أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/273.jpg?v=1763304641&w=220&q=100&f=webp

نجيب يماني

«بيت قد المرايا ولا كل سنة هات كرايا»!

في ترند الأخبار طرح سؤال من قبل مهندس ومسوق عقاري فحواه متى الوقت المناسب لشراء بيت؟

يقول المهندس لا تشتري إلا إذا وصلت الخمسين وعرفت وين بتستقر، ويقول المسوق العقاري «اشتري وأنت صغير وخل تملك البيت هدفك الأول قبل الاستثمار ولو تفطر فول وحليب ما عليك من أحد». في رأيي المتواضع البيت ليس جدراناً وسقفاً وأبواباً ونوافذ، وليس رقماً مكتوباً على عقد ملكية، بل هو المساحة التي يشعر الإنسان داخلها أن حياته مستقرة، وأن أيامه تمضي بعيداً عن القلق المرتبط بالمغادرة أو التجديد أو ارتفاع الإيجار أو مطالبة المالك بإخلاء المكان.

البيت يرتبط بالأمان والخصوصية والطمأنينة، ويمنح الأسرة شعوراً عميقاً بأن لها مكاناً ثابتاً تنتمي إليه.

السؤال المطروح متى يكون الوقت المناسب لشراء البيت؟

الإجابة لا ترتبط بعمر محدد، ولا بسعر محدد، ولا بعبارة جاهزة تصلح للجميع.

القرار يرتبط بقدرة الإنسان على امتلاك بيت دون أن يتحوّل البيت نفسه إلى عبء يطارد راحته ويستنزف دخله.

المهندس يرى أن شراء البيت لا ينبغي أن يكون قراراً متعجلاً، وإنما بعد وصول الإنسان إلى مرحلة يعرف فيها أين يريد أن يستقر.

أما رجل العقار فيذهب إلى فكرة مختلفة، مفادها أن امتلاك البيت ينبغي أن يكون هدفاً مبكراً، لأن الإنسان يستطيع بعد ذلك توجيه جزء من دخله للاستثمار بدلاً من دفع الإيجار. وبين الرأيين مساحة واسعة للتفكير، لأن ظروف الناس ودخولهم والتزاماتهم تختلف، لكن الفكرة الأهم تبقى واحدة البيت قرار مالي وحياتي معاً.

السكن بالإيجار يمنح الإنسان مرونة يستطيع معها الانتقال من حي إلى آخر، ومن مدينة إلى أخرى، دون ارتباط طويل الأمد بعقار واحد.

قد يكون الإيجار هو الخيار الأكثر ملاءمة لمن تتغيّر ظروف عمله أو دخله، أو لمن لم تتضح أمامه وجهة الاستقرار النهائي.

لكن هذه المرونة لها مقابل، يتمثل في استمرار الالتزام المالي.

كل شهر يأتي معه موعد جديد للدفع، وكل عام قد يأتي معه عقد جديد وشروط جديدة واحتمال زيادة في القيمة أو تغيّر في رغبة المالك.

الأسرة التي أمضت سنوات طويلة بالإيجار تكتشف أن مبالغ ضخمة خرجت من دخلها خلال سنوات، دون أن يتحوّل ذلك الإنفاق إلى أصل مملوك لها.

البيت المملوك يمنح صاحبه شعوراً مختلفاً لا أحد يطالبه بإخلائه لمجرد انتهاء عقد، ولا يحتاج إلى إعادة حساباته مع كل تجديد، ولا يعيش القلق.

البيت يصبح أصلاً ثابتاً، ويمكن أن ينتقل إلى الأبناء، أو يؤجر مستقبلاً، أو يباع عند الحاجة، أو يبقى ملاذاً للأسرة مهما تغيّرت الظروف.

الأهمية هنا لا تتعلق بالمال وحده.

الطفل الذي يكبر داخل بيت تعرف أسرته أنه ملكها يشعر باستقرار مختلف؛ الأسرة تستطيع ترتيب المكان وفق احتياجاتها، وتجديده وتعديله، وزراعة حديقته، وتعليق ذكرياتها على جدرانه، دون أن تفكر كل مرة في موافقة مالك العقار. البيت المملوك يتحوّل مع السنوات من عقار إلى ذاكرة عائلية.

لكن امتلاك البيت لا يعني الدخول في التزام مالي أكبر من القدرة.

شراء عقار مرتفع القيمة بقرض يستنزف معظم الدخل قد يحوّل حلم الاستقرار إلى مصدر قلق دائم.

البيت الجميل الذي يستهلك الراتب كله قد يصبح أقل راحة من منزل متواضع يستطيع صاحبه دفع تكلفته دون اختناق مالي.

الوقت المناسب لشراء البيت يبدأ عندما تجتمع ثلاثة أمور:

دخل مستقر، وقدرة واقعية على تحمّل التكلفة، ورغبة واضحة في الاستقرار. بعدها ينبغي اختيار بيت يناسب الحاجة الحقيقية، لا بيت يرضي المظاهر، لا بيت أكبر لمجرد أن الآخرين يمتلكون مثله.

شراء البيت ليس سباقاً مع الآخرين. لا ينبغي أن يشتري الإنسان منزلاً لأنه رأى صديقه يفعل ذلك، ولا أن يستمر مستأجراً لأنه يخشى الالتزام. لكل أسرة حساباتها، ولكل إنسان دخله وأهدافه ومسؤولياته.

الأذكى أن يتحوّل حلم البيت إلى خطة.

ادخار منتظم، دراسة الأسعار، معرفة القدرة التمويلية، مقارنة الخيارات، وتحديد المنطقة المناسبة، ثم انتظار العقار الذي يجمع بين السعر المعقول والمواصفات الضرورية.

قرار كهذا يستحق التفكير الهادئ، لأن البيت الذي نشتريه قد يبقى معنا عشرات السنين.

والبيت في نهاية الأمر عنوان للعائلة، ومكان للذكريات، وملجأ للإنسان، ومساحة يشعر داخلها أن حياته تخصه.

قد يكون الإيجار مناسباً لمرحلة معينة، لكن امتلاك البيت يمنح الإنسان شيئاً لا تستطيع قيمة الإيجار أن تمنحه إحساساً بأن هذا المكان لك، وأن بابك لا يفتحه أحد عليك بقرار منه، لذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي.. متى تنخفض أسعار العقارات؟

السؤال الأعمق هو متى أصبح قادراً على امتلاك بيت يناسبني، دون أن أفقد بسبب ذلك راحتي وقدرتي على الحياة؟

عند الإجابة عن هذا السؤال بصدق، يبدأ الطريق إلى البيت المناسب.

00:01 | 1-10-2026

الذكاء الاصطناعي لا يلغي الطبيب.. يمنحه قدرة أكبر!

تعيش المملكة واحدة من أعظم التحوّلات في تاريخها الحديث، وشكّل مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث أحد المثابات والصروح التي وعت الرؤية حق الوعي، ونهضت بقوائمها، وحلّقت بأجنحتها، لتبلغ مقاماً سنياً، مقدمةً الإنجاز تلو الإنجاز، مما مكّن لها مكانة ريادية في القطاع الصحي التخصصي الذي شهد تحوّلات كبيرة بتوجيه قائد التغيير وصانع رؤية المملكة القديرة ولي العهد الأمير محمد.

من باب الرؤية الفسيح، شارك الرئيس التنفيذي لمجموعة مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث الدكتور ماجد بن إبراهيم الفياض، في قمة أوراكل للصحة وعلوم الحياة بولاية فلوريدا الأمريكية الأسبوع الماضي، مع مجموعة من قادة التغيير الصحي في العالم؛ لشرح تجربة المملكة وتقدمها في المجال الصحي التخصصي وتطويع التقنية لصالح المريض.

تمحورت النقاشات حول التحوّل الرقمي الشامل المعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي في قطاع الرعاية الصحية، مركّزاً على تجربة التخصصي، ومستعرضاً حوكمة الذكاء الاصطناعي التي طوّرها المستشفى، ومؤكداً أن الحوكمة تمنح المؤسسات الثقة اللازمة للتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، بما يدعم تقديم رعاية أكثر قرباً من المرضى؛ فهو لم يعد ضيفاً عابراً على قطاع الصحة، ولا فكرة تقنية تنتظر إثبات وجودها.

المشهد يتغيّر بسرعة، والأنظمة الصحية الكبرى بدأت تنتقل من مرحلة التجربة والاستعراض إلى مرحلة مختلفة تماماً: كيف نجعل الذكاء الاصطناعي جزءاً أصيلاً من العمل اليومي؟ وكيف نحوله من أداة مبهرة إلى قيمة حقيقية يشعر بها الطبيب والمريض والإدارة؟

تجلت هذه الفكرة بوضوح في طرح الدكتور الفياض حول استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي؛ فالقيمة الحقيقية لهذه التقنية لا تكمن في استعراض قدراتها، وإنما في توظيفها لخدمة الطبيب والمريض وتحسين كفاءة المنظومة الصحية.

الذكاء الاصطناعي يستطيع معالجة كميات ضخمة من المعلومات، والمساعدة في تحليل البيانات، ودعم التشخيص والقرار الطبي، وتخفيف الأعباء الإدارية التي تستنزف جزءاً كبيراً من وقت العاملين في القطاع الصحي، ليصبح الذكاء الاصطناعي أداة تعزز قدرات الطبيب، لا بديلاً عنه.

الطبيب يمتلك الخبرة السريرية وفهم الحالة الإنسانية للمريض، وتمنحه التقنيات الذكية قدرة استثنائية على معالجة البيانات واكتشاف الأنماط وتقديم المعلومات بسرعة كبيرة، وتكمن القوة الحقيقية في الجمع بين القدرتين؛ فالنجاح يرتبط بامتلاك المؤسسة رؤية واضحة لما تريد حله، وبنية تقنية قادرة على الاستيعاب، وقيادة تعرف كيف تنقل التقنية من الشاشة إلى غرفة الطبيب وسجل المريض ومسار الخدمة الصحية.

المشكلة التي تواجه البعض هي كثرة التجارب التي لا تصل إلى مرحلة الاستخدام الفعلي، وتجد صعوبة في تحويلها إلى حلول بسبب البيانات، والحوكمة، ودمج التقنية داخل سير العمل، وتحديد المسؤولية عندما تقدم الخوارزمية نتيجة تحتاج إلى مراجعة بشرية.

المستشفى الناجح في عصر الذكاء الاصطناعي ليس المستشفى الذي يضع شعار (AI) على أكبر عدد من مشروعاته، وإنما الذي يبدأ من مشكلة صحية أو إدارية واضحة، ثم يسأل: هل تستطيع التقنية حلها بصورة أفضل؟ وهل نستطيع قياس هذا التحسّن؟

قد تكون المشكلة انتظار المريض، أو ازدحام المواعيد، أو الأعمال الورقية التي تستهلك وقت الطبيب، أو اكتشاف المرض مبكراً، أو تحليل كميات هائلة من البيانات التي يستحيل على الإنسان قراءتها بالسرعة نفسها.

عندها يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة، لا غاية.

بالعودة إلى طرح الدكتور الفياض بشأن مستقبل الطب، فإن الطبيب، وفق هذه الرؤية، سيظل محور العملية العلاجية، لكن أدواته ستصبح أكثر قوة. يساعده الذكاء الاصطناعي على الوصول إلى المعلومات، ومقارنة البيانات، واكتشاف مؤشرات قد يصعب التقاطها بالوسائل التقليدية، بما يتيح له اتخاذ القرار على أساس قاعدة معلومات أوسع وأسرع.

هذا التحوّل ينعكس على علاقة الطبيب بالمريض.

كل دقيقة يوفرها الذكاء الاصطناعي من الأعمال الروتينية يمكن أن تتحوّل إلى وقت إضافي للفحص والاستماع والشرح والمتابعة.

وهذه إحدى أهم الفوائد التي ينبغي أن يبحث عنها النظام الصحي: أن تعيد التقنية إلى الطبيب جزءاً من وقته الذي أخذته الأعمال الورقية والإجراءات المتكررة.

نجاح الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى فرق تجمع الأطباء والممرضين والمتخصصين في المعلومات والتقنية والإدارة، بحيث لا تبقى التقنية مشروعاً معزولاً داخل إدارة تقنية المعلومات.

الانتقال من النموذج التجريبي إلى الاستخدام الواسع يحتاج إلى مسؤولية جماعية، وإلى فهم عميق لطبيعة العمل الصحي واحتياجات المريض.

هناك درس آخر بالغ الأهمية: السرعة وحدها ليست نجاحاً؛ يمكن لمؤسسة أن تنشر عشرات الأدوات خلال عام، ثم تكتشف أنها خلقت عشرات المشكلات الجديدة.

المطلوب سرعة محسوبة، تقترن بالاختبار والمراقبة والحوكمة والأمن وحماية بيانات المرضى.

تبدو المنافسة القادمة بين الأنظمة الصحية مختلفة عن منافسة الماضي.

لن يكون السؤال: من يملك أحدث جهاز؟

بل من يستطيع استخدام البيانات بذكاء؟

من يختصر رحلة المريض؟

من يتيح للطبيب وقتاً أطول للمريض ووقتاً أقل للأعمال الروتينية؟

من يستطيع اكتشاف الخطر قبل تحوله إلى أزمة؟

هذه هي القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي.

المؤسسة التي تفهمه باعتباره تحوّلاً مؤسسياً ستعيد تصميم سير العمل نفسه، وتبني ثقافة جديدة للتعامل مع البيانات، وتضع قواعد واضحة للمساءلة، وتمنح الأطباء دوراً مركزياً في صياغة مستقبل التقنية.

خلاصة طرح الدكتور الفياض، ومن تجارب الأنظمة الصحية الرائدة وقيادته للتحوّل الصحي، أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره منافساً للطبيب، وإنما باعتباره قوة جديدة ترفع قدرته على المعرفة والتحليل واتخاذ القرار.

التقنية قد تكون خارقة في سرعة الحساب وتحليل البيانات، لكن الطب يظل علماً إنسانياً يحتاج إلى خبرة الطبيب وحكمه المهني وتواصله مع المريض.

المستقبل الصحي لن يكون معركة بين الإنسان والآلة، بل شراكة جديدة بين عقل الإنسان وقدرة الآلة.

يظل الطبيب صاحب القرار المهني، وإلى جواره منظومة قادرة على قراءة ملايين البيانات وتحليلها خلال ثوانٍ. والمريض هو المستفيد الأول من نظام يستطيع أن يفهم احتياجاته بصورة أسرع وأكثر دقة.

وهنا تكمن الرسالة الأعمق: الذكاء الاصطناعي لا يصنع المستشفى الذكي وحده؛ الإنسان هو الذي يحدد كيف ولماذا وأين تُستخدم هذه القوة.

وعندما تلتقي خبرة الطبيب مع قدرة الآلة، تصبح التقنية أكثر من مجرد ابتكار؛ تصبح وسيلة لإعادة صياغة مستقبل الرعاية الصحية التخصصية، وهذا ما يسعى إلى تحقيقه مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في ظل الرؤية ومعطياتها المستقبلية.

23:58 | 27-09-2026

نشتاق إلى الماضي لأنه كان صادقاً

يغيب القمر ونعيش السهر وآهات الألم في ليالي الفراق والسهر بقينا فين وهي راحت فين شوف خدتنا لفين

وشوف سابتنا فين

نحمل قناة الذاكرة داخل أرواحنا تحمل إلينا ما عجز الزمن عن محوه

تعبر من خلالها الوجوه القديمة، والأصوات البعيدة، ورائحة البيوت الأولى، وضحكات الصبا، وخطوات الذين كانوا يملأون المكان حياة ثم مضوا، وبقيت أمكانهم معلقة في القلب كأنها تنتظر عودتهم.

من قناة الذاكرة، تطل علينا أعمارنا التي مضت نرى أنفسنا صغاراً، نركض في أفنية البيوت، وننام على أسطحتها نراقب النجوم وتضاريس القمر، نمتطي صهوة أحلامنا الطفولية، نسمع أصواتاً بعيدة، نتكور على أنفسنا داخل ناموسية تنصبها أمي تحمي بها صغارها لسعات الناموس وهوام الليل.

نتشاجر على أشياء صغيرة ثم نتصالح سريعاً، نضحك من أعماقنا دون أن نسأل أنفسنا عن الغد.

كان البيت يومها أضيق من أحلامنا، لكنه كان أوسع من الدنيا كلها؛ لأن الذين نحبهم كانوا مجتمعين تحت سقفه.

مر العمر سريعاً، وكبرنا قبل أن ندرك أننا كنا نعيش أجمل أيامنا. كنا نستعجل الكِبَر، ونحسب الحرية بيتاً مستقلاً ومالاً وقراراً لا يشاركنا فيه أحد.

لم يخبرنا أحد أن للكِبَر ضريبة، وأن من أثقل فواتيره تفرّق الذين كانوا يصنعون من البيت وطناً صغيراً دافئاً.

تفرّق شمل الأحبة رحل الأب، ذلك العمود الذي كان يمنح البيت توازنه وهيبته، سبقته الجدة بحضنها الآمن وحكاياتها اللذيذة، غابت الأم أو أثقلتها السنون، فقدنا أخاً كان السند والعون، وبقيت صورته في زاوية من البيت، وبقيت دعواتنا تلاحقه إلى السماء.

يموت الإنسان، لكن صوته لا يموت يظل رغم الرحيل، تمر بجوار غرفة قديمة، فتسمع في أعماقك ضحكة غائبة. وقد تقع عيناك على كرسي اعتاد أن يجلس عليه أحدهم، فتشعر أن المكان ما زال يحتفظ بشيء منه.

بعض البيوت لا تخلو من سكانها فقط، تخلو من أرواح كانت تمنح جدرانها معنى.

يبقى البيت واقفاً، لكن روحه ترحل مع الذين غابوا تتذكر غيبوبة العناق وتمتمة الشفاه بالدعاء وغمغمة القلوب بشهقات الوداع.

ما أقسى أن يصبح البيت الذي كان يضيق بأهله من كثرتهم، واسعاً إلى درجة موجعة!

كان اجتماع الأسرة لا يحتاج إلى دعوة ولا موعد.

كان الطعام يوضع على مائدة واحدة، والأيدي تمتد إلى صحن واحد، والضحكات تتداخل، والأصوات تتعالى، لكن أحداً لم يكن يظن أن تلك الفوضى الجميلة ستصبح يوماً واحدة من أثمن ذكريات العمر.

تفرّق الأبناء كل في طريق بحثاً عن لقمة العيش، وهذه تزوجت وصار لها بيت وأطفال، وآخر رحل عن الدنيا، فلم يبقَ منه سوى صورة ودعاء وذكريات لا تشيخ.

نعرف بعد فوات الأوان قيمة الأرواح التي كانت في حياتنا بعد أن تفقد قدرتها على العودة.

صوت الأم، سؤال الأب، لم تكن أشياء عابرة كانت اختصاراً لمعنى الأسرة كلها.

شجار الإخوة ومناكفاتنا لم تكن خصومة، كانت لوناً من ألوان الألفة، لأن الذين يتخاصمون تحت سقف واحد يملكون دائماً فرصة العودة

اليوم، نمت المسافات، وكبرت المسؤوليات، وصارت الزيارة تحتاج إلى إجازة، واللقاء إلى موعد، والعناق إلى مناسبة..

تلك هي المفارقة المؤلمة في رحلة العمر، نبحث طويلاً عن السعادة، ثم نكتشف أنها كانت تجلس معنا على مائدة واحدة، وتنام في الغرفة المجاورة، وتنادينا من آخر الممر، وتطرق بابنا بلا استئذان.

كانت الحياة أبسط، والقلوب أقرب، والفرح أقل كلفة، والضحكة أكثر عفوية، والناس يعرف بعضهم بعضاً لا من خلال شاشة، وإنما من خلال عشرة الأيام ودفء المجالس وحديث الألفة والذكريات..

التحديق في قناة الذاكرة وجع روحي متجدد.

كل صورة قديمة يمكن أن تكون باباً إلى حزن عزيز، وكل رائحة قديمة تستطيع أن تعيد إلينا زمناً كاملاً، وكل اسم غائب قد يوقظ في القلب غرفة مغلقة منذ سنوات..

ومع ذلك، تبقى الذاكرة الشاهد الأخير على أننا عشنا، وأحببنا، وعشقنا وضحكنا، وتعلقنا بأشخاص تركوا في أرواحنا أثراً لا يستطيع الموت محوه.

يا جيل اليوم لا تؤجل المحبة، اجلس مع أبيك، وأكثر من سماع صوت أمك، واحتضن إخوتك، وصل رحمك، واسأل عن صديق غاب، واغتنم اللقاء قبل أن يتحول الحضور إلى ذكرى.

لا تنتظر عيداً ولا مناسبة، فالعمر لا يمنحنا إيصالاً يضمن بقاء أحد.

يأتي يوم نفتح فيه قناة الذاكرة، فلا نجد أمامنا إلا وجوهاً غائبة وأصواتاً بعيدة وبيوتاً تغيرت ملامحها.

يومها لن نتمنى مالاً أكثر، ولا بيتاً أكبر، ولا سفراً أبعد؛ سنطلب أمنية واحدة، مستحيلة وبسيطة وهى أن تعود تلك الساعة القديمة كما كانت.

ستظل قناة الذاكرة تحمل إلينا ما فقدناه، وتوجُعنا بما أحببناه، وتذكرنا بحقيقة لا مهرب منها.

إن بعض الأيام التي عشناها كانت أثمن أيام حياتنا، وإن الذين مروا بنا عابرين، كانوا هم الحياة نفسها.

وصدق البدر:

صوتك يناديني تذكر، الحلم الصغير

وجدار من طين وحصير

جيتي من النسيان ومن كل الزمان

اللي مضى واللي تغيّر

كنا افترقنا البارحة تذكر

00:02 | 24-09-2026

جبل صايد كنز سعودي واعد

كأنّ هذه الأرض الطيبة المباركة كانت «تخبّئُ أسرارها»، وتطوي في جوفها البشارات لميقات معلوم، وساعة مقدّرة فرحاً بمثقال «الرؤية»، لتتفجّر الطاقات وعداً، وتشتعل الهمم عطاءً، ويحلّق الوطن سامقاً في آفاق كانت تبدو مستحيلة، وضرباً من خيالٍ؛ فغدت واقعاً معيشاً، وسطور إنجاز نراه رأي العين، بين دهشة وافتخار وزهو واعتزاز... فأعظِمْ بها من «رؤية» شطبت من قاموس حياتنا مفردة «مستحيل»، واستبدلتها بالممكن، على مطايا «همة حتى القمة».

فبالأمس القريب، حملت مشاركة المملكة العربية السعودية في الدورة (70) للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، في العاصمة النمساوية فيينا، البشارة باكتشافات معدنية غاية في الأهمية بالنسبة للمملكة، والعالم أجمع.

حملها إعلان وزير الطاقة، وزير الصناعة والثروة المعدنية، أمام العالم أجمع، بالقول: «كشفت أعمال الاستكشاف والدراسات الجيولوجية في مشروع جبل صايد في منطقة المدينة المنورة عن موارد تقديرية تبلغ نحو (110) ملايين طن من الخام، الذي يحتوي على تركيزات مرتفعة من المعادن الأرضية النادرة؛ خاصة العناصر الثقيلة منها، مصحوبة بتركيزات واعدة من اليورانيوم، الأمر الذي يضع هذا المشروع بين أهم مواقع المعادن الأرضية النادرة الجاري تطويرها على مستوى العالم».

وأضاف: «وقد تعزّز هذا التوجه خلال زيارة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى الولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر من عام 2025؛ حيث وقّع البلدان إطاراً للتعاون في مجال المعادن الحرجة، وتأمين سلاسل الإمدادات، أعقبته شراكة بين شركتَيْ «معادن» - وهي شركة سعودية رئيسية في عملية التعدين - وشركة إم بي ميتيريالز (MP Materials) الأمريكية، لتطوير قدرات فصل ومعالجة المعادن الأرضية النادرة، وإنتاج اليورانيوم المصاحب».

فأوّل ما يلفت النّظر في إعلان المملكة عن هذا الاكتشاف الجيولوجي المهم، أنه جاء في محفل عالمي، منطوياً على رسالة واضحة للمجتمع الدولي مفادها أن استكشاف واستغلال اليورانيوم والمعادن الحرجة في المملكة يتم بشفافية مطلقة، وتحت مظلة العمل المشترك مع المنظمات الدولية، تأكيداً على الالتزام بالاستخدام السلمي والآمن للتقنيات النووية، وهو ما درجت على تأكيده المملكة منذ الإعلان عن عزمها استغلال الطاقة النووية لأغراض سلمية، ليبقى استغلال المملكة لمواردها التي أعلنت عنها تحت دائرة الضوء، تلبية لطموحها المشروع في إدخال الطاقة النووية السلمية ضمن مزيج الطاقة الوطني لإنتاج الكهرباء وتحلية المياه، بما يعني بداهة انتقالها من مرحلة التخطيط إلى امتلاك المواد الخام محلياً.

هذا الأمر الذي يعزّز أمن الطاقة لديها ويمنحها استقلالية كاملة في تأمين الوقود النووي لمفاعلاتها المستقبلية دون الاعتماد الكلي على الاستيراد، غير غافلة كذلك الشراكة العالمية في ذلك، فما نوّه عنه وزير الطاقة، وزير الصناعة والثروة المعدنية، من اتفاقية بين «معادن» وشركة «إم بي ميتيريالز» الأمريكية يمثّل خطوة تنفيذية متقدمة لتوطين تقنيات فصل ومعالجة العناصر الأرضية النادرة واليورانيوم، وهذا بدوره يضمن للمملكة الحصول على أعلى المعايير التقنية والأمنية المتوافقة مع متطلبات الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA).

وإذا توسّعنا في النظر إلى المترتبات الاقتصادية المنتظرة من هذا الإعلان المبشّر، فإننا أمام تحوّل استراتيجي وجوهري، فامتلاك المملكة 110 ملايين طن من الخام الغني بالمعادن الأرضية النادرة واليورانيوم يمثل مرتكزاً اقتصادياً في غاية الأهمية لدعم مستهدفات رؤية المملكة القديرة، وسيقصّر من أمد العديد من مشروعاتها، ويسرّع من وتيرة الإنتاج، ويفتح آفاقاً اقتصادية وصناعية جديدة تتناسب والاستفادة من هذه المكتشفات من المعادن الأرضية النادرة الثقيلة، كونها تُمثّل عصب صناعات متقدمة مثل: الرقائق الإلكترونية، وبطاريات السيارات الكهربائية، والمحركات التوربينية، وغيرها من الصناعات التي لم تعرفها المملكة من قبل؛ ولهذا فإنّ الاكتشاف لا يخدم البرنامج النووي فحسب، بل يضع المملكة لاعباً رئيسياً ومتحكّماً في سلاسل الإمداد العالمية لهذه المعادن، ممّا يعزّز نفوذها الاقتصادي في صناعات المستقبل، ويموضع قطاع التعدين بوصفه ركيزة ثالثة للصناعة السعودية، بجانب النفط والبتروكيماويات.

إنّ من المهم أن تنهض همم السعوديين جميعاً، لنستشعر كلنا أن واقعاً جديداً يفرض نفسه، ويتطلب تغيير كثير من المفاهيم القديمة، فمن الواجب؛ بل ومن الضروري، أن يكون الكادر السعودي المؤهّل حاضراً في كلّ مراحل الاستفادة القصوى من هذه المكتشفات المعدنية، سواء في مراحل الرصد، أو الاستخلاص، أو المعالجة، وصولاً إلى مراحل التصنيع، فإن لم يكن ثمة غنًى عن الشركات العالمية في راهن الوقت، فلا أقلّ من مشاركة سعودية لاكتساب الخبرة، والمضي نحو توطين هذه الصناعات بالكامل مستقبلاً، وهو أمر لن يكون ميسوراً ما لم تركّز الجامعات في كلّياتها العلمية والتطبيقية على المعارف الحديثة، وتعمل على تطوير مناهجها، وتحفيز النوابغ من الطلاب على الانخراط في هذه التخصصات المهمة، وتدريب الكوادر الوسيطة بشكل مستمر، وفتح نوافذ الابتعاث مع الجامعات العالمية في هذه التخصصات المهمة، فبهذا وحده سيكون للمملكة شأن، وأيّ شأن، في صناعات كنا لزمن عالة على الآخرين فيها، وسوقاً للاستهلاك فقط، لكننا مع «الرؤية» ماضون نحو قلب المعادلة، والتأكيد على قدرة المملكة في المنافسة عالمياً في قطاعات جديدة، وبشكل مؤثر وحيوي، بإذن الله.

حفظ الله لنا هذا الوطن وبارك في قيادته، والحمد لله رب العالمين.

00:19 | 21-09-2026

السعودية.. وطن الطمأنينة

ليس الأمن مجرد غياب الخوف، ولا الرزق مجرد وفرة المال والثروات؛ فالأمن في المفهوم القرآني نعمة كبرى تسبق كثيرًا من النعم، والرزق أوسع من أن يُختزل في مورد أو ثروة؛ لأنه يشمل الطمأنينة والاستقرار، وسعة العيش، وبركة الأرض، وصلاح الإنسان والمكان.

من هذا العمق يمكن النظر إلى أرض الحرمين الشريفين، ومهبط الوحي، وموطن قبلة المسلمين، بثقة وإيمان بأن الله الذي شرّف هذه الأرض وحفظها عبر القرون قادر على أن يصون أمنها، ويديم عليها رزقها، ما دامت قائمة على شرف رسالتها وخدمة مقدساتها.

القرآن الكريم يقرر أصلًا عظيمًا من أصول الطمأنينة بقوله تعالى: «فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ»، آية تفتح أبوابًا واسعة من اليقين؛ فالحفظ الحقيقي بيد الله، والحراسة الإلهية فوق كل حراسة، والعناية الربانية أقوى من كل تدبير بشري.

ويظل دعاء خليل الرحمن إبراهيم... قصة أمن بدأت من مكة لتعم كل أرجاء بلاد الحرمين الشريفين، ولعل ما يلفت النظر أن الأمن والرزق اجتمعا في دعاء أبي الأنبياء عليه السلام، في قوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ».

وجاء الدعاء أكثر تحديدًا: «رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ».

ثم يقول عليه السلام داعيًا: «رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ».

تأملوا هذا الدعاء العظيم: أمن، ثم رزق، ثم اجتماع القلوب، ثم الشكر.

لم تكن مكة عند دعاء إبراهيم عليه السلام أرضًا زراعية واسعة، بل وصفها بأنها وادٍ غير ذي زرع.

ومع ذلك طلب لها الرزق، وطلب لها الأمن، وطلب أن تهوي إليها أفئدة الناس.

فجاءت الإجابة الإلهية عبر تاريخ طويل من التحوّلات، حتى غدت أرض الحرمين الشريفين مقصد القلوب، ومهوى أفئدة المسلمين، ومركزًا تتجه إليه الأنظار كل يوم.

ومن هنا تتجلّى قيمة الدعاء الإبراهيمي في قراءة مستقبل المملكة؛ فالأرض التي دعا لها إبراهيم بالأمن والرزق، وشهد التاريخ بقاء أمنها ومكانتها، ليست أرضًا عادية في وجدان المسلمين، ولا يمكن فصل حاضرها عن هذا الإرث الإيماني العظيم، فالأمن نعمة تسبق كل النعم؛ لذا يضع القرآن الأمن في مكانة بالغة الرفعة، ويذكّر الإنسان بقيمته عند زواله أو اضطرابه.

يقول الله تعالى: «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ».

جمع القرآن بين الطعام والأمن؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يستمتع بالرزق إذا فقد الطمأنينة، ولا يستطيع أن يبني مستقبله وسط الخوف والاضطراب.

لهذا تبدو نعمة الأمن التي تعيشها المملكة من أعظم النعم التي تستحق الحمد والشكر.

المملكة ليست دولة عادية في الجغرافيا الإسلامية، إنها أرض الحرمين الشريفين، والأمن هنا لا يخدم المواطن وحده، بل يخدم مسلمي العالم أجمع.

ومن أعجب ما يلفت النظر أن القرآن تحدّث عن مكة بوصفها بلدًا آمنًا، فقال تعالى: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ»، فنحن، ولله الحمد، نعيش الأمن والأمان بعيدًا عن المحن والاضطرابات من حولنا.

نصوص قرآنية تمنح بلاد الحرمين مكانة استثنائية؛ فهي حرم جعل الله له حرمة وأمنًا، وأودع فيه من الخصائص ما لا يوجد في غيره من البقاع.

ومن مكة امتدت رسالة الإسلام، وارتبطت أرض الحرمين بتاريخ الرسالة المحمدية ارتباطًا لا ينفصم، فالرزق الذي يتجاوز حدود الأرض ليصل إلى المسلمين في أنحاء الدنيا ارتبط هو الآخر بأرض الحرمين في دعاء إبراهيم عليه السلام. قال تعالى: «وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ»، وليس المقصود بالرزق لونًا واحدًا من الطعام أو المال، بل مفهوم واسع يشمل كل ما ينتفع به الإنسان. ولذلك فإن قراءة الرزق في واقع المملكة لا ينبغي أن تقف عند النفط والغاز أو التجارة أو الصناعة أو السياحة أو المعادن، فكل هذه صور من رزق الله، لكنها ليست نهاية القصة.

هناك رزق الأمن، والموقع، والمكانة، والعقول، والاستقرار، والثقة، واجتماع الناس، ورزق القدرة على بناء المستقبل، ورزق القيادة الواعية البصيرة القادرة على بسط الأمن والأمان، وأي رزق أعظم من أن تصبح الأرض مقصدًا لقلوب مئات الملايين من البشر؟

الأمن السعودي لا ينبغي النظر إليه باعتباره شأنًا داخليًا محضًا؛ لأن أمن المملكة يعني شيئًا أعمق بالنسبة للمسلمين: أمن المكان الذي تهوي إليه أفئدتهم.

ثلاثة مطالب تختصر كثيرًا من معاني الحياة: الأمن، والرزق، ومحبة الناس.

اجتمعت هذه المعاني في أرض الحرمين الشريفين بصورة تستحق التأمل؛ أمنٌ جعل الحرم قبلةً آمنة، ورزقٌ امتد من الثمرات إلى اقتصاد واسع متعدد الموارد، وقلوبٌ تهوي إلى البيت العتيق من كل فج عميق.

لذلك فإن التفاؤل بمستقبل المملكة ليس عاطفة عابرة، وإنما يمكن أن يستند إلى إيمان عميق، وإلى سنن التاريخ، وإلى واقع دولة تعرف قيمة موقعها ومقدساتها وثرواتها، وتدرك أن حماية المستقبل تبدأ من حماية الأمن، وأن استمرار الرزق يحتاج إلى العمل، وأن دوام النعم يحتاج إلى الشكر.

لا خوف على السعودية بإذن الله؛ فهذه أرض دعا لها إبراهيم بالأمن والرزق، وأكرمها الله بالحرمين، ويبقى واجب أهلها أن يحفظوا النعمة بالشكر، والوطن بالعمل، والأمن باليقظة، والمستقبل بالطموح.

00:08 | 17-09-2026

سلمت يا وطني في يومك الأغر

في اللّحظة التي نتهيّأُ فيها لتنسّم عبير الذكرى السادسة والتسعين ليومنا الوطني، رافعين شعار «عزّنا بطبعنا».. وقد لاحت البشائر، وتكاملت الأدوار لفرح مستحق، وذكرى حبيبة على القلب.

في هذا التوقيت الاستثنائي، يتعاظم كيد الحاسدين، ويرشح سمُّ استهدافهم الزعاف على ربوع وطني، وبنيته التحتية، وكأنّهم بهذا «الصنيع الصبياني»، والسلوك المأفون، والعدوان الغاشم، قادرون على إيقاف نهضة المملكة، أو تعطيل مسيرتها المباركة مع «الرؤية» المنيفة. ما دروا أن ما اقترفت أياديهم الأثيمة لن يهزّ شعرة في مملكة رسّخت قواعدها بباصر حكمة قيادتها، منذ فجر «التوحيد» الأبلج، ومروراً بكل الحقب السعودية الزاهرة، مستقراً في هذا العهد الوضيء، وقد بلغت فيه المملكة مبلغاً علياً، ونافت به شأواً سنياً، وحلّقت إلى آفاق بعيدة مع «الرؤية»..

أما قرأ هؤلاء «المغامرون» تاريخ هذه الأرض المباركة، وتأمّلوا سطور مجدها الضارب بجذوره في عمق التاريخ؟

أما راجع هؤلاء «المأجورون» سيرة قيادة هذا الوطن الشّامخ الأبي، واستشعروا قصة تلاحم فريد بينه وبين شعبه الوفيّ؟

أما وعى هؤلاء «المتآمرون» درس «الرؤية» في مرايا الحزم والعزم؟

إن فاتهم أن يقرؤوا ويتأملوا ويبصروا ويفهموا حقيقة المملكة، فلا أقل من ندير أعينهم الكمهى، وبصائرهم المنطفئة، وقلوبهم العمياء تلقاء الحقائق الجلية، والمشاهد الناصعة، والشواهد الماثلة، لعلهم يدركوا أن المملكة عصيّة على الاستهداف، وحصينة ضد الانتياش، وسامقة فلا تنالها سهام الحقد، ونبال الموجدة والحقد، لعلهم يفهموا أنّ هذا الوطن بنته سواعد أبيّة، وضمائر نقية، وقلوب توحدت تحت راية الفخر والعز والكرامة، راية وسمها «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، فمن ذا يطاول أو يصاول!

ستعبر المملكة كما عبرت مثل هذه الأفعال الصبيانة، فقد خبرنا مراميها، وأدركنا غاياتها، فمع كل قفزة نوعية تحرزها المملكة في مدارج الرقي، تبرز أصوات الحقد والعداء من قِبل «قوى إقليمية ودولية» يغيظها هذا الصعود المظفر، فتنسل السهام المسمومة من كناناتها العطنة بشكل مستمر ومنظم، ومكشوف النوايا، فهو ليس وليد صدفة، بل هو ضريبة الريادة والسيادة التي تدفعها الأمم العظيمة. ولعل المحاولة الغادرة الأخيرة التي استهدفت خط أنابيب النفط (شرق – غرب) في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، تمثّل ذروة هذا المخطط البائس الذي يسعى لضرب الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، وليس المملكة فحسب.. فليس في هذا الاستهداف الجبان الغادر غير مزيد من التعرّي لمن ملأ الحقد أجوافهم النتنة، في مقابل ما وسع المملكة من نصرة دول العالم كافة، واستنكارها، وإعلانها دعم المملكة في كل ما تقوم به من أجل حماية أراضيها، وصون ترابها، والذود عن حماها، وفي هذا الكفاية والغنى، والتأكيد على مكانة المملكة عالمياً، وإنها القادرة بعون الله على رد العدوان، وقصم ظهر الجناة، ونسف كل تدبير وتآمر يحيكونه ضد أمن وسلامة هذه البلاد الطاهرة.

فالسلام يظلّك أيّها الوطن الأبي، وأنت تستشرف صبيحة الثالث والعشرين من سبتمبر الذكرى السادسة والتسعين لليوم الوطني، صباح ستزداد فيه الرايات الخضراء خفقاً وعلواً وتيهاً.. سنقف، ويقف معنا العالم كله، وقفة تأمل واستقراء لملحمة بناء مستمرة، ونقطة ارتكاز نطل منها على مشهد وطني متكامل الأركان؛ يجمع بين تسارع خطى التطوير والنهضة، وبين بسالة التصدي لمحاولات الاستهداف البائسة التي تسعى للنيل من أمن الوطن ومقدراته الاقتصادية.

سنعرض كتاباً مرقوماً بالإنجازات الباهرة، وموسوماً بالخير، ومسطوراً بحراك تنموي بلغ الغايات، ووضع المملكة حيث يجب أن تكون، وما زال في الطموح وثبة إلى مراقٍ جديدة.. فإنما هي نهضة لا تقف عند حدود، ووثبة بلا سقوف، ورؤية لا تعرف المستحيل، تصوغ لهذا الوطن مستقبلاً ريادياً ليتبوّأ مكانته المستحقة في صدارة المشهد العالمي، مستنداً إلى إرثه القومي العريق، وعمقه الاستراتيجي والديني الفريد.

سنرفع رؤوسنا فخراً في ذكرى هذا اليوم الأغر، كما نحن دائماً بفضل الله، مدركين تمام الإدراك أن مسيرة العطاء لا تسير في طرق مفروشة بالورود، بل تصنعها العزائم الصادقة التي تجابه التحديات وتطوع الصعاب. وسنصوغ في احتفالنا بهذه المناسبة الغالية رسالة واضحة لكل متربص، ونضعها في بريده الخاص، مفادها:

إن المملكة، بقيادتها الحكيمة وشعبها الأبي، أقوى من مؤامرات الطغاة، وأسمى من أحقاد الحاقدين، وستبقى رايتها الخفاقة في علياء المجد، وسيبقى هذا الوطن واحة للأمن والأمان، ومنارة للتطوير والازدهار.

وكل عام وأنت موفور الأمن يا وطني المعطاء، باسقاً شامخاً وأبياً في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان بإذن الله.

00:19 | 14-09-2026

سلمت يا وطني في يومك الأغر

في اللّحظة التي نتهيّأُ فيها لتنسّم عبير الذكرى السادسة والتسعين ليومنا الوطني، رافعين شعار «عزّنا بطبعنا».. وقد لاحت البشائر، وتكاملت الأدوار لفرح مستحق، وذكرى حبيبة على القلب.


في هذا التوقيت الاستثنائي، يتعاظم كيد الحاسدين، ويرشح سمُّ استهدافهم الزعاف على ربوع وطني، وبنيته التحتية، وكأنّهم بهذا «الصنيع الصبياني»، والسلوك المأفون، والعدوان الغاشم، قادرون على إيقاف نهضة المملكة، أو تعطيل مسيرتها المباركة مع «الرؤية» المنيفة. ما دروا أن ما اقترفت أياديهم الأثيمة لن يهزّ شعرة في مملكة رسخت قواعدها بباصر حكمة قيادتها، منذ فجر «التوحيد» الأبلج، ومروراً بكل الحقب السعودية الزاهرة، مستقراً في هذا العهد الوضيء، وقد بلغت فيه المملكة مبلغاً علياً، ونافت به شأواً سنياً، وحلّقت إلى آفاق بعيدة مع «الرؤية»..


أما قرأ هؤلاء «المغامرون» تاريخ هذه الأرض المباركة، وتأمّلوا سطور مجدها الضارب بجذوره في عمق التاريخ؟


أما راجع هؤلاء «المأجورون» سيرة قيادة هذا الوطن الشّامخ الأبي، واستشعروا قصة تلاحم فريد بينه وبين شعبه الوفيّ؟


أما وعى هؤلاء «المتآمرون» درس «الرؤية» في مرايا الحزم والعزم؟


إن فاتهم أن يقرؤوا ويتأملوا ويبصروا ويفهموا حقيقة المملكة، فلا أقل من ندير أعينهم الكمهى، وبصائرهم المنطفئة، وقلوبهم العمياء تلقاء الحقائق الجلية، والمشاهد الناصعة، والشواهد الماثلة، لعلهم يدركوا أن المملكة عصيّة على الاستهداف، وحصينة ضد الانتياش، وسامقة فلا تنالها سهام الحقد، ونبال الموجدة والحقد، لعلهم يفهموا أنّ هذا الوطن بنته سواعد أبية، وضمائر نقية، وقلوب توحدت تحت راية الفخر والعز والكرامة، راية وسمها «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، فمن ذا يطاول أو يصاول!


ستعبر المملكة كما عبرت مثل هذه الأفعال الصبيانة، فقد خبرنا مراميها، وأدركنا غاياتها، فمع كل قفزة نوعية تحرزها المملكة في مدارج الرقي، تبرز أصوات الحقد والعداء من قِبل «قوى إقليمية ودولية» يغيظها هذا الصعود المظفر، فتنسل السهام المسمومة من كناناتها العطنة بشكل مستمر ومنظم، ومكشوف النوايا، فهو ليس وليد صدفة، بل هو ضريبة الريادة والسيادة التي تدفعها الأمم العظيمة. ولعل المحاولة الغادرة الأخيرة التي استهدفت خط أنابيب النفط (شرق – غرب) في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، تمثّل ذروة هذا المخطط البائس الذي يسعى لضرب الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، وليس المملكة فحسب.. فليس في هذا الاستهداف الجبان الغادر غير مزيد من التعرّي لمن ملأ الحقد أجوافهم النتنة، في مقابل ما وسع المملكة من نصرة دول العالم كافة، واستنكارها، وإعلانها دعم المملكة في كل ما تقوم به من أجل حماية أراضيها، وصون ترابها، والذود عن حماها، وفي هذا الكفاية والغنى، والتأكيد على مكانة المملكة عالمياً، وإنها القادرة بعون الله على رد العدوان، وقصم ظهر الجناة، ونسف كل تدبير وتآمر يحيكونه ضد أمن وسلامة هذه البلاد الطاهرة.


فالسلام يظلّك أيّها الوطن الأبي، وأنت تستشرف صبيحة الثالث والعشرين من سبتمبر الذكرى السادسة والتسعين لليوم الوطني، صباح ستزداد فيه الرايات الخضراء خفقاً وعلواً وتيهاً.. سنقف، ويقف معنا العالم كله، وقفة تأمل واستقراء لملحمة بناء مستمرة، ونقطة ارتكاز نطل منها على مشهد وطني متكامل الأركان؛ يجمع بين تسارع خطى التطوير والنهضة، وبين بسالة التصدي لمحاولات الاستهداف البائسة التي تسعى للنيل من أمن الوطن ومقدراته الاقتصادية.


سنعرض كتاباً مرقوماً بالإنجازات الباهرة، وموسوماً بالخير، ومسطوراً بحراك تنموي بلغ الغايات، ووضع المملكة حيث يجب أن تكون، وما زال في الطموح وثبة إلى مراقٍ جديدة.. فإنما هي نهضة لا تقف عند حدود، ووثبة بلا سقوف، ورؤية لا تعرف المستحيل، تصوغ لهذا الوطن مستقبلاً ريادياً ليتبوّأ مكانته المستحقة في صدارة المشهد العالمي، مستنداً إلى إرثه القومي العريق، وعمقه الاستراتيجي والديني الفريد.


سنرفع رؤوسنا فخراً في ذكرى هذا اليوم الأغر، كما نحن دائماً بفضل الله، مدركين تمام الإدراك أن مسيرة العطاء لا تسير في طرق مفروشة بالورود، بل تصنعها العزائم الصادقة التي تجابه التحديات وتطوع الصعاب. وسنصوغ في احتفالنا بهذه المناسبة الغالية رسالة واضحة لكل متربص، ونضعها في بريده الخاص، مفادها:


إن المملكة، بقيادتها الحكيمة وشعبها الأبي، أقوى من مؤامرات الطغاة، وأسمى من أحقاد الحاقدين، وستبقى رايتها الخفاقة في علياء المجد، وسيبقى هذا الوطن واحة للأمن والأمان، ومنارة للتطوير والازدهار.


وكل عام وأنت موفور الأمن يا وطني المعطاء، باسقاً شامخاً وأبياً في عهد الملك سلمان، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان بإذن الله.

19:46 | 13-09-2026

السعودية.. حكاية يوم في روزنامة الحياة

فور صدور قرار مجلس الوزراء الموقر بأن يكون اليوم (الثاني عشر) من شهر مايو من كل عام يوماً للتبرع بالأعضاء، تفاعل الدكتور ماجد بن إبراهيم الفياض، الرئيس التنفيذي لمجموعة مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، مع هذا القرار، فسطّر على حسابه في منصة (X) قائلاً: «موافقة مجلس الوزراء على تخصيص يوم 12 مايو من كل عام يوماً للتبرع بالأعضاء، خطوة مهمة تعزّز ما حقّقته المملكة من تقدّم في زراعة الأعضاء، وتسهم في ترسيخ ثقافة التبرع والتكافل، بما يمنح مزيداً من المرضى فرصة جديدة للحياة».

يأتي هذا المنشور إدراكاً تاماً منه بأهمية هذا النداء، واستشعاراً لبارق الإشارة التي تومي باتجاه «التخصصي»، والدور المنوط به في زراعة الأعضاء، والتوسع فيها.

ولا تحسبنّ أنّ موافقة مجلس الوزراء على تخصيص هذا اليوم للتبرع بالأعضاء، من مستنسلات الاعتياد، أو الإشارات العابرات في روزنامة الحياة، الماضية ركضاً متسارعاً ولاهثاً، لا والله، إنّها لحظة تدير فيها المملكة وجه العالم كلّه، بلا استثناء، إلى قضية إنسانية بالغة النّبل، قضية تمسّ الجميع، إذ لا يخلو ركن من أركان البسيطة عن مسيس الحاجة إليها، إنقاذاً لأنفس أضناها الألم، وطواها الأسى والقنوط، ولا خلاص لها من حالة التأرجح بين الموت والحياة إلا بإغاثة متبرعٍ، ونخوة مانح.

إنه صنيع «الرؤية» التي تبصر بها المملكة، وتتطلع إلى ما يهمّ العالم أجمع، لتضيف بهذا التخصيص يوماً جديداً إلى التقويم، يمنح الإنسانية موعداً سنوياً تتجدّد معه الدّعوة إلى العطاء، وتتّسع معه مساحة الوعي، ويعلو فيه صوت الأمل. وما على ذوي الحِجى والنّفوس الكبار إلّا أن يثبّتوا الموعد في مضابط تقاويمهم السنوية، ويبصموا عليها، تقديراً لنبل المقصد، واعترافاً بفضل المملكة في التنويه إليه.

وما كان للمملكة أن تبتدر بالنّداء لأمر لم تستوفِ حقّه ومستحقه، فقدمُها في مجال زراعة الأعضاء، والتبرّع بها رسخت، والشّواهد على علو كعبها في ذلك كثيرة، إذ صارت مضرب مثل، ومقصداً لمن ينشد العلاج، وهي التي قطعت بالفعل شوطاً مهماً في هذا المجال.

أُنشئ المركز السعودي لزراعة الأعضاء، وتطوّرت مهامه عبر عقود، وأقرّت المملكة نظام التبرّع بالأعضاء عام 2021، كما سجّل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد الأمين، في برنامج التبرع بالأعضاء، مبادرة حملت رسالة إنسانية رفيعة وشجّعت المجتمع على الإقبال على هذا العمل النبيل.

تكشف التجربة السعودية أنّ المنظومة لا تقف عند حدود تشجيع المتبرع، وإنما تهتم أيضاً بحقوقه وتقدير عطائه.

يمثّل مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث رأس الرّمح في مجال زراعة الأعضاء، وقد ذاع صيته عالمياً في هذا المجال، كفاء تسخيره لأحدث التقنيات، ودخول الروبوتات والذكاء الاصطناعي في العمليات الجراحية، وزراعة الأعضاء. واللافت، أنّ التبرع بالأعضاء لم يعد فكرة غامضة أو إجراءً بعيداً عن متناول الناس، فقد أسهمت المنظومة الصحيّة السّعودية في تسهيل إبداء الرغبة بالتبرع عبر القنوات الرقمية، ومنها تطبيق «توكلنا»، مع وجود أطر تنظيمية تحفظ حقوق المتبرعين وتنظم عمليات التبرع والزراعة.

إنّ التبرع بالأعضاء من أسمى صور العطاء؛ لأنّ الإنسان يمنح جزءاً من جسده لإنسان آخر كي يستعيد قدرته على الحياة، ويخرج من أسر المرض، بعين أكثر أملاً.

قد يذهب المال ويُستهلك، وقد تنتهي الهدايا بانتهاء مناسبتها، أمّا العضو الذي يُمنح لمريض محتاج فقد يتحوّل إلى عمر جديد، وبيت يستعيد فرحته، وأسرة تتخلّص من ألم الانتظار. من هنا تأتي أهمية تخصيص يوم وطني سنوي للتبرع بالأعضاء، فالمجتمعات لا تبني ثقافاتها الكبرى بالقرارات وحدها، وإنّما بالتكرار الواعي للفكرة حتى تتحوّل من معلومة عابرة إلى قناعة راسخة، ومن قناعة إلى سلوك، ومن سلوك فردي إلى ثقافة اجتماعية.

سبق أن أعلنت هيئة كبار العلماء جواز نقل الأعضاء من إنسان إلى آخر، حيّاً كان أو ميتاً، بما يؤكّد أنّ هذا الباب يجد له سنداً شرعياً واضحاً.

إنّ خطوة تخصيص الثاني عشر من شهر مايو من كلّ عام يوماً للتبرع بالأعضاء ستنقل قضية التبرع من نطاق المبادرة الفردية المتفرّقة إلى ثقافة وطنية معلنة.

فوجود يوم محدّد يعني أنّ القضية ستعود إلى الواجهة كلّ عام، وأنّ المؤسّسات قادرة على بناء برامج توعوية طويلة المدى حولها، والمعوّل أن يقوم الإعلام بما يستطيع لتحويل المناسبة إلى مساحة لسرد قصص الأمل، كما أنّ المدارس والجامعات والجمعيات تستطيع المشاركة في صناعة وعي جديد يضع قيمة إنقاذ الإنسان في مقدمة القيم الاجتماعية.

ولي عودة إلى هذا الموضوع من منظور آخر إن أمدّ الله في الآجال.

00:00 | 10-09-2026

من الرياض.. «الجين» يرسم طريق العلاج

منذ انبلاج فجر الرؤية القديرة، تغيّرت الكثير من المفاهيم في المجال الصحي التخصصي الذي وجد دعماً وعنايةً خاصةً من ولي العهد الأمين، مما مكّن ربّانه والقائم على أمره من أن يستشرف خططاً طموحةً وبرامج واستراتيجيات متقدّمة، خرجت بمنظومته التقليدية إلى آفاق أرحب، مواكبةً للتطور العالمي، ليصبح مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث رأس الرمح في حركة التطور الكبيرة في المجال الصحي التخصصي، متبوئاً مراكز متقدمة في مجالات كثيرة، أبرزها زراعة الأعضاء، واستخدام الروبوتات، بما قلّل أمد الطبابة، بوسائل أكثر نجاعةً، وأكثر أماناً.

على ذات خطى النجاح المضطرد الذي دأب «التخصصي» على تسجيله في دفتر الإنجازات، يستعد لعقد مؤتمر «أحدث التطورات في طب الأورام الجينومي» في العاصمة الرياض الأسبوع القادم؛ لبحث المستجدات في علم الأورام الجينومي، وتوظيفه في صناعة القرار السريري وتطوير علاجات السرطان الدقيقة.

استضافة «التخصصي» للمؤتمر لا تبدو مجرد رغبة في تنظيم فعالية علمية جديدة، ولا مجرد مواكبة لموضوع أصبح يحتل مساحة واسعة من اهتمامات الطب الحديث؛ القصة أعمق من ذلك بكثير، إنها قصة تحوّل مؤسسي ينتقل بالسرطان من كونه مرضاً يُشخَّص وفق العضو المصاب، إلى مرض تُقرأ تفاصيله من داخل الخلية، وتُفكّك شفرته الجينية، ثم تُترجم النتائج إلى قرار علاجي أكثر دقة، ليكون الطب الجينومي جزءاً من منظومة الرعاية السريرية.

استضافة تبدو امتداداً طبيعياً لمسار علمي وعملي أخذ يتشكّل داخلها، حتى أصبح «الجين» نفسه أحد الأدلة التي يستند إليها الطبيب في اختيار العلاج.

تكمن أهمية التحوّل في أن «الطب الجينومي» تم تطويعه بأيدٍ وطنية قادرة؛ لينتقل من برنامج بحثي إلى نظام مدمج في الرعاية السريرية، خطوة رفعت عدد الفحوصات الجينومية من (22) ألف فحص عام 2022 إلى أكثر من (44) ألفاً، مع إجراء أكثر من (5) آلاف تحليل ضمن طب الأورام الدقيق، وأسهمت في تغيّر العلاج ليستفيد منه نحو 70% من الحالات المرضية الموثقة.

الطبيب أصبح قادراً على إضافة طبقة أخرى من المعرفة: ماذا تقول جينات المريض؟ وماذا تقول جينات الورم؟ وكيف يمكن تحويل هذه المعلومات إلى قرار علاجي؟

وهنا تتضح دلالة المؤتمر، كون «التخصصي» لا يناقش مستقبل الطب الجينومي من بعيد؛ إنه يناقش تجربة أصبحت جزءاً من ممارسته اليومية الفعلية، بما يمكن القول معه إن المؤتمر يمثّل منصة علمية تناقش المستجدات في الأورام الجينومية وعلاقتها بصناعة القرار السريري والرعاية الدقيقة للسرطان.

ولو عدنا بالذاكرة إلى الوراء، لأدركنا أن التصنيف الطبي للسرطان كان يعتمد على المكان الذي ظهر فيه الورم: سرطان الثدي، والقولون، والرئة، والمبيض.

وهو على خلاف الواقع اليوم، فطب الأورام الدقيق بات يضيف سؤالاً أكثر عمقاً: ما الذي يحدث داخل هذا الورم؟

وهنا ينتقل الطب من التعامل مع المرض باعتباره اسماً عاماً إلى التعامل معه باعتباره بصمة بيولوجية خاصة بالمريض وورمه؛ ليحصل المريض على العلاج الذي يناسب الخصائص الجزيئية للمرض لديه، بدل الاعتماد على نموذج علاجي واحد لجميع مرضى السرطان. توجد داخل الورم الواحد مجموعات مختلفة من الخلايا، بعضها يستجيب للعلاج، وبعضها يمتلك خصائص تساعده على البقاء والمقاومة. معرفة هذه التفاصيل ستفتح أبواباً جديدة لفهم تطور المرض وتصميم علاجات أكثر دقة.

تسلسل الجينوم ينتج بيانات هائلة، وتحليل الخلية المفردة يضيف طبقات جديدة، ودمج الجينوم مع النسخ الجيني والبروتينات والمعلومات المكانية والتاريخ الطبي والصور النسيجية يخلق مشهداً بالغ التعقيد.

وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي والجينوم الحاسوبي.

فالذكاء الاصطناعي يساعده في تحليل كميات هائلة من البيانات، واكتشاف أنماط قد يصعب الوصول إليها بالطرق التقليدية، وتحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام الطبي.

هذه السلسلة هي المفتاح الحقيقي لفهم اختيار «التخصصي» استضافة هذا المؤتمر؛ ليحكي قصة مستشفى يحاول الوصول إلى مرحلة يصبح فيها القرار العلاجي أكثر ارتباطاً بالبيولوجيا الفعلية للمرض، وبالبصمة الجينية للمريض والورم، وبالقدرة على مراقبة المرض وتحليل تغيّراته واكتشاف مقاومته للعلاج في وقت مبكر.

الثورة الحقيقية في طب الأورام الجينومي تعيد تعريف السؤال الطبي نفسه.

الطب التقليدي يسأل: كيف نعالج السرطان؟ أما الطب الجينومي فيضيف أسئلة أكثر عمقاً: لماذا نشأ هذا السرطان بهذه الصورة لدى هذا المريض تحديداً؟

وما الذي يجعله يستجيب لهذا العلاج أو يقاومه؟

ثم كيف نستطيع اكتشاف تغيّره قبل أن يتحول إلى مشكلة سريرية واضحة؟

أسئلة تدفع علوم الجينوم والأورام الجزيئية والذكاء الاصطناعي والخزعة السائلة والأوميكس المتعدد إلى الاقتراب أكثر فأكثر من سرير المريض.

صفوة القول: يريد «التخصصي» أن يكون أحد المعالم التي تُنتج المعرفة، وتختبرها، وتحوّلها إلى ممارسة سريرية، ثم تعيد إرسالها إلى العالم ممهورة باسم الوطن. بهذا المفهوم يصبح هذا المؤتمر إعلاناً عن تحوّل أعمق من قراءة السرطان باسمه ومكانه إلى قراءته بشفرته. ومن إعطاء العلاج وفق النوع العام للمرض إلى البحث عن العلاج الذي يناسب هذا الورم لدى هذا المريض، ويجعل الطب الجينومي والأورام الدقيقة عنواناً لمرحلة جديدة من الطب نفسه.

00:44 | 7-09-2026

رسوم الأرض البيضاء تغلق أبواب التحايل وتفتح طريق التطوير

معاناة عاشها الوطن مع مساحات الأراضي الشاسعة المتروكة لسنوات طويلة ساكنة تحت الشمس، لا عمرانَ فوقها، ولا نشاطَ اقتصادياً حولها، ولا قيمةَ مضافةً تتحقق للمجتمع من وجودها. تقضم أوصال المدن، وترفع أسعار السكن، وتشوّه المنظر العام، وتحد من جودة الحياة.

ترتفع قيمتها مع نمو المدن وتوسع الطلب، فتتحوّل الأرض من أصل يفترض أن يدخل دورة التنمية إلى أداة للانتظار والمضاربة، ويصبح ارتفاع السعر بمرور الزمن هو العائد الأساسي من الاحتفاظ بها.

هذه المعادلة تقف خلف التطور المتواصل لمنظومة رسوم الأراضي البيضاء، وتمنح القرار الجديد لمجلس الوزراء أهمية تتجاوز مجرد إجراء إداري يتعلق بتوثيق نقل الملكية وعدم توثيق أي تصرف عقاري ناقل لملكية أرض خاضعة لأحكام نظام رسوم الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة إلا بعد التحقق من سداد الرسوم المستحقة عليها، ليصبح نقل الملكية مرتبطاً بتسوية الالتزام المالي، فلا يتخلص المالك من عبء الرسوم بمجرد نقل الأرض إلى شخص آخر. الملكية العقارية حق أصيل تحميه الأنظمة، لكن هذا الحق يتحرك داخل منظومة اقتصادية واجتماعية أوسع.

الأرض الواقعة داخل النطاق العمراني جزء من مدينة تتوسع، وشبكات طرق تمتد، وخدمات عامة تُقام، وسكان يبحثون عن مساكن، ومستثمرين يبحثون عن فرص، واقتصاد يحتاج إلى أصول تدخل دورة الإنتاج.

لهذا جاءت رسوم الأراضي البيضاء لتحفيز المالك على اتخاذ قرار اقتصادي: إما أن يطور الأرض، وإما أن يتحمّل تكلفة إبقائها غير مستغلة، وإما أن يبيعها بعد تسوية الالتزامات المترتبة عليها. صيغة تضيق مساحة المناورة أمام من يحتفظ بالأرض سنوات، ثم ينقل ملكيتها لتبدأ دورة جديدة من الالتفاف على الالتزامات، فلا يعود تغيير الاسم في الوثيقة وسيلة لإسقاط المستحقات.

فلا يمكن أن يكون تغيير المالك بديلاً عن الوفاء بالالتزام، هذه نقطة مهمة في بناء سوق عقارية أكثر انضباطاً، فالرسوم لا تستهدف تحصيل الأموال، بل تستهدف تغيير السلوك الاقتصادي، لتتحوّل الرسوم إلى حافز اقتصادي لإعادة توجيه رأس المال العقاري نحو النشاط المنتج.

الاقتصاد لا يستفيد من أصل ترتفع قيمته على الورق، بينما يظل مجمّداً خارج دورة الإنتاج، القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحوّل الأرض إلى حياة، فزيادة الأراضي المطروحة للتطوير تساعد في تخفيف الاختناقات التي ترفع تكلفة الحصول على الأرض.

الدولة تريد سوقاً تتحرك فيها الأصول، لا سوقاً تتراكم فيها الملكيات دون إنتاج.

السوق السعودية تتحرك داخل اقتصاد يتوسع ويتنوع، وتطوير المدن والمشروعات الكبرى والبنية التحتية يخلق طلباً جديداً على الأراضي والمنتجات العقارية، هذا يعني أن إدارة الأرض أصبحت قضية اقتصادية واستراتيجية في الوقت نفسه.

كل قطعة أرض تبقى مجمّدة تعني فرصة تنموية مؤجلة، ومن هنا يمكن فهم التشدّد المتزايد في ربط الالتزامات العقارية بعمليات التصرف والتوثيق.

الأرض التي تبقى مجمّدة طويلاً تحقق مكسباً لمالكها، لكنها تحرم الاقتصاد من جزء من إمكاناتها؛ لذلك فإن إغلاق منافذ التحايل على رسوم الأراضي البيضاء لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد تشديد على الملاك.

إنه جزء من فلسفة اقتصادية أوسع تقوم على تحرير الأصول من الجمود، وتحويل الملكية إلى مشاركة في التنمية، وإعادة التوازن بين حق الفرد في امتلاك الأصل وحق المجتمع في سوق عقارية أكثر كفاءة.

القرار لا يقول لمالك الأرض: تخلَّ عن ملكيتك، وإنما يقول له بوضوح أكبر: طوّرها، أو سدّد ما يستحق عليها، أو بعها بعد تسوية التزاماتها، وبهذه المعادلة تتقلص مساحة التحايل، وتزداد تكلفة الاكتناز، ويصبح التطوير خياراً أكثر جاذبية، والمحصلة النهائية التي تستهدفها السياسة أبعد من الرسوم نفسها: أرض تتحرك، وسوق تتوازن، وعمران يتوسع، ومعروض يزداد، واقتصاد يستفيد من كل أصل قادر على أن يدخل دورة الإنتاج.

هذا هو الفارق بين سوق تنمو أسعار عقاراتها فقط، وسوق تنمو فيها قيمة العقار والمدينة والاقتصاد والمجتمع معاً.

قرار حكيم ينهي المعاناة ويبث الحياة في المدن، ومن أراد الاحتفاظ بأرضه يدفع رسومها، ولا بد من إلزامه بتسويرها حتى لا تؤذي الآخرين.

00:00 | 3-09-2026