أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1785.jpg&w=220&q=100&f=webp

سلطان السعد القحطاني

حين أتت «لماذا؟»... تغيّر المشهد بكامله فعلًا

كانت الصحافة في بداياتها مجموعة من الأسئلة الستة، وكانت بالفعل والقول News Paper؛ ورقة أخبار، ووسيلة الخبر الأولى في عالم لم تكن لديه خيارات كثيرة. ومع التطور المعرفي والتقني، تحوّلت الصحيفة إلى ركن ركين في حياة الناس؛ بداية كل صباح، مع القهوة، ورفيقة في الرحلات والمجالس وأماكن الانتظار.

وهكذا كان السحر الأول الذي قاد أجيالًا إلى الصحيفة باعتبارها مصدرًا للمعرفة، لا مجرد منتج إعلامي. كانت مشروعًا ثقافيًا يبني المعرفة، ويشكّل الخيط الواصل بين الجيل الجديد وعالم القراءة، ومن القراءة يبدأ الوعي وتتسع الأسئلة.

فالصحف والمجلات، في جوهرها، مصانع أفكار وفعل ثقافي متجدّد. ليست مجرد أوعية للأخبار، بل من أهم الفاعلين في إشاعة عادة القراءة وترسيخها: القراءة، القراءة، القراءة؛ تلك الرافعة الثقافية الكبرى للشعوب والمجتمعات.

ومن هنا، فإن الانتقال إلى النشر الرقمي الكامل لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه نهاية للصحافة، بقدر ما هو نهاية لنموذج تاريخي من نماذج تقديمها. فالورق لم يكن يومًا جوهر الصحافة؛ جوهرها المحتوى المهني، والتحقق، والتحليل، والسياق، والثقة التي تبنيها المؤسسة مع جمهورها.

ولذلك، فالسؤال ليس: ماذا سيحدث عندما تختفي النسخة الورقية؟ بل: ماذا ستفعل المؤسسة الصحفية بإرثها وخبرتها وثقة جمهورها حين تصبح رقمية بالكامل؟

الدراسات حول تحوّل المؤسسات الصحفية العريقة تؤكد أن الانتقال الرقمي لا يتحقق بإنشاء موقع أو تطبيق فقط. وتشير الباحثة لوسي كونغ، في دراسة لمعهد رويترز لدراسة الصحافة، إلى أن المؤسسات التقليدية تحتاج إلى تحويل ثقافتها وطريقة عملها بالتوازي مع تحويل المحتوى؛ فالتكنولوجيا وحدها لا تصنع مؤسسة إعلامية رقمية ناجحة.

التحوّل الحقيقي هو الانتقال من مفهوم «الإصدار» إلى مفهوم «الحضور المستمر». كان القارئ ينتظر صحيفته في موعد محدد، أما اليوم فالخبر يصل إليه عبر الهاتف ومحركات البحث والإشعارات والمنصات والفيديو والصوت، وفي كل لحظة تقريبًا.

لكن الرقمنة لا تعني التخلي عن «ثقل» الصحيفة. يمكن للخبر أن يصل في ثلاثين ثانية، ثم يقود القارئ إلى تحقيق أو تحليل يستغرق نصف ساعة. وهنا تكمن قوة البيئة الرقمية: مستويات متعددة من العمق، تبدأ بالخبر، ثم الشرح والفيديو والتحليل والوثائق والأرشيف.

وهذا يفرض على المؤسسات أن تعيد التفكير في غرف الأخبار، وفي مهارات الصحفيين، وفي علاقتها بالقارئ، بحيث يصبح الرقمي بيئةً لصناعة صحافة أسرع وأكثر قدرة على الوصول، لا مجرد بديل تقني للورق.

وهنا أيضًا تظهر قوة المؤسسات العريقة: الثقة والإرث. لكنها قوة قد تضيع إذا تحوّلت المؤسسة إلى مجرد حساب كبير في وسائل التواصل. المنصات تتنافس على الانتباه، أما الصحافة فعليها أن تنافس على الثقة والاستمرارية والعلاقة المباشرة مع جمهورها.

والتحوّل الرقمي قد يكون فرصة لإعادة اكتشاف التاريخ، بتحويل الأرشيف من صفحات محفوظة إلى ذاكرة رقمية حية، تعيد قراءة الماضي وتربطه بالحاضر، وتضع عقودًا من المعرفة في متناول جيل جديد.

في النهاية، نحن لا نشهد موت الصحيفة، بل تحرر الصحيفة من الورق. تتغيّر الوسيلة والجمهور وأشكال المحتوى، لكن وظيفة الصحافة تبقى: أن تتحقق، وتفسر، وتوثق، وتضع الأحداث في سياقها. فالرقمي لا يعني السطحي؛ والمنصة قد تكسب الانتباه، لكن الصحافة العريقة يجب أن تكسب الثقة.

منذ يوم

كيف تبيع محتواك دون أن تبيع نفسك؟

كيف تبيع محتواك دون أن تبيع نفسك؟ ربما يكون هذا هو التحدي الأكبر في عالم السوشال ميديا اليوم، في ظل موجة متصاعدة من استغلال كل شيء من أجل الشهرة، وجذب المتابعين، وتحقيق الانتشار بأي ثمن.

في الأصل، يفترض أن تكون السوشال ميديا وسيلة لتقديم المحتوى وتسويقه، لا وسيلة لبيع الحياة الخاصة وتحويل الإنسان نفسه إلى مادة مستمرة للاستهلاك. لكن ما يحدث أحيانًا هو العكس؛ إذ يتحوّل بعض المؤثرين إلى تسويق تفاصيل حياتهم اليومية، وعلاقاتهم، وخصوصياتهم، ومواقفهم الشخصية، حتى يصبح الشخص هو المنتج، بدل أن يكون المحتوى هو المنتج.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: كيف يمكن للإنسان أن يستفيد من السوشال ميديا، وأن يبني حضوره وشهرته، من دون أن يدفع في المقابل ثمنًا من خصوصيته وحياته الشخصية؟ وكيف يستطيع أن يضع حدودًا واضحة بين ما يقدّمه للجمهور وما يحتفظ به لنفسه ولأسرته؟

المشكلة أن البحث المستمر عن الشهرة قد يدفع بعض الأشخاص إلى استغلال جوانب يفترض أن تبقى بعيدة عن هذا السوق المفتوح، ومن أكثر الأمثلة إثارة للقلق استغلال الأطفال وكبار السن، وتحويل مواقفهم وحياتهم الخاصة إلى محتوى بهدف المشاهدة والانتشار. وفي بعض الحالات تصبح الشهرة غاية في حد ذاتها، من دون قيمة حقيقية تبرر هذا القدر من التنازل عن الخصوصية والحدود الإنسانية.

وهذا يقودنا إلى سؤال أكبر يتعلق بطبيعة المحتوى الذي تصنعه منصات التواصل الاجتماعي اليوم. فقد تحدث كتاب «نظام التفاهة» عن عالم السرعة والتسطيح وتحوّل الاهتمام العام إلى سلعة، ويبدو أن بعض ملامح هذه الفكرة أصبحت أكثر حضورًا في البيئة الرقمية، حيث يمكن لأي شيء تقريبًا أن يتحوّل إلى مادة للعرض، طالما أنه يجذب المشاهدات.

لكن الخطر لا يكمن في السوشال ميديا نفسها، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها. فحين تصبح الشهرة هدفًا منفصلًا عن القيمة، وحين تتحوّل الخصوصية إلى وسيلة لجذب الجمهور، وحين يصبح كل شيء قابلًا للبيع، فإن التجربة الرقمية بأكملها تدخل في حالة من الخلل.

التحدي الحقيقي إذن ليس أن نبتعد عن السوشال ميديا، وإنما أن نتعلم كيف نستخدمها بذكاء: أن نبيع المحتوى، لا أن نبيع أنفسنا؛ وأن نصنع حضورًا مؤثرًا، من دون أن نفقد في الطريق خصوصيتنا، وكرامتنا، وحدود حياتنا.

00:02 | 24-09-2026

آخر ملك على صهوة جواد

في هذه الأيام يتجدّد عمر هذه البلاد الضاربة في التاريخ، بعد مرور ثلاثة قرون منذ بزوغها في أرض الجزيرة العربية. ومنذ ذلك الحين ارتبطت المقادير بين الأرض والأسرة الملكية السعودية، لتعود الجزيرة إلى وحدة لم تعرف مثلها منذ عصور الإسلام الأولى.

لم تكن الرحلة سهلة، فقد كانت المسيرة متعبة ومكلفة. يُروى عن الملك عبدالعزيز أن جسده كان يحمل آثار الحروب التي خاضها على مدى ثلاثة عقود من مسيرة التوحيد. كان آخر فارس كوّن وطناً من على صهوة جواده؛ لم يفعل ذلك من خلف إذاعة، أو فوق دبابة، أو من وراء مكتب، بل من الأرض والميدان، وبين الرجال والقبائل والصحراء.

كوّن الملك عبدالعزيز بلداً مترامي الأطراف، في جغرافيا شديدة الجفاف والصعوبة والقسوة، بين قبائل متناحرة اعتادت القتال قروناً، وكان القتال جزءاً من طريقة عيشها. وفعل ذلك في مواجهة قوى إقليمية ودولية كبرى، وفي زمن كانت فيه الجزيرة العربية مسرحاً لتنافس المصالح والنفوذ.

كانت قصته أشبه بقصة رجل لم يكن يملك شيئاً، ثم انتهى به الأمر إلى امتلاك كل شيء: دولة، وأرض، وقرار، ومستقبل. ولم تكن الوحدة مجرد انتصار عسكري، بل كانت انتقالاً من واقع التجزئة والصراع إلى فكرة الدولة.

كان الملك عبدالعزيز شخصية فريدة؛ علّمته الصحراء الحكم والحكمة، وكان يضع الرأي في موضعه، والسيف في موضعه. وهذا ما التقطه بعض معاصريه من الرحّالة والكتّاب.

وصفه عبدالله فيلبي بالبساطة، ورأى أن مفتاح شخصيته أنه لم يكن يميل إلى المراسم والتفاخر، وكان يجد سعادته في الجلوس بين الناس بعيداً عن مظاهر الترف. كما رأى فيه الزعيم المؤمن بالقرآن الذي استطاع أن يوحّد معظم أرض الجزيرة وأهلها. أما أمين الريحاني، الذي التقى الملك عبدالعزيز في العقير، فقد خرج من اللقاء بانطباع بالغ القوة؛ فرأى رجلاً لا تظهر عليه أبهة الملوك بقدر ما تظهر عليه الهيبة والبساطة، ووصفه بأنه كبير في مصافحته وابتسامته وكلامه ونظراته، وأنه يسود قومه بالمكارم لا بالألقاب.

لقد استقطب الملك كل موهبة آمنت بصدق وإخلاص بالجزيرة العربية وقيادته، ولم تنظر إلى المشروع باعتباره مجرد رحلة عابرة. كان مؤمناً بالعروبة والإسلام، وبأن بناء الدولة يحتاج إلى استيعاب كل من يستطيع أن يسهم فيها.

ما فعله الملك عبدالعزيز يحتاج إلى قراءة تاريخية تتجاوز الصورة النمطية؛ فقد كان محارباً، لكنه لم يتوقف عند الحرب بصورة مجردة، بل كان الحافز أكبر. كان مشروعه الأكبر بناء دولة، وتحويل وحدة الأرض والقبائل من فكرة إلى واقع سياسي واجتماعي.

ولهذا فإن الفوقية العربية تجاه تاريخ الجزيرة العربية تحتاج إلى البحث والنظر، ولا بد للنخب العربية من إعادة قراءة هذه التجربة بما تستحقه من إنصاف تاريخي.

00:08 | 17-09-2026

استعادة الماضي عبء لا يحتمله المستقبل

هذه الحالة الرومانسية العربية تجاه الماضي أصبحت، في جانب منها، سبباً للتخلف السياسي والجمود الثقافي. ومحاولات إعادة عقارب الساعة إلى الوراء تصطدم بالمنطق والواقع؛ فالتاريخ لا يعود، والأمم لا تستطيع أن تبني دولاً حديثة بعقل يعيش خارج زمنه. لذلك تلفتني القدرة التي يتمتع بها بعض القادة حين يقررون الذهاب إلى المستقبل، رغم الأسوار الفكرية التي شُيّدت حول الماضي، وتحاول منع التجدّد والتغيير.

كصحافي عشت وتنقلت بين مدن عديدة، رأيت كيف يمكن للنظرة إلى التاريخ أن تصنع المستقبل. هناك فرق كبير بين من يرى التاريخ مكاناً للدراسة والتعلم واستخلاص الدروس ثم المضي إلى الأمام، وبين من يراه مكاناً جميلاً للبقاء والتوقف. الأول يحوّل الماضي إلى خبرة، والثاني يحوّله إلى قيد.

لقد تحوّل الهوس بالماضي إلى حكاية عربية تكاد تكون خالصة، تعيق التقدّم والالتحام بالعصر ومتطلباته. وقد يقول بعض المفكرين والمحللين إنه هوس المغلوبين بتاريخ الغالب، حين كانوا يحكمون ويصدرون المعرفة. وهذا تفسير يمكن فهمه، لكنه لا يغيّر الحقيقة: الأمم الحية هي التي تمضي إلى المستقبل بدل البكاء على ماضٍ لن يعود.

المشكلة ليست في الماضي نفسه، فالماضي جزء من هوية الأمم وذاكرتها، وإنما في تحويله إلى مشروع حياة دائم.

أمام العالم العربي تحديات جديدة، وشباب يحتاجون إلى أن يجدوا لهم مكاناً في عالم سريع التحوّل، لا أن يرثوا أسئلة الأجيال السابقة وإحباطاتها.

لطالما رأيت أن مشكلة البلدان العربية هي، قبل أي شيء آخر، مشكلة وعي وثقافة. فقد طغت، لفترة طويلة، نغمة يسارية على جزء كبير من الأدبيات العربية، وكانت النتيجة إنتاج أجيال لا تستوعب العالم جيداً ولا تجيد التعامل مع تحوّلاته. ثم تسرّب هذا الوعي المنقوص إلى مؤسسات عربية سياسية وثقافية واقتصادية، فكان الجمود مخيفاً، وقضى على طموحات آلاف الشباب.

خطورة هذا النوع من الأفكار أنها تسلب المستقبل من عقول الشباب، وتجعلهم يدورون في حلقة مفرغة بلا أمل، ثم يتحوّل الإحباط إلى مهدّد للاستقرار، ليس للدول وحدها، بل للأفراد أيضاً.

ولنراجع الأدبيات العربية وموقفها من النفط. كيف صُوّرت دول النفط وكأنها صنو التخلف، بينما استطاعت هذه الدول، بعقلانية وواقعية، أن تؤسس نهضة استقطبت المواهب العربية ومنحتها فرصاً واسعة. بل إن كثيراً من القضايا العربية لم تكن لتبقى حاضرة لولا الدور الذي أدّاه النفط وأصحابه في السياسة والاقتصاد.

المطلوب ليس القطيعة مع التاريخ، ولا إدانة الذاكرة، وإنما وضع كل شيء في مكانه الصحيح. نحن بحاجة إلى قراءة الماضي في حاضرنا العربي سريع التغير، نأخذ منه الدروس، ونترك ما تجاوزه الزمن. فالنهضة لا تبدأ حين نستعيد ما كان، بل حين نمتلك الشجاعة لنسأل: ماذا نريد أن نكون؟ وما الذي يستطيع الإنسان العربي أن يضيفه إلى العالم؟ المستقبل لا يمنح فرصه لمن يكتفي بترديد أمجاد سابقة. ويصبح الانغلاق على الماضي عزلة. لذلك فإن المعركة ليست مع التاريخ، بل مع العقل الذي يرفض التعلم منه، ويحوّل ذكراه إلى بديل عن العمل وطموح الغد وصناعة الفرص.

هذا خلل فكري عميق لا بد من مواجهته. فاحترام التاريخ لا يعني السكن فيه، والاعتزاز بالماضي لا ينبغي أن يتحوّل إلى رفض للمستقبل. الأمم التي تتعلم من ماضيها تستطيع أن تتقدّم، أما التي تحاول استعادته كما كان، فإنها تخاطر بأن تفقد حاضرها ومستقبل أجيالها.

00:00 | 10-09-2026

سيناريو و«إحراج»

أتابع بين الحين والآخر الجدل المستمر حول الدراما السعودية ومدى قُرْبِها من الواقع، وقدرتها على تقديم القصة الحقيقية والأصيلة للمجتمع السعودي. هذا الحوار الفاحص المعمّق ليس ترفاً فكرياً، بل دليلٌ جليٌّ على وعيٍ جمعي بأهمية الدراما؛ بصفتها إحدى أكثر لغات التواصل الإنساني تأثيراً بين الشعوب. فالدراما لم تعد مجرد أداةٍ للترفيه وقضاء الوقت، بل غدت إحدى أقوى أدوات القوة الناعمة التي تُبْرِز ثقافات الأمم، وتنقُل حكاياتها وثراءها الإنساني إلى العالم.

وبحكم عملي واهتمامي بالمجال الإعلامي والثقافي والأدبي، أجد نفسي على تماسٍ دائم مع هذا النقاش؛ فشغفي الأدبي والروائي يتقاطع حتماً مع العمل الدرامي، فضلاً عن عملي على تحويل بعض أعمالي الأدبية إلى معالجات درامية. ومن هذا المنظور، أرى أن تشخيص واقع الدراما السعودية، وتحديد نقاط قوتها وضعفها، يجب أن يبدأ من النواة الأولى: القصة وكُتّابها.

القصة هي الأساس الصلب الذي تُبنى عليه الصنعة الدرامية بكامل تفاصيلها. وإذا ما تزعزع هذا العمود الفقري، يتداعى البنيان مهما بلغت جودة الإنتاج. إننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى قصصٍ تشبهنا، تعبّر عن روحنا وتفاصيل حياتنا اليومية، بدلاً من استيراد حكاياتٍ من ثقافاتٍ أخرى ومحاولة إسقاطها قسراً وإلباسها الزي السعودي.

التعاون مع الكُتّاب والمخرجين السعوديين يمثّل خطوة استراتيجية لبناء صناعةٍ تمتلك رسالةً مؤثرة، لا تخاطب الداخل فحسب، بل تنطلق بثقة نحو المحافل الدولية لتبرز الحراك والتغيير الكبيرين اللذين تشهدهما المملكة. لقد نجحت هوليوود وبوليوود في وضع بصماتٍ عالمية خالدة بفضل أصلية حكاياتهما. والمملكة اليوم، بوصفها قائدة للعالمين العربي والإسلامي والحاضنة لتاريخهما الممتد، أولى بأن تصنع دراما تعكس هذا الثقل التاريخي والثقافي.

ولتحقيق هذه النهضة المنشودة، تحتاج الدراما السعودية إلى تفعيل دور حيوي يُشبه دور «رئيس التحرير» في الصحافة، أو ما يُعرف عالمياً بـ«المُبتكِر» (Creator). إنه الشخص الذي يستوعب قيمة الأبعاد البصرية والثقافية للنص، ويجيد اختيار الأفكار وتوزيع الأدوار وإدارة الرؤية الإبداعية من الفكرة وحتى الشاشة. غياب هذا الدور التوجيهي يترك فراغاً كبيراً، وبوجوده تستقيم الصنعة وتنطلق الدراما السعودية نحو أفقٍ أكثر نضجاً وتأثيراً.

00:00 | 3-09-2026

حين فقدنا الصبر.. نهاية فسحة العقل

ربما لم يعد السؤال اليوم: لماذا فقدنا الرضا؟ بل لماذا فقدنا الصبر؟ نحن نعيش في عصر أصبح أسرع من قدرتنا على الاستيعاب والإدراك. كنا نحلم بالسرعة بوصفها إنجازًا، فإذا بها تتحوّل إلى ظاهرة نفسية مرهقة وعقلية متعبة. في كل مكان تقريبًا، يبدو الإنسان مستعجلًا: أبواق السيارات، الركض في الممرات، الردود الفورية، والتنقل السريع بين عشرات الصور والمقاطع. حتى اللحظات التي لا تستدعي العجلة أصبحت تُعاش بعقلية السباق.

هذه السرعة لا تغيّر إيقاع حياتنا فقط، بل ربما تعيد تشكيل علاقتنا بالانتباه نفسه. عالم الاقتصاد الحائز على نوبل هربرت سايمون تحدث مبكرًا عن فكرة أن وفرة المعلومات تخلق ندرة في الانتباه؛ وهي الفكرة التي أصبحت أكثر وضوحًا في عصر المنصات الرقمية. لقد دخلنا عصر اقتصاد الانتباه، حيث تتنافس التطبيقات والمواقع على الثواني القليلة التي يمنحها الإنسان لشاشة هاتفه.

وتأتي المقاطع القصيرة، مثل تلك التي تنتشر على تيك توك وغيره، لتدفع هذا الإيقاع إلى أقصاه. ليست المشكلة في المقطع القصير بحد ذاته، وإنما في الاعتياد على الانتقال المستمر: نقرة، صورة، صوت، معلومة، ثم نقرة أخرى. ومع الوقت قد يصبح التعمّق أقل جاذبية من الانتقال، ويصبح العقل معتادًا على الجرعات السريعة بدل الرحلة الطويلة داخل فكرة واحدة. وهذا ما يُشار إليه شعبيًا أحيانًا بتعبير «التعفن الدماغي»، وإن كان التعبير ذاته ليس تشخيصًا علميًا.

على المقلب الآخر، ظهرت أفكار عالمية تدعو إلى استعادة قيمة البطء. فالكاتب كارل أونوريه، في كتابه في مديح البطء، دافع عن فكرة أن البطء ليس نقيض التقدّم، بل يمكن أن يكون وسيلة لاستعادة جودة الحياة. كما ارتبطت حركة «الطعام البطيء» بفكرة مقاومة الاستهلاك السريع واستعادة العلاقة الهادئة مع الأشياء.

ولعل الإنسان الزراعي كان أول من تعلّم درس الصبر. كان يزرع ثم ينتظر شهورًا حتى يحصد. لم يكن أمامه خيار سوى أن يتصالح مع الزمن. وربما صنعت هذه العلاقة الطويلة مع الانتظار شيئًا من الصلابة والتأمل.

ولا ننسى أن الإبداع والصبر متلازمان بشكل جلي، فمن الصبر خرج الإبداع. الأعمال الأدبية والفنية الكبرى لم تكن وليدة العجلة. دوستويفسكي، تولستوي، مارسيل بروست وغيرهم تركوا أعمالًا تحتاج من القارئ وقتًا طويلًا، وكان القارئ نفسه مستعدًا لأن يمنحها ذلك الوقت. أما اليوم، فقد يجد البعض صعوبة في إكمال مقطع لا يتجاوز دقيقة.

حتى الصحافة المتخصصة، التي كانت تمنح القارئ مساحة للتأمل والتحقيق والسرد، تواجه تحدي اقتصاد الانتباه. ومع ذلك، ما زالت مؤسسات مثل نيويوركر تراهن على المقال الطويل، وكأنها تقول إن الإنسان لم يفقد قدرته على القراءة، وإنما يحتاج إلى أن يستعيد الصبر الذي يسمح لعقله بأن يتنفس.

ربما لا تكون المشكلة أننا أصبحنا أسرع، بل إننا نسينا أن بعض الأشياء لا يمكن اختصارها. الفكرة تحتاج وقتًا، والكتاب يحتاج وقتًا، والعلاقة تحتاج وقتًا، والنضج نفسه يحتاج وقتًا.

حين نفقد الصبر، لا نفقد القدرة على الانتظار فقط؛ نفقد المساحة الداخلية التي تسمح لنا بأن نفكر بعمق. وربما تكون نهاية الصبر هي بداية نهاية تلك الفسحة التي كان العقل يجد فيها نفسه.

00:00 | 27-08-2026

«الفوضى الخلابة»: عن السفر والمسافرين..

في كل صيف تبدأ رحلة جديدة لاكتشاف الأماكن، لكن الأهم من اكتشاف الأمكنة هو اكتشاف معنى السفر نفسه. فالسفر، قبل أن يكون رحلة استجمام أو هروباً مؤقتاً من روتين الحياة، هو ثقافة وتجربة إنسانية تعيد ترتيب علاقتنا بالعالم وبأنفسنا. ومع كل موسم سفر تتباين الخيارات وتتنافر أحياناً، لأن البشر مختلفون في أفكارهم واهتماماتهم ومستويات وعيهم بما يمكن أن تمنحه الرحلة من معنى.

هناك من يحوّل موسم السفر إلى مناسبة سنوية للاستعراض ولفت الانتباه، فيصبح المكان مجرد خلفية للصورة، والرحلة منصة لإثبات الحضور أمام الآخرين. وفي المقابل، هناك من يرى السفر فرصة حقيقية للراحة والتأمل واستعادة التوازن، استعداداً للعودة إلى الحياة والعمل بطاقة أكثر قدرة على الإنتاج، وبأثر يمكن أن يترجم إلى شيء حقيقي على الأرض.

ولعل هذا أحد الأسباب التي جعلت أدب الرحلات حاضراً بقوة في تاريخ الثقافة الإنسانية. فقد كان السفر بالنسبة إلى كثير من المبدعين وسيلة لاكتشاف العالم، ومصدراً للأفكار والأسئلة والحكايات. لم تكن قيمة الرحلة فيما يُلتقط خلالها من صور، بل فيما تتركه من أثر في الوعي، وما تضيفه إلى تجربة الإنسان ومعرفته.

لكن في زمننا الحالي، تبدو ظاهرة أخرى أكثر حضوراً؛ انتصار الذات على الفكرة، وتعزيز الفردانية إلى درجة غير مسبوقة. لقد انعزل الإنسان داخل عالمه الخاص، حتى أصبح في كثير من الأحيان لا يرغب إلا في سماع صوته ورؤية صورته. ولم يعد المكان هو بطل الرحلة، بل الشخص الذي يقف أمامه.

وسائل التواصل الاجتماعي عزّزت هذا التحوّل بصورة لافتة. أصبحنا ننشغل بتوثيق اللحظة الجميلة أكثر من عيشها، وبإثبات أننا كنا هناك أكثر من الاستمتاع فعلاً بوجودنا هناك. وهكذا تحوّلت الإجازة، التي يفترض أن تكون ابتعاداً عن الضجيج، إلى وسيلة لصناعة ضجيج جديد؛ ضجيج الصور والتحديثات والتعليقات والانطباعات السريعة.

ربما نحتاج اليوم إلى استعادة ثقافة السفر قبل أن نفقد معناها. أن نسافر لنرى لا لنُرى، وأن نكتشف العالم بدل أن نكتفي بعرض أنفسنا فيه. فالفوضى الخلابة التي تمنحها لنا الرحلة لا تكمن في ازدحام المدن أو اختلاف الثقافات، بل في قدرتنا على الخروج مؤقتاً من ذواتنا، والنظر إلى العالم بعين أكثر فضولاً وهدوءاً واتساعاً.

00:00 | 20-08-2026

ولعلها رسالة إلى صحافي شاب... لعلها !

وها هي أمامي قطعة تنشرها «نيويورك ريفيو أوف بوكس» عن الكاتب والروائي الشهير روبرت لويس ستيفنسون. ومن لا يعرفه، يعرف بالتأكيد أعماله الأهم، وفي مقدّمتها «جزيرة الكنز» و«الحالة الغريبة للدكتور جيكل والسيد هايد»، وغيرها الكثير من الأعمال التي بقيت حيّة في ذاكرة الأدب العالمي.

سبب افتتاني بهذه القطعة البديعة ليس ستيفنسون وحده، وإنما الرحلة التي تكشفها عن الكاتب، وكيف جعل الشغف مفتاحه الأهم والأبقى للاستمرار في هذه الرحلة، مهما كانت قسوتها. فالكاتب، كما تكشف المقالة، لا يعيش بعيدًا عن الكتابة حتى عندما يبدو عاطلًا عنها.

يروي ستيفنسون عن نفسه، في اقتباس تنقله المقالة، أنه كان يحتفظ دائمًا «بكتابين في جيبه: واحد للقراءة، وآخر للكتابة». وكان يمشي وعقله مشغول بتحويل ما يراه إلى كلمات، وإذا جلس على قارعة الطريق قرأ أو أخرج قلمه ليدوّن ملامح المشهد. والأهم من ذلك كله أنه كان يفعل ذلك من أجل التدريب، لا من أجل منفعة عاجلة.

هذه الفكرة وحدها تستحق أن يتوقف عندها كل من يريد أن يكتب: أن تكتب ليس لأن لديك مشروعًا جاهزًا فحسب، وإنما لأن الكتابة نفسها تدريب دائم. ويذهب ستيفنسون أبعد من ذلك حين يتحدث عن تقليده لكتاب كبار مثل هازلت ولامب ووردزورث ومونتين، معتبرًا أن التقليد يمكن أن يكون طريقًا إلى الأصالة، لا نقيضًا لها.

ولعلها، في جوهرها، رسالة عن الانضباط في مهنة تحتاج إلى التركيز، خصوصًا في هذا العصر المزدحم بالمشتّتات. فالموهبة وحدها لا تكفي، والشغف، مهما كان كبيرًا، يحتاج إلى نظام يحميه من التبدّد.

تذكرت، وأنا أقرأ عن ستيفنسون، ما قرأته عن نجيب محفوظ، وكيف كان يهيئ جدوله الكتابي اليومي، محوّلًا الموهبة إلى مهنة منضبطة الإيقاع والتوقيت، وإلى مواعيد للكتابة لا محيص عنها مهما كانت الظروف. وربما هنا يكمن الفارق بين من يحب الكتابة ومن يحترفها: الأول ينتظر اللحظة المناسبة، أما الثاني فيصنع لها مكانًا في يومه.

وكان غازي القصيبي يصر على أن كثرة الواجبات الاجتماعية هي العائق الأول في مواجهة الكاتب والمبدع العربي؛ لأنها تبعده طويلًا عن عمله، وتفقده خيط الوصل مع مشروعه الإبداعي.

والكاتب صحافي، والصحافي كاتب، وبينهما تقاطعات كثيرة. فقد كان جورج أورويل روائيًا عظيمًا وصحافيًا مهمًا، وكذلك غابرييل غارسيا ماركيز، وغيرهما كثيرون. الصحافة تمنح الكاتب حس التفاصيل، والكتابة تمنح الصحافي القدرة على رؤية ما وراء الخبر.

ولعلها، في النهاية، رسالة إلى صحافي شاب: احمل كتابًا تقرأه، ودفترًا تكتب فيه، واحمِ شغفك بالانضباط. لا تنتظر أن تأتي الكتابة إليك؛ اذهب إليها كل يوم. فالمشروع الكبير لا يولد دفعة واحدة، وإنما يتشكّل من عادة صغيرة تتكرر حتى تصبح حياة.

وهنا تصبح حكاية الكتابين في جيب ستيفنسون هي العمود الفقري للمقال، بدل أن تكون مجرد معلومة عابرة؛ وهو ما يعطي النص رسالة أوضح للصحافي الشاب. ستيفنسون لم يكن مجرد مؤلف لـ«جزيرة الكنز» و«جيكل وهايد»، فحسب، بل كان في عصره يُعد من كبار كتّاب المقالة أيضًا، وهذه هي الرسالة أيها الشاب القادم إلى هذا العالم الصاخب.

00:04 | 13-08-2026

على ضفاف المشهد: الصحافة وبيتهوفن!

ليست الصحافة مهنة تُختزل في خبر أو عنوان عريض، بل هي حالة دائمة من البحث والاكتشاف. كلما ظن الناس أنها بلغت نهايتها، عادت لتولد في مكان آخر، كما تتجدّد الجداول في مجاريها، وتستعيد السهول والوديان خضرتها بعد المطر. إنها مهنة لا تعرف التقاعد، لأنها ترتبط بفضول الإنسان الأول ورغبته الأبدية في معرفة ما يحدث خلف الأبواب، وما يدور في الكواليس، وما تصنعه الأيام في حياة البشر. ولهذا وجدنا من أفنى عمره فيها حتى الرمق الأخير، لا طلباً لمنصب أو شهرة، بل وفاءً لشغف لا يهدأ.

الصحافة، في جوهرها، تبدأ من الخبر. فالخبر ليس سطراً يُقرأ ثم يُنسى، وإنما الشرارة الأولى التي تتوالد منها الأسئلة، وتنبثق منها القصة، وتتشكّل حولها الرواية، ويُكتب بها جزء من التاريخ. إنه الضربة الأولى التي تفتح أبواب المشهد، تماماً كما تبدأ سمفونيات بيتهوفن بنغمات حاسمة لا تترك للمستمع خياراً سوى الإنصات. ذلك الإيقاع الأول يشبه الخبر الحقيقي؛ خاطف، قوي، ومؤثر، لأنه يحمل في داخله وعداً بما سيأتي، ويستدرج العقل إلى رحلة من التأمل والتحليل.

ولعل أجمل ما تعلمناه من الصحافة أن للكلمة وزناً ومسؤولية. فليست كل الكلمات سواء، وليست كل الأخبار متشابهة. وقد أدرك أسلافنا هذه الحقيقة حين قالوا: «كلامنا لفظ مفيد كاستقم»، وكأنهم كانوا يضعون أول قاعدة في مدرسة الكتابة الصحافية؛ أن تكون الكلمة نافعة، مستقيمة، وواضحة، لا تضلل القارئ ولا تخونه.

من بعيد تبدو الصحافة مهنة سهلة؛ قلم، وورقة، وكاميرا، ومنصة للنشر. لكن من يقترب منها يكتشف أنها واحدة من أكثر المهن صرامة. فهي لا تمنح الاعتراف بسهولة، ولا تعترف إلا بمن يثبت جدارته يوماً بعد آخر. مرّ عليها آلاف الصحافيين، غير أن الذاكرة لم تحتفظ إلا بالقليل؛ أولئك الذين جعلوا من المهنة رسالة، ومن الحقيقة غايتهم الأولى، فتركوا أثراً بقي بعد غيابهم.

تذكرت وأنا أستعيد هذه المعاني كتاب «رسالة إلى روائي شاب»، وتمنيت لو أن المكتبة العربية تضم كتاباً بعنوان «رسالة إلى صحافي شاب». فهذه المهنة ليست مجرد مهارة في الكتابة، بل منظومة من القيم تبدأ بالدقة، وتمر بالتحقّق، وتنتهي بالمسؤولية الأخلاقية. ومن هذه القاعدة تتفرع أشكال السرد كلها؛ فالمقال الجيد يبدأ من حسّ صحافي، والكتاب الرصين يولد من بحث صحافي، والبرنامج الناجح يقوم على عين صحافية، وحتى الدراما الأكثر إقناعاً تستعير من الصحافة قدرتها على التقاط التفاصيل وصناعة الحكاية.

اليوم يظن كثيرون أن زمن الصحافة قد انقضى، وأن بريق وسائل التواصل الاجتماعي أطفأ وهجها. غير أن ما تفعله هذه المنصات هو تسريع تداول المعلومة، لا صناعة الحقيقة. فالصحافة كانت، وما زالت، المؤسسة التي تمنح الخبر معناه، وتمنح الوقائع سياقها، وتضع بين يدي القارئ ما يستحق أن يُعرف لا ما يستحق أن ينتشر فقط.

ولهذا ستبقى الصحافة أصل القلم، وذاكرة الحبر، وعين الكاميرا. وبدونها يغدو المشهد مجرد ضجيج متراكم، وتصبح الأخبار شظايا بلا سياق، وتمتلئ المساحات بالفراغ، حيث يغيب المعنى قبل أن تغيب الحقيقة.

20:47 | 5-08-2026

البنية التحتية للإبداع الفكري تبدأ من هنا

اعتدت منذ سنوات طويلة أن أبدأ أي رحلة معرفية بزيارة المكتبات، لا بحثاً عن عنوان محدد فحسب، وإنما للاستمتاع بالمشي بين رفوف الكتب، وتأمل العناوين، واكتشاف أحدث الإصدارات. كانت تلك العادة بالنسبة إليّ أكثر من مجرد هواية؛ كانت وسيلتي لفهم أي مجال جديد، وإدراك أن الإبداع لا يولد من الفراغ، بل يحتاج إلى بنية فكرية تحتية راسخة، قوامها المعرفة، والكتاب، والترجمة، وإتاحة المحتوى المتخصص.

كل تجربة إبداعية حقيقية تبدأ من القراءة. فالكتاب ليس مصدراً للمعلومة فقط، بل هو البيئة الخصبة التي تنمو فيها الأفكار، وتتشكّل فيها الرؤى، ويتطور معها الحس النقدي. ولهذا كنت أشعر دائماً بالحزن عندما أجد المكتبة العربية تعاني فقراً واضحاً في الكتب المتخصصة، خصوصاً في المجالات الإبداعية الدقيقة التي يحتاج إليها الممارسون والباحثون.

وقد عشت هذه التجربة بصورة مباشرة عندما قررت تحويل بعض أعمالي الأدبية إلى أعمال درامية وسينمائية. كان الطريق الطبيعي بالنسبة لي هو العودة إلى الكتب، والبحث عن المراجع التي تساعدني على فهم لغة السيناريو، وبناء الشخصيات، وتقنيات السرد البصري، وآليات الإنتاج. لكنني اصطدمت بندرة واضحة في المؤلفات العربية المتخصصة، في مقابل وفرة كبيرة من الكتب والأبحاث والمنشورات باللغة الإنجليزية التي تناولت هذه الفنون بعمق وتفصيل.

واليوم يشهد المشهد الثقافي السعودي تحوّلاً مهماً في بناء هذه البنية الفكرية. فقد عملت وزارة الثقافة على دعم النشر والترجمة وإثراء المحتوى المعرفي، بما يسهم في توفير مصادر عربية أكثر جودة وتخصصاً للمبدعين والباحثين. كما قدمت جمعية السينما جهداً مميّزاً من خلال ترجمة عدد من الكتب والمراجع الأساسية في فنون السينما، وكانت هذه الإصدارات بالنسبة لي غنية ومؤثرة، لأنها أسهمت في سد جزء من الفجوة المعرفية، وأتاحت للقارئ العربي الوصول إلى مراجع مهمة بلغته.

وإلى جانب ذلك، أسهمت هيئة الترفيه في توسيع حضور السينما من خلال الدورات والبرامج والفعاليات التي عزّزت الثقافة السينمائية، ووفرت فرصاً للاحتكاك بالتجارب المختلفة، بما يدعم نمو هذا القطاع ويزيد من وعي جمهوره وممارسيه.

إن الاستثمار الحقيقي في الإبداع لا يقتصر على دعم الإنتاج الفني، بل يبدأ من بناء الإنسان معرفياً، وتوفير الكتب، وتشجيع الترجمة، وإتاحة المراجع المتخصصة باللغة العربية. فهذه هي البنية الفكرية التحتية التي تصنع المبدعين، وتمنحهم الأدوات اللازمة للابتكار، وتؤسّس لحراك ثقافي مستدام قادر على إنتاج أعمال تنافس عالمياً، لأنها تنطلق أولاً من قاعدة معرفية متينة.

00:01 | 30-07-2026