في ممرات وردهات وغرف المرضى بمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بالرياض كان ذلك الجراح الهادئ يلفت أنظارنا ويجعلنا نتساءل فيما بيننا: متى يعود هذا الطبيب إلى منزله ومتى يرتاح، وكيف يستطيع أن يدير كل مهامه الكثيرة المتشعبة بانضباط وإتقان. كنا مجموعة من الأطباء الخريجين الجدد الذين أتيح لهم الالتحاق بالمستشفى، وكنا نتذمّر من ضغط العمل وكثرة المناوبات رغم محدودية المهام الموكلة لنا كمبتدئين، بينما ذلك الجراح الهادئ، يلقننا درساً مهماً بأن مهنة الطب لا وقت محدداً لها، فإما أن تكون لها بكل وقتك وجهدك أو لا تكون.

هكذا كان وما زال البروفيسور زهير الهليس بعد أكثر من 48 عاماً وهو يصافح القلوب المتعبة، ويمنحها علمه وحبه وخبرته ووقته. تراه في غرفة العمليات كأعظم مايسترو يعيد النغم الطبيعي الجميل للقلوب المعطوبة، ثم يستمر صديقاً راعياً لها، في علاقة حميمية دافئة. وأي صداقةٍ عظيمة تلك التي تنشأ بين قلب مريض وطبيب لامسه وتجوّل بين شرايينه وحجراته ومنبع النبض فيه!

استمر البروفيسور زهير الهليس يعمل بصمت وإنكار للذات، وقته كله لمهنته وأبحاثه. أنجز إلى الآن أكثر من 25 ألف عملية قلب، وقام بتأسيس أول سجل لأمراض القلب الخلقية في الشرق الأوسط، وقام بتطوير مركز عالمي متكامل للقلب في المستشفى التخصصي، بالإضافة إلى تدريب أجيال من الجراحين، والمساهمة في تأليف كتب مرجعية في أمراض وجراحة القلب. ولم يتوقف عطاء الدكتور زهير داخل وطنه، فقد قاد إلى الآن أكثر من 60 مهمة جراحية خيرية وتعليمية في أكثر من 20 دولة.

لكل ذلك وأكثر منه، نال تكريماً عالياً من وطنه بمنحه وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى عام 2007، ونال تقديراً أكاديمياً عالمياً بانتخابه رئيساً للجمعية العالمية لجراحة قلب الأطفال وقسطرة القلب الخلقية كأول سعودي وعربي يتولى هذا المنصب. وماذا بعد كل هذه الاستحقاقات العظيمة؟. هناك شيء جديد استحقه الدكتور زهير مؤخراً بكل جدارة، فقد تم تتويجه بجائزة الإنجاز مدى الحياة لعام 2026 من الكلية الأمريكية لأمراض القلب «تقديراً لمسيرته في تطوير جراحة القلب، وإسهاماته العلمية والتعليمية التي أسهمت في الارتقاء بالرعاية القلبية داخل المملكة وخارجها»، وقد تم التتويج خلال الاجتماع السنوي للكلية بحضور نخبة من قيادات أطباء القلب في العالم.

أشعر بزهو عظيم وأنا أتحدث عن أستاذ تتلمذتُ وأجيال كثيرة غيري على يديه. وليست هذه المرة الأولى التي أتحدث فيها عنه، فقد اتصل بي قبل بضع سنوات صاحب صالون الإثنينية الشهير في جدة، الوجيه الأديب الشيخ عبدالمقصود خوجة، رحمه الله، يطلب مني تقديم الدكتور زهير الهليس في حفل احتفاء الصالون به، بحضور جمع كبير من الأدباء والمثقفين والإعلاميين ورجال العلم ووجهاء المجتمع. وللمرة الأولى شعرت أني سأرتبك أمام هيبته لو قدمته ارتجالاً رغم اعتيادي على المنابر، فاضطررت لكتابة تقديمي له، محاولاً سبر عمقه الإنساني قبل علمه، ومنظوره الخاص في التعاطي مع مهنة الطب، وفلسفته في التعامل مع القلوب الموجوعة كإنسان قبل أن يكون جراحاً يُعمل مبضعه في أنسجتها.

مبروك بروفيسور زهير.. مبروك لنا.. مبروك للوطن.. مبروك للإنسانية.