تستطيع أن تحلف بالمغلّظات من القسم أنّ منتخبنا الوطني هو الوحيد بين كافة المنتخبات الوطنية المتأهلة لنهائيات مونديال كأس العالم 2026؛ الذي يعيش حالة من التوهان، وفقدان البوصلة، بصورة تعدّت حالة «القلق» إلى «الرثاء» والخوف من كارثة وشيكة، و«فضيحة» مقبلة ستمحو آثار السمعة الطيبة التي تركها «الأخضر» في المونديال السابق؛ كونه الفريق الوحيد الذي استطاع الفوز على حامل اللقب (الأرجنتين)..

ففي الوقت الذي تنصرف فيه كل المنتخبات إلى وضع «اللمسات الأخيرة»، وخوض المباريات التجريبية في أيام الفيفا؛ للوقوف على جاهزية العناصر، وضبط إيقاع الخطط التي سيؤدي بها كل منتخب، حسب غايته من المونديال، وأهدافه التي يسعى إليها، في هذا الوقت الحاسم والحساس، تضرب سفينة «أخضرنا» في عباب التيه مع مديرها الفني هيرفي رينارد، فلا هو استقرّ على اختيار العناصر التي سيخوض بها المونديال ناهيك عن وضع ملامح التشكيلة الأساسية، ولا هو اختار الطريقة المثالية التي سيؤدي بها مبارياته الثلاث مع منتخبات إسبانيا، والأورواغوي والرأس الأخضر. وكل ما يقوم به الآن يكشف حقيقة أن رينارد «عاجز» كل العجز عن حل المعضلات التي تواجه الأخضر، وأن معالجاته تفتقد إلى الحس الزمني السليم، وأن ما يقوم به الآن يمثل «بدعة» في عالم التدريب، فهل رأيت في كافة المنتخبات المتأهلة للمونديال، وحتى غير المتأهلة، مديراً فنياً يجمع 50 لاعباً ويقسمهم إلى فئة (A)، وفئة (B)، ويبدأ في المداورة، فتصبح القائمة الأولى على أسماء، وتنتهي في المساء على أخرى، ويرسل آخرين إلى منازلهم، في نهج يكشف حجم الفوضى التي تضرب بأطنابها، ويزيد عليها بالاستبعاد دون أسباب، والاستدعاء دون مسوغات، وتبديل مراكز اللاعبين، وإشاعة حالة من الإحباط بينهم، كما ظهر ذلك جلياً في المباراة الودية التي خاضها الأخضر مؤخراً مع مصر وانتهت بهزيمة مذلة وبالأربعة، وما أعقب تلك المباراة الكارثية من معالجات وتصريحات، درج على تمريرها رينارد، وتكرارها بشكل ممجوج في كل مؤتمر صحفي يعقب هزيمة للأخضر، فإشاراته الدائمة إلى أن اللاعب السعودي لا يلعب دقائق كافية في مباريات الدوري بما يفقده حساسية المنافسة، توصيف صحيح في كثير من جوانبه، لكنه لا يعفيه مطلقاً من المسؤولية، ويظل السؤال المُلحّ يطارده: وماذا فعلت أنت بوصفك مديراً فنيّاً لمعالجة هذا الواقع؟ وقد هُيئت لك كل الظروف لذلك، ومن بينها تعطيل الدوري لأكثر من شهر، وخوض مباريات كأس العرب بالتشكيلة الأساسية خلافاً لبقية المنتخبات العربية الأخرى، وكانت الحصيلة مخيبة، بل لم تظهر أي جوانب تكتيكية أو ملامح أداء تكشف عن جهد فني، وخطط مرسومة، وإنما هو تجريب بلا هدى، وترقيع بلا تخطيط، والنتيجة هذه الحالة التي نعيشها اليوم.. ومهما تعلّق رينارد بحجة عدم مشاركة أكثر اللاعبين السعوديين بشكل أساسي في مباريات الدوري، فهذا القول حجة عليه، وليس داعماً لفرضياته، فمع هذا الشح الذي يشير إليه من مشاركة اللاعب السعودي، كان من المفترض أن تنحصر دائرة اختياره، وقد هيّأ له الدوري بهذه الصورة الأميز والأقدر على منافسة اللاعب الأجنبي والقادر على اقتحام التشكيلة، ولكننا رأينا في المقابل أنه توسع في الاختيار، وجاوز المعقول بهذا العدد الكبير، وهو صنيع كان سيكون مقبولاً لو أنه في بداية عمله، وأن في الوقت متسعاً يمتد لعامين أو عام على أقل تقدير، لكن أن يعالج الإشكال بهذه الطريقة ولم يبقَ لانطلاقة المونديال سوى أيام معدودات فلا وصف لذلك إلا أنه عمل يفتقر إلى الاحترافية، وأن «الطاسة ضائعة» بينه وبين اتحاد الكرة، الذي لم يحرّك ساكناً وهو يشهد هذا الانحدار وضياع هوية المنتخب السعودي، وقد كان يلزمه معالجة الواقع قبل زمن طويل خاصة أن الخبراء والنقّاد قد أشاروا بصريح القول إلى مواطن الخلل، وشخصوا العلل، ووضعوا الحلول الممكنة.. ولكن لا أحد يستجيب..!

والحال كذلك؛ فلا أقل من وضع حد لهذه المهزلة التي تطال «الأخضر» اليوم، وأول معالجة هي كف يد رينارد عن تدريب المنتخب، خاصة أن في الخاطر «غصّة» من مغادرته الأولى في وقت حرج، ولأسباب واهية، لم يحترم معها العقد بينه وبين اتحاد الكرة، ولم يكن متوقعاً أن يعود مرحّباً به لتدريب المنتخب وكأن شيئاً لم يكن، وحتى لو تغاضينا عن كل ذلك فما يقدمه اليوم لا يكشف عن جدية، ولا يظهر قدرة، بل على العكس، يحاول رينارد في كل مناسبة ترحيل التبعات على غيره، و«غسل» يديه مما حاق بالأخضر، وهو أمر كان لزاماً على اتحاد الكرة أن يلجمه، ويطالبه بالعمل عوضاً عن كثرة الانتقاد.. فلا أقل من إقالته فوراً وتكليف أحد العناصر الوطنية المشهود لها بالكفاءة لاستدراك ما يمكن استدراكه في ما تبقى من أيام.. كما أن الاتحاد السعودي مطالب بمراجعة شاملة لواقع الحال الذي نعيشه اليوم، وأولها تقييم تجربة الاحتراف بصورته الحالية، وأثر ذلك على أداء المنتخب الوطني، فليست الغاية أن تنجح الأندية ويفشل المنتخب، بل الغاية كل الغاية أن يكون نجاح الأندية هو العامل الأساسي الذي يفضي إلى تقوية أداء المنتخب في المحافل العالمية..