أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1785.jpg&w=220&q=100&f=webp

سلطان السعد القحطاني

ولعلها رسالة إلى صحافي شاب... لعلها !

وها هي أمامي قطعة تنشرها «نيويورك ريفيو أوف بوكس» عن الكاتب والروائي الشهير روبرت لويس ستيفنسون. ومن لا يعرفه، يعرف بالتأكيد أعماله الأهم، وفي مقدّمتها «جزيرة الكنز» و«الحالة الغريبة للدكتور جيكل والسيد هايد»، وغيرها الكثير من الأعمال التي بقيت حيّة في ذاكرة الأدب العالمي.

سبب افتتاني بهذه القطعة البديعة ليس ستيفنسون وحده، وإنما الرحلة التي تكشفها عن الكاتب، وكيف جعل الشغف مفتاحه الأهم والأبقى للاستمرار في هذه الرحلة، مهما كانت قسوتها. فالكاتب، كما تكشف المقالة، لا يعيش بعيدًا عن الكتابة حتى عندما يبدو عاطلًا عنها.

يروي ستيفنسون عن نفسه، في اقتباس تنقله المقالة، أنه كان يحتفظ دائمًا «بكتابين في جيبه: واحد للقراءة، وآخر للكتابة». وكان يمشي وعقله مشغول بتحويل ما يراه إلى كلمات، وإذا جلس على قارعة الطريق قرأ أو أخرج قلمه ليدوّن ملامح المشهد. والأهم من ذلك كله أنه كان يفعل ذلك من أجل التدريب، لا من أجل منفعة عاجلة.

هذه الفكرة وحدها تستحق أن يتوقف عندها كل من يريد أن يكتب: أن تكتب ليس لأن لديك مشروعًا جاهزًا فحسب، وإنما لأن الكتابة نفسها تدريب دائم. ويذهب ستيفنسون أبعد من ذلك حين يتحدث عن تقليده لكتاب كبار مثل هازلت ولامب ووردزورث ومونتين، معتبرًا أن التقليد يمكن أن يكون طريقًا إلى الأصالة، لا نقيضًا لها.

ولعلها، في جوهرها، رسالة عن الانضباط في مهنة تحتاج إلى التركيز، خصوصًا في هذا العصر المزدحم بالمشتّتات. فالموهبة وحدها لا تكفي، والشغف، مهما كان كبيرًا، يحتاج إلى نظام يحميه من التبدّد.

تذكرت، وأنا أقرأ عن ستيفنسون، ما قرأته عن نجيب محفوظ، وكيف كان يهيئ جدوله الكتابي اليومي، محوّلًا الموهبة إلى مهنة منضبطة الإيقاع والتوقيت، وإلى مواعيد للكتابة لا محيص عنها مهما كانت الظروف. وربما هنا يكمن الفارق بين من يحب الكتابة ومن يحترفها: الأول ينتظر اللحظة المناسبة، أما الثاني فيصنع لها مكانًا في يومه.

وكان غازي القصيبي يصر على أن كثرة الواجبات الاجتماعية هي العائق الأول في مواجهة الكاتب والمبدع العربي؛ لأنها تبعده طويلًا عن عمله، وتفقده خيط الوصل مع مشروعه الإبداعي.

والكاتب صحافي، والصحافي كاتب، وبينهما تقاطعات كثيرة. فقد كان جورج أورويل روائيًا عظيمًا وصحافيًا مهمًا، وكذلك غابرييل غارسيا ماركيز، وغيرهما كثيرون. الصحافة تمنح الكاتب حس التفاصيل، والكتابة تمنح الصحافي القدرة على رؤية ما وراء الخبر.

ولعلها، في النهاية، رسالة إلى صحافي شاب: احمل كتابًا تقرأه، ودفترًا تكتب فيه، واحمِ شغفك بالانضباط. لا تنتظر أن تأتي الكتابة إليك؛ اذهب إليها كل يوم. فالمشروع الكبير لا يولد دفعة واحدة، وإنما يتشكّل من عادة صغيرة تتكرر حتى تصبح حياة.

وهنا تصبح حكاية الكتابين في جيب ستيفنسون هي العمود الفقري للمقال، بدل أن تكون مجرد معلومة عابرة؛ وهو ما يعطي النص رسالة أوضح للصحافي الشاب. ستيفنسون لم يكن مجرد مؤلف لـ«جزيرة الكنز» و«جيكل وهايد»، فحسب، بل كان في عصره يُعد من كبار كتّاب المقالة أيضًا، وهذه هي الرسالة أيها الشاب القادم إلى هذا العالم الصاخب.

00:04 | 13-08-2026

على ضفاف المشهد: الصحافة وبيتهوفن!

ليست الصحافة مهنة تُختزل في خبر أو عنوان عريض، بل هي حالة دائمة من البحث والاكتشاف. كلما ظن الناس أنها بلغت نهايتها، عادت لتولد في مكان آخر، كما تتجدّد الجداول في مجاريها، وتستعيد السهول والوديان خضرتها بعد المطر. إنها مهنة لا تعرف التقاعد، لأنها ترتبط بفضول الإنسان الأول ورغبته الأبدية في معرفة ما يحدث خلف الأبواب، وما يدور في الكواليس، وما تصنعه الأيام في حياة البشر. ولهذا وجدنا من أفنى عمره فيها حتى الرمق الأخير، لا طلباً لمنصب أو شهرة، بل وفاءً لشغف لا يهدأ.

الصحافة، في جوهرها، تبدأ من الخبر. فالخبر ليس سطراً يُقرأ ثم يُنسى، وإنما الشرارة الأولى التي تتوالد منها الأسئلة، وتنبثق منها القصة، وتتشكّل حولها الرواية، ويُكتب بها جزء من التاريخ. إنه الضربة الأولى التي تفتح أبواب المشهد، تماماً كما تبدأ سمفونيات بيتهوفن بنغمات حاسمة لا تترك للمستمع خياراً سوى الإنصات. ذلك الإيقاع الأول يشبه الخبر الحقيقي؛ خاطف، قوي، ومؤثر، لأنه يحمل في داخله وعداً بما سيأتي، ويستدرج العقل إلى رحلة من التأمل والتحليل.

ولعل أجمل ما تعلمناه من الصحافة أن للكلمة وزناً ومسؤولية. فليست كل الكلمات سواء، وليست كل الأخبار متشابهة. وقد أدرك أسلافنا هذه الحقيقة حين قالوا: «كلامنا لفظ مفيد كاستقم»، وكأنهم كانوا يضعون أول قاعدة في مدرسة الكتابة الصحافية؛ أن تكون الكلمة نافعة، مستقيمة، وواضحة، لا تضلل القارئ ولا تخونه.

من بعيد تبدو الصحافة مهنة سهلة؛ قلم، وورقة، وكاميرا، ومنصة للنشر. لكن من يقترب منها يكتشف أنها واحدة من أكثر المهن صرامة. فهي لا تمنح الاعتراف بسهولة، ولا تعترف إلا بمن يثبت جدارته يوماً بعد آخر. مرّ عليها آلاف الصحافيين، غير أن الذاكرة لم تحتفظ إلا بالقليل؛ أولئك الذين جعلوا من المهنة رسالة، ومن الحقيقة غايتهم الأولى، فتركوا أثراً بقي بعد غيابهم.

تذكرت وأنا أستعيد هذه المعاني كتاب «رسالة إلى روائي شاب»، وتمنيت لو أن المكتبة العربية تضم كتاباً بعنوان «رسالة إلى صحافي شاب». فهذه المهنة ليست مجرد مهارة في الكتابة، بل منظومة من القيم تبدأ بالدقة، وتمر بالتحقّق، وتنتهي بالمسؤولية الأخلاقية. ومن هذه القاعدة تتفرع أشكال السرد كلها؛ فالمقال الجيد يبدأ من حسّ صحافي، والكتاب الرصين يولد من بحث صحافي، والبرنامج الناجح يقوم على عين صحافية، وحتى الدراما الأكثر إقناعاً تستعير من الصحافة قدرتها على التقاط التفاصيل وصناعة الحكاية.

اليوم يظن كثيرون أن زمن الصحافة قد انقضى، وأن بريق وسائل التواصل الاجتماعي أطفأ وهجها. غير أن ما تفعله هذه المنصات هو تسريع تداول المعلومة، لا صناعة الحقيقة. فالصحافة كانت، وما زالت، المؤسسة التي تمنح الخبر معناه، وتمنح الوقائع سياقها، وتضع بين يدي القارئ ما يستحق أن يُعرف لا ما يستحق أن ينتشر فقط.

ولهذا ستبقى الصحافة أصل القلم، وذاكرة الحبر، وعين الكاميرا. وبدونها يغدو المشهد مجرد ضجيج متراكم، وتصبح الأخبار شظايا بلا سياق، وتمتلئ المساحات بالفراغ، حيث يغيب المعنى قبل أن تغيب الحقيقة.

20:47 | 5-08-2026

البنية التحتية للإبداع الفكري تبدأ من هنا

اعتدت منذ سنوات طويلة أن أبدأ أي رحلة معرفية بزيارة المكتبات، لا بحثاً عن عنوان محدد فحسب، وإنما للاستمتاع بالمشي بين رفوف الكتب، وتأمل العناوين، واكتشاف أحدث الإصدارات. كانت تلك العادة بالنسبة إليّ أكثر من مجرد هواية؛ كانت وسيلتي لفهم أي مجال جديد، وإدراك أن الإبداع لا يولد من الفراغ، بل يحتاج إلى بنية فكرية تحتية راسخة، قوامها المعرفة، والكتاب، والترجمة، وإتاحة المحتوى المتخصص.

كل تجربة إبداعية حقيقية تبدأ من القراءة. فالكتاب ليس مصدراً للمعلومة فقط، بل هو البيئة الخصبة التي تنمو فيها الأفكار، وتتشكّل فيها الرؤى، ويتطور معها الحس النقدي. ولهذا كنت أشعر دائماً بالحزن عندما أجد المكتبة العربية تعاني فقراً واضحاً في الكتب المتخصصة، خصوصاً في المجالات الإبداعية الدقيقة التي يحتاج إليها الممارسون والباحثون.

وقد عشت هذه التجربة بصورة مباشرة عندما قررت تحويل بعض أعمالي الأدبية إلى أعمال درامية وسينمائية. كان الطريق الطبيعي بالنسبة لي هو العودة إلى الكتب، والبحث عن المراجع التي تساعدني على فهم لغة السيناريو، وبناء الشخصيات، وتقنيات السرد البصري، وآليات الإنتاج. لكنني اصطدمت بندرة واضحة في المؤلفات العربية المتخصصة، في مقابل وفرة كبيرة من الكتب والأبحاث والمنشورات باللغة الإنجليزية التي تناولت هذه الفنون بعمق وتفصيل.

واليوم يشهد المشهد الثقافي السعودي تحوّلاً مهماً في بناء هذه البنية الفكرية. فقد عملت وزارة الثقافة على دعم النشر والترجمة وإثراء المحتوى المعرفي، بما يسهم في توفير مصادر عربية أكثر جودة وتخصصاً للمبدعين والباحثين. كما قدمت جمعية السينما جهداً مميّزاً من خلال ترجمة عدد من الكتب والمراجع الأساسية في فنون السينما، وكانت هذه الإصدارات بالنسبة لي غنية ومؤثرة، لأنها أسهمت في سد جزء من الفجوة المعرفية، وأتاحت للقارئ العربي الوصول إلى مراجع مهمة بلغته.

وإلى جانب ذلك، أسهمت هيئة الترفيه في توسيع حضور السينما من خلال الدورات والبرامج والفعاليات التي عزّزت الثقافة السينمائية، ووفرت فرصاً للاحتكاك بالتجارب المختلفة، بما يدعم نمو هذا القطاع ويزيد من وعي جمهوره وممارسيه.

إن الاستثمار الحقيقي في الإبداع لا يقتصر على دعم الإنتاج الفني، بل يبدأ من بناء الإنسان معرفياً، وتوفير الكتب، وتشجيع الترجمة، وإتاحة المراجع المتخصصة باللغة العربية. فهذه هي البنية الفكرية التحتية التي تصنع المبدعين، وتمنحهم الأدوات اللازمة للابتكار، وتؤسّس لحراك ثقافي مستدام قادر على إنتاج أعمال تنافس عالمياً، لأنها تنطلق أولاً من قاعدة معرفية متينة.

00:01 | 30-07-2026

بين الفرد والمؤسسة: «سوشلة الأشياء» ومعضلة تآكل التخصص

يشهد الاقتصاد الخليجي خلال السنوات الأخيرة تحوّلات متسارعة فرضتها المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى أصبح من الصعب أحياناً التمييز بين صاحب الخبرة الحقيقية وصاحب الحضور الرقمي. هذه الظاهرة، التي يمكن تسميتها بـ«سوشلة الأشياء»، لا تعني فقط انتقال الأعمال إلى الفضاء الرقمي، بل تعني أيضاً تراجع قيمة التخصص لصالح الشهرة، بحيث يبدو أن أي شخص قادر على ممارسة أي مهنة أو تقديم أي خدمة بمجرد امتلاكه جمهوراً واسعاً.

تكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها تضعف المعايير المهنية التي كانت تميّز بين المتخصص وغيره. فالإعلام والدراما يقدّمان اليوم نماذج واضحة لهذا التداخل، حيث لم يعد النجاح مرتبطاً بالخبرة أو التأهيل بقدر ارتباطه بالانتشار. ويثير ذلك تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كانت هذه الحالة قد تمتد مستقبلاً إلى مجالات أكثر حساسية مثل الطب أو التقنية، حيث لا يمكن أن تكون الشعبية بديلاً عن الكفاءة. وعندما تتراجع المعايير، يختفي تدريجياً دور «حارس البوابة» الذي كان يفرض حداً أدنى من الجودة قبل وصول المنتج أو الخدمة إلى الجمهور، فيصبح الرديء مألوفاً، بينما تتحوّل الجودة إلى استثناء.

اقتصادياً، تؤكد نظرية المؤسسة التي طوّرها الاقتصادي Ronald Coase أن المؤسسات لم تنشأ عبثاً، بل لأنها أكثر كفاءة من الاعتماد على الأفراد وحدهم في تنظيم النشاط الاقتصادي. فالمؤسسة لا تقدّم منتجاً أو خدمة فحسب، بل تبني أنظمة للمساءلة، وتستثمر في التدريب، وتوظف الكفاءات، وتدفع الضرائب والرسوم، وتخلق فرص عمل، وتحافظ على المعرفة المتراكمة داخل السوق. لذلك فإن قيمتها الاقتصادية تتجاوز ما يستطيع الفرد، مهما بلغت شهرته أو تأثيره، أن يقدّمه منفرداً.

وتنعكس هذه الظاهرة بوضوح في عدد من القطاعات الاقتصادية. ففي سوق الإعلان، لم يعد كثير من المعلنين يتجهون إلى وكالة إعلانية تؤدي دوراً اقتصادياً متكاملاً عبر توظيف المختصين في التخطيط والإبداع والإنتاج والبحوث، بل أصبحوا يفضلون التعامل مع مؤثر واحد يمتلك جمهوراً واسعاً. وبذلك تنتقل القيمة الاقتصادية من مؤسسة توزع الدخل على عشرات العاملين وتراكم المعرفة والخبرة، إلى نشاط فردي يحقق نتائج تسويقية آنية لكنه لا يؤدي الوظيفة الاقتصادية نفسها. والأمر ذاته يمكن ملاحظته في انتشار المطابخ السحابية التي تدير عشرات العلامات التجارية من مطبخ واحد؛ فهذه النماذج قد تكون أكثر كفاءة من الناحية التشغيلية، لكنها تعكس أيضاً هيمنة المنصة أو النموذج الرقمي على حساب بناء مؤسسات مستقلة ذات هوية وخبرة متراكمة. هنا لا تكمن المشكلة في التقنية ذاتها، بل في تراجع دور المؤسسة بوصفها منتجاً للقيمة الاقتصادية طويلة الأجل، واستبدالها بنماذج تركّز على سرعة الوصول إلى السوق وخفض التكاليف، حتى لو كان ذلك على حساب التنوع المهني وتراكم الخبرات.

ولا يعني ذلك رفض التطوّر الرقمي أو التقنيات الجديدة، فهذه التحوّلات قد تكون جزءاً طبيعياً من تطور الأسواق، بل وقد تسهم في رفع الكفاءة وخفض التكاليف وفتح فرص جديدة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الانتشار معياراً بديلاً عن الجودة، وعندما تتراجع المؤسسات التي تبني القيمة الاقتصادية المستدامة لصالح نماذج تعتمد على الحضور اللحظي والشعبية الرقمية. فالسوق لا تحتاج إلى مزيد من الشهرة بقدر حاجتها إلى مزيد من الكفاءة، ولا إلى إلغاء المؤسسات، بل إلى تطويرها لتواكب العصر دون أن تفقد وظيفتها الأساسية.

إن الاقتصاد القوي لا يقوم على الأفراد وحدهم، ولا على المؤسسات وحدها، بل على توازن يحفظ مساحة الإبداع الفردي داخل إطار مؤسسي يحمي الجودة ويضمن الاستدامة. وعندما يختل هذا التوازن لصالح الشهرة على حساب التخصص، فإن الخسارة لا تصيب مؤسسة بعينها، بل تمتد إلى السوق بأكملها، وإلى جودة المنتجات والخدمات، وإلى قدرة الاقتصاد على الابتكار والنمو على المدى الطويل.

00:01 | 23-07-2026

اليابان مليئة باليابانيين !

في زيارتي الأولى إلى اليابان عام 2019، لم تكن ناطحات السحاب في طوكيو أول ما استوقفني، ولا شبكات القطارات التي تضرب بها الأمثال في الدقة، ولا حتى ذلك الانضباط الذي يسبق اليابانيين إلى سمعتهم. كانت الملاحظة الأكثر حضورًا، والأكثر إثارة للتأمل، هي أن اليابان مليئة باليابانيين.

قد تبدو العبارة بديهية، لكنها تكتسب معنى مختلفًا عندما يعيشها الزائر. كنت أتجوّل بين أحياء العاصمة، أتنقل في محطات القطار وأمشي في الشوارع المزدحمة، فأجد نفسي وسط بحر بشري متجانس، تكاد تغيب عنه الوجوه الأجنبية. في كثير من المدن الكبرى يصبح التنوع جزءًا من المشهد اليومي، أما في طوكيو فإن الانطباع الأول هو أن المجتمع لا يزال شديد التمسك بهويته، وأن اليابان، رغم انفتاحها الاقتصادي وتقدّمها التقني، ما زالت تحتفظ بمسافة واضحة بينها وبين العالم الخارجي.

وأنا أراقب هذا المشهد، تذكرت قصة صحفي أمريكي كتب قبل سنوات عن مقعد ظل فارغًا بجواره في قطار ياباني مزدحم. لم يكن المقعد خاليًا لأن القطار فارغ، بل لأن الركاب فضّلوا الوقوف على الجلوس إلى جانب أجنبي. تحوّلت القصة إلى نقاش واسع داخل اليابان، ثم عادت صحيفة «جابان تايمز» بعد سنوات لتتساءل: هل تغيّر المجتمع الياباني؟ بدا لي وأنا أتجوّل في المدينة أن الإجابة ليست نعم أو لا، بل إن اليابان تتحرك ببطء، وفق إيقاعها الخاص، نحو قدر أكبر من الانفتاح، دون أن تتخلى عن طبيعتها المحافظة.

ومن الأشياء التي شدّت انتباهي أيضًا احترام اليابانيين العميق للخصوصية. حتى الهواتف الذكية المباعة في اليابان تصدر صوتًا إلزاميًا عند التقاط الصور، فلا يستطيع أحد التصوير خفية. بدا الأمر لي انعكاسًا لفلسفة اجتماعية ترى أن التقنية يجب أن تخدم الإنسان، لا أن تنتهك خصوصيته.

وفي أثناء التجوّل بين الأسواق والشوارع التجارية، لاحظت حضورًا محدودًا للعلامات التجارية الأجنبية مقارنة بما اعتدته في مدن عالمية أخرى. سألت عن السبب، فقيل إن قوانين الاستثمار في اليابان ليست سهلة، وإن الحكومة تعمل على مراجعتها لتشجيع المستثمرين الأجانب. ربما لهذا تبدو الأسواق هنا أكثر يابانية من غيرها، وكأنها تحرص على أن تبقى مرآة للهوية المحلية قبل أن تكون واجهة للعولمة.

ورغم هذا الحضور المحدود للاستثمار الأجنبي، فإن العلاقات السعودية اليابانية تفرض حضورها في أكثر من موضع. يبرز اسم رجل الأعمال السعودي محمد عبد اللطيف جميل بوصفه أحد أبرز المستثمرين الأجانب في اليابان، بينما تمثّل أرامكو السعودية ركيزة مهمة في التعاون الاقتصادي بين البلدين، في وقت تعتمد فيه اليابان على النفط السعودي، فيما أصبحت السيارات اليابانية جزءًا مألوفًا من الحياة اليومية في المملكة.

كلما طالت إقامتي، أدركت أن فهم اليابان لا يكتمل دون العودة إلى تاريخها. فقد عاشت البلاد قرونًا من العزلة، أغلقت خلالها أبوابها أمام العالم، وحافظت على مجتمعها بعيدًا عن التأثيرات الخارجية. ورغم أن تلك العزلة انتهت منذ زمن، فإن أثرها ما زال حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، وفي الطريقة التي ينظر بها اليابانيون إلى أنفسهم وإلى الآخرين.

خرجت من اليابان بانطباع يتجاوز الصور التقليدية عن التكنولوجيا والاقتصاد. اكتشفت أن سر هذا البلد لا يكمن فقط في تقدّمه، بل في قدرته على التمسّك بهويته وهو يفتح نافذة صغيرة على العالم، نافذة تتسع عامًا بعد آخر، لكنها لا تزال تُطل من بيت ياباني خالص.

23:35 | 15-07-2026

لنكن منطقيين: ليست مسؤوليتنا.. ولكنها مسؤوليتنا!

من السهل توجيه الاتهامات، لكن من الصعب الاعتراف بالحقائق التاريخية. فمنذ سنوات، تتعرّض الدول المنتجة للنفط، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، لحملة مستمرة تحاول تصويرها على أنها المسؤول الأول عن التغيّر المناخي والاحتباس الحراري، وكأن العالم لم يعرف التلوث إلا مع النفط، أو أن الثورة الصناعية لم تترك أثراً عميقاً ما زال الكوكب يدفع ثمنه حتى اليوم.

الحقيقة أن الجزء الأكبر من الانبعاثات الكربونية التي أسهمت في اختلال التوازن البيئي جاء نتيجة قرنين من التصنيع المكثف في الدول الصناعية الكبرى، التي اعتمدت على الفحم ثم النفط والغاز لبناء اقتصاداتها، وتحقيق نهضتها الصناعية، والوصول إلى مستويات الرفاه التي تنعم بها اليوم. لقد استهلكت تلك الدول الموارد الطبيعية لعقود طويلة قبل أن تبدأ الحديث عن حماية البيئة، وبعد أن أصبحت كلفة التحوّل إلى الطاقة النظيفة أقل مما كانت عليه في الماضي.

ومع ذلك، لم تتعامل المملكة مع هذا الواقع بمنطق تبادل الاتهامات أو التنصل من المسؤولية، بل اختارت نهجاً مختلفاً يقوم على المشاركة في الحلول. فجاءت مبادرة الشرق الأوسط الأخضر لتؤكد أن المملكة تنظر إلى حماية البيئة باعتبارها مسؤولية إنسانية ومصلحة عالمية مشتركة، حتى وإن لم تكن هي الطرف الذي صنع جذور الأزمة.

وهنا تكمن المفارقة؛ فالمملكة تتحرك لأنها تؤمن بمسؤوليتها تجاه مستقبل العالم، لا لأنها تقر بأنها المتسبّب الرئيس في المشكلة. وهذا الفارق ينبغي أن يكون حاضراً في أي نقاش منصف حول المناخ.

وفي المقابل، لا يزال النفط يتعرّض لحملات تصورّه وكأنه «عدو البشرية»، بينما يتجاهل هذا الخطاب حقيقة لا يمكن إنكارها: أن النفط كان ولا يزال أحد أهم أسباب النهضة الحديثة. فمن خلاله تطورت وسائل النقل، والصناعات، والبتروكيماويات، والقطاع الصحي، والبنية التحتية، والتقنيات التي يعتمد عليها العالم اليوم في مختلف جوانب حياته. ولم يكن النفط يوماً مجرد وقود، بل كان محركاً للتنمية والابتكار وتحسين جودة الحياة.

ولا يعني ذلك تجاهل التحديات البيئية أو التقليل من أهمية خفض الانبعاثات، بل يعني أن معالجة المشكلة يجب أن تقوم على التوازن والإنصاف، لا على شيطنة مصدر للطاقة أسهم في بناء الحضارة الحديثة. فالتحول نحو مستقبل أكثر استدامة يحتاج إلى التعاون، وإلى الابتكار، وإلى تطوير تقنيات تقلل الانبعاثات، وليس إلى اختزال الأزمة في اتهام طرف واحد.

لقد أثبتت المملكة، من خلال استثماراتها الضخمة في التشجير، والطاقة المتجدّدة، وتقنيات الاقتصاد الدائري للكربون، أنها شريك فاعل في الجهود الدولية لحماية البيئة. وهي بذلك تقدّم نموذجاً يجمع بين المحافظة على دورها الاقتصادي بوصفها دولة رائدة في قطاع الطاقة، وبين الإسهام العملي في مواجهة التحديات المناخية.

أما الاعتقاد بأن الاحتباس الحراري يمكن أن يختفي بالكامل، فهو طرح يفتقر إلى الواقعية العلمية. فالمناخ منظومة معقدة تتأثر بعوامل طبيعية وبشرية متشابكة، وما يستطيع الإنسان فعله هو الحد من الآثار السلبية، والتكيّف معها، وتطوير حلول أكثر استدامة، لا الادعاء بأنه قادر على التحكم الكامل بمسار الطبيعة.

لهذا، فإن الرسالة التي تقدمها المملكة واضحة: لسنا المسؤولين عن نشأة المشكلة، لكننا نعد أنفسنا جزءاً من الحل. وبين من يكتفي بإلقاء اللوم، ومن يعمل لصناعة المستقبل، يبقى الفارق كبيراً.

00:03 | 9-07-2026

الدراما السعودية.. القوة الناعمة تبدأ من الأدب..

أصبحت الدراما والسينما اليوم من أهم أدوات القوة الناعمة التي تمتلكها الدول، فهما لا تكتفيان بسرد الحكايات، بل تصنعان الصورة الذهنية للشعوب، وتنقلان ثقافتها وقيمها وتاريخها إلى العالم. وكثير من الدول نجحت في ترسيخ حضورها الدولي من خلال أعمال درامية وسينمائية تجاوز تأثيرها حدود الترفيه لتصبح نافذة يطل منها العالم على هويتها ومجتمعها.

وفي المملكة العربية السعودية تبدو الفرصة أكبر من أي وقت مضى لبناء صناعة درامية تنافس إقليمياً وعالمياً، مستفيدة من الحراك الثقافي والفني الذي تشهده المملكة، ومن الدعم الكبير الذي يحظى به القطاع الإبداعي. غير أن نجاح أي صناعة درامية لا يقاس بحجم الإنتاج وحده، بل بجودة القصص التي تُروى، وبقدرتها على البقاء في ذاكرة الجمهور.

السعودية ليست بلداً يفتقر إلى الحكايات، بل على العكس، تمتلك تاريخاً يمتد لآلاف السنين، وإرثاً حضارياً غنياً، وتنوعاً ثقافياً وجغرافياً واجتماعياً يزخر بقصص تستحق أن تتحوّل إلى أعمال درامية وسينمائية. فمن المدن التاريخية إلى الصحراء، ومن البحر إلى الجبال، ومن التحوّلات الاجتماعية إلى السير الإنسانية، هناك مخزون هائل من القصص القادرة على مخاطبة المشاهد أينما كان؛ لأنها تنطلق من الإنسان قبل المكان.

لكن هذا المخزون يحتاج إلى قاعدة إبداعية صلبة، وهنا يأتي دور الأدب. فالتجارب العالمية تؤكد أن كثيراً من الأعمال الخالدة بدأت روايات أو قصصاً كتبها أدباء امتلكوا القدرة على بناء الشخصيات، وصناعة الصراع، ورسم العوالم الإنسانية بعمق. ولم يكن نجاح تلك الأعمال وليد المصادفة، بل نتيجة اعتماد الدراما على نصوص أدبية قوية شكّلت أساساً متيناً للمعالجة البصرية.

والأدب السعودي يملك هذه المقوّمات. فعلى مدى عقود، قدّم الروائيون والقصّاصون السعوديون أعمالاً وثّقت المكان، ورصدت التحوّلات الاجتماعية، وطرحت قضايا إنسانية عميقة، وأنتجت شخصيات وحكايات لا تقل ثراءً عن مثيلاتها في التجارب العالمية. ومن هنا، فإن تعزيز حضور الأدباء في صناعة السيناريو لم يعد ترفاً ثقافياً، بل ضرورة لتطوير المحتوى الدرامي ورفع جودته.

دخول الأدباء إلى عالم الدراما يسهم في تقديم أعمال أكثر نضجاً وعمقاً، مستفيدين مما يمتلكونه من أدوات السرد وبناء الشخصيات والحوار. وتحويل الأعمال الأدبية إلى سيناريوهات درامية، يمنح النص الأدبي حياة جديدة، ويوصله إلى جمهور أوسع، دون أن يفقد روحه أو رسالته.

إن بناء قوة ناعمة سعودية مؤثرة يبدأ من الاستثمار في القصة قبل الصورة، وفي الكاتب قبل الكاميرا. فكل عمل درامي ناجح يبدأ بنص قوي، وكل نص قوي يبدأ بحكاية صادقة. وعندما تتكامل خبرة الأدباء مع رؤية صنّاع الدراما، يصبح بالإمكان إنتاج أعمال تعكس الهوية السعودية، وتنافس عالمياً، وتقدّم للمشاهد صورة حقيقية عن وطن يملك تاريخاً عريقاً، وحاضراً متجدّداً، ومستقبلاً مليئاً بالقصص التي تستحق أن تُروى.

00:00 | 2-07-2026

كيف تصنع التقنية النمو الاقتصادي؟ إنه «المكيف» يا... ذكي!

عندما نتحدث عن التقنيات التي غيّرت العالم، غالباً ما تتجه الأنظار إلى الإنترنت أو الهواتف الذكية أو الذكاء الاصطناعي. لكن بعض الابتكارات الأقل شهرة كان لها تأثير اقتصادي هائل، ومن أبرزها جهاز التكييف. فهذا الاختراع لم يوفّر الراحة للناس فحسب، بل ساهم في إعادة رسم الخريطة الاقتصادية للمدن والدول.

في بداية القرن العشرين، طوّر المهندس الأمريكي ويليس كارير أول نظام تكييف حديث بهدف حل مشكلة صناعية داخل المطابع. فقد كانت الحرارة والرطوبة تتسبّبان في تمدد الأوراق وسيلان الحبر، ما يؤثر على جودة الطباعة. لذلك كان الهدف الأساسي من الاختراع زيادة الكفاءة والإنتاجية، وليس توفير الراحة للأفراد.

لكن التأثير الاقتصادي للتكييف تجاوز بكثير ما كان متوقعاً. فقبل انتشاره، كانت المناطق الحارة تواجه صعوبات كبيرة في جذب السكان والاستثمارات. ارتفاع درجات الحرارة كان يقلل من إنتاجية العمل ويجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة، خصوصاً خلال أشهر الصيف. ومع توفر التكييف أصبح بالإمكان بناء المكاتب والمصانع والمجمعات السكنية في مناطق كانت تُعد سابقاً أقل جاذبية.

في الولايات المتحدة، ساهم التكييف في نمو ما يعرف بـ «حزام الشمس» (Sun Belt)، وهو الامتداد الجنوبي الحار من البلاد. فولايات مثل تكساس وفلوريدا وأريزونا شهدت نمواً سكانياً واقتصادياً كبيراً نتيجة قدرة الأفراد والشركات على العمل والعيش في بيئات كانت سابقاً تعاني من قيود مناخية. ومع انتقال السكان والاستثمارات، انتقلت معها الوظائف ورؤوس الأموال وفرص التنمية.

وتظهر الفكرة نفسها في المدن الحديثة الواقعة في البيئات الصحراوية. فمدن مثل الرياض تحولت خلال عقود قليلة إلى مراكز عالمية للأعمال والسياحة والخدمات. ورغم تعدد العوامل التي أسهمت في هذا النجاح، فإن القدرة على تهيئة بيئة معيشية وعمل مريحة من خلال التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها أنظمة التكييف، كانت عنصراً أساسياً في جذب السكان والشركات والاستثمارات.

تكشف هذه القصة حقيقة اقتصادية مهمة: التقنية لا تزيد الإنتاجية فقط، بل توسّع حدود ما هو ممكن. فهي تمكّن البشر من استغلال موارد جديدة، وفتح أسواق جديدة، وتأسيس مدن ومراكز اقتصادية في أماكن كانت تواجه تحديات طبيعية أو لوجستية كبيرة. ولهذا كان النمو الاقتصادي عبر التاريخ مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالابتكار التقني.

فمن المطبعة التي احتاجت إلى ضبط الرطوبة، إلى المدن العملاقة التي ازدهرت في قلب المناطق الحارة، يوضح المكيّف كيف يمكن لاختراع واحد أن يغيّر الاقتصاد، ويخلق فرصاً جديدة للنمو والتنمية تتجاوز بكثير الغرض الذي صُمّم من أجله في البداية.

00:00 | 25-06-2026

حكايا المونديال.. هدف يصنع صورة.. ويُظهِر تفوقاً

في عالم اليوم، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تُلعب داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت واحدة من أقوى أدوات التسويق وصناعة الصورة الذهنية للدول. وكأس العالم تحديداً يُمثّل أكبر ملتقى للحضارات والثقافات والشعوب، حيث تتجه أنظار مليارات البشر إلى حدث واحد يتجاوز الرياضة ليصبح منصة عالمية للتأثير والتواصل.

لذلك يمكن النظر إلى بعض اللحظات التاريخية في مسيرة المنتخب السعودي بوصفها إنجازات رياضية وتسويقية في الوقت ذاته. فعندما سجل سعيد العويران هدفه الأسطوري في مرمى بلجيكا خلال كأس العالم 1994، لم يكن مجرد هدف منح الأخضر فوزاً تاريخياً وتأهلاً للدور الثاني، بل كان لحظة وضعت اسم السعودية في قلب المشهد العالمي. ذلك الهدف، الذي صنّفه كثيرون ضمن أجمل أهداف تاريخ كأس العالم، ما زال حاضراً في ذاكرة الجماهير العالمية حتى اليوم.

وبعد ما يقارب ثلاثة عقود، جاء هدف سالم الدوسري في مرمى الأرجنتين خلال كأس العالم 2022 ليؤكد أن السعودية قادرة على صناعة اللحظات الكبرى. فذلك الهدف لم يكن مجرد لقطة فنية رائعة، بل تحوّل إلى قصة تداولتها وسائل الإعلام العالمية، وأصبح عنواناً لعشرات الحملات الإعلانية والرسائل التسويقية التي استثمرت في صورة المملكة وإنجازاتها الرياضية.

هذه الأهداف لم تحقق الانتصار داخل الملعب فقط، بل ساهمت في بناء حضور ذهني عالمي للمملكة. ففي عصر الاقتصاد الرياضي، قد تساوي لحظة كروية ناجحة ملايين الدولارات من الحملات الإعلامية؛ لأنها تصل مباشرة إلى مشاعر الجماهير وتبقى راسخة في الذاكرة.

واليوم، تشهد الكرة السعودية مرحلة جديدة من الحضور الدولي. فالدوري السعودي لم يعد بطولة محلية تتابعها الجماهير داخل المملكة فحسب، بل أصبح وجهة لنجوم عالميين ومحط اهتمام وسائل الإعلام الرياضية في مختلف القارات. وأصبح من المعتاد أن نسمع المعلقين والمحللين في البطولات الكبرى يعرّفون اللاعبين بعبارة: «هذا اللاعب يلعب في الدوري السعودي». هذه الجملة البسيطة تعكس حجم التحوّل الذي حدث في مكانة الكرة السعودية على المستوى الدولي.

لقد أثبتت الرياضة أنها أحد أهم جسور التواصل بين الشعوب، وأن النجاح في كأس العالم يتجاوز حدود النتائج والأرقام. فكل هدف تاريخي، وكل مشاركة مميّزة، وكل نجم يختار الدوري السعودي، يضيف لبنة جديدة في بناء صورة المملكة عالمياً، ويعزز حضورها دولةً مؤثرةً قادرةً على صناعة الحدث داخل الملعب وخارجه.

00:00 | 18-06-2026

أتيت من الأمس لأخبركم عن الغد !

أؤمن أن الموهبة هي الشرارة الأولى للتميّز، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة النجاح. فالموهبة تحتاج إلى بيئة تعليمية حاضنة، وإلى تطوير مستمر يحوّل القدرات الفطرية إلى مهارات راسخة وخبرات مؤثرة. ومن خلال تجربتي المهنية والأكاديمية، أدركت أن التعليم ليس مرحلة زمنية تنتهي بالحصول على شهادة، بل رحلة مستمرة ترافق الإنسان طوال حياته وتمنحه القدرة على التجدّد ومواكبة التغيّرات.

منذ سنواتي الأولى، وجدت نفسي شغوفاً بالكتابة والتعبير عن الأفكار. كانت الكلمة نافذتي لفهم العالم والتواصل معه، ومع مرور الوقت تحوّلت هذه الموهبة إلى مسار مهني قادني إلى العمل في الصحافة والإعلام. وخلال أكثر من عقدين من الزمن، تنقّلت بين الصحافة الورقية والإعلام الرقمي والتقديم التلفزيوني وإنتاج المحتوى، وهي تجارب منحتني فرصة فريدة لفهم طبيعة التأثير الذي يمكن أن يصنعه الإعلام في حياة الأفراد والمجتمعات.

لكن ما تعلمته خلال هذه الرحلة هو أن الممارسة وحدها لا تكفي. فكل تجربة مهنية كانت تدفعني للبحث عن معرفة أعمق، وكل نجاح كنت أحقّقه كان يفتح أمامي أسئلة جديدة تحتاج إلى دراسة وفهم. لذلك حرصت على الجمع بين الخبرة العملية والدراسة الأكاديمية، لأنني أؤمن أن التكامل بينهما هو ما يصنع الاحتراف الحقيقي. فالممارسة تمنح الإنسان الخبرة الواقعية، بينما يوفر التعليم الأدوات العلمية والمنهجية التي تساعده على تطوير تلك الخبرة وتوسيع آفاقها.

لقد أسهمت دراستي الأكاديمية في تعزيز فهمي للإعلام وتحوّلاته، كما منحتني فرصة للاطلاع على تجارب ومدارس فكرية مختلفة. وكانت تجربتي التعليمية في المملكة المتحدة محطة مهمة أثرت رؤيتي المهنية والشخصية، حيث أتاحت لي التعرف على ثقافات متنوعة وأساليب جديدة في التفكير والإبداع. وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على عملي الإعلامي وعلى قدرتي على التعامل مع مختلف أشكال المحتوى وصناعته.

ومن خلال هذه التجربة، أصبحت أكثر اقتناعاً بأهمية دعم الموهوبين داخل المؤسسات التعليمية. فالتعليم لا ينبغي أن يقتصر على نقل المعرفة، بل يجب أن يكون منصة لاكتشاف المواهب وتنميتها وتوجيهها نحو مسارات تحقّق أثراً حقيقياً في المجتمع. فعندما تلتقي الموهبة بالتعليم، يصبح الإبداع أكثر نضجاً، وتصبح فرص النجاح أكبر وأكثر استدامة.

إن العالم اليوم يتغيّر بوتيرة متسارعة، وما كان كافياً بالأمس قد لا يكون كافياً غداً. لذلك أرى أن أهم استثمار يمكن أن يقوم به الإنسان هو الاستثمار في تعلمه المستمر. فالتعلم هو سبيل التجدّد، وهو الوسيلة التي تمكّننا من تطوير أنفسنا ومواجهة التحديات وصناعة فرص جديدة. ومهما بلغت خبرة الإنسان أو حقّق من إنجازات، فإن قدرته على الاستمرار في التعلم تظل العامل الأهم في الحفاظ على نجاحه وتوسيع أثره. فالتعليم ليس نهاية الطريق، بل هو الطريق ذاته نحو التطور والتميّز والنجاح.

00:00 | 11-06-2026