعتمد على الخصخصة والانفتاح التجاري. صحيح أن المسار لم يكن سهلاً ولا خالياً من التحديات السياسية، لكنه أسّس لواقع جديد يجعل موسكو أقرب إلى اقتصاد رأسمالي منها إلى إرثها السوفييتي.

ما يحدث اليوم ليس مجرد تغيّر اقتصادي، بل تحوّل فكري وثقافي في نظرة الدول إلى التنمية. فالشيوعية، رغم شعاراتها الاجتماعية، قيّدت النمو وضيّقت آفاق الابتكار، بينما فتحت الرأسمالية- بتنوع نماذجها- أبواباً واسعة للتقدّم.

وهكذا، من ليفربول إلى جاكيت بوتين، تتجسّد قصة عالم يعيد تشكيل نفسه، عالم أدرك أن ازدهاره يبدأ حين يتحرر من القيود، وينفتح على الممكن.

00:00 | 11-12-2025