أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/273.jpg?v=1763304641&w=220&q=100&f=webp

نجيب يماني

العلامة الطبية السعودية.. في مراقي العالمية

«الرؤية» القديرة محت من قواميسنا مفردة «المستحيل»، وشطبت حروف «اللاممكن»،

هيّأت الظروف، وأوجدت المناخ للإبداع والانطلاق، وعلّقت على جدار الزمن لافتة «همة حتى القمّة»، عنوانًا للبذل بلا إبطاء، والنجاح بلا سقوف، والعطاء بلا حدود، وذاع صيت المملكة دولياً، واقتعدت في الموضع الذي يناسبها؛ رفعة وعلوًا.

ولعل احتلال مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث المرتبة الثانية عشرة عالميًا ضمن تصنيف «براند فاينانس» لأفضل (250) مستشفى أكاديميًا حول العالم للعام 2026، نظير وكفاء تمتعه بمستويات عالية من الوعي والاعتراف المهني إقليميًا ودوليًا، بوصفه مؤسسة يفتخر الأطباء بالعمل أو التدريب فيها، إلى استقطابه كوادر طبية متخصصة تُعد من بين الأفضل عالميًا، وفق معايير تقيس قوة العلامة المؤسسية والسمعة المهنية، فضلًا عن تأثير المستشفى في منظومة الرعاية الصحية والتعليم الطبي والبحثي.

خبر طارت به نوافذ الإعلام المختلفة، واحتفت دوائر الاختصاص بهذا الإنجاز المشرق؛ لا بد أن خاطرك ذهب وبشكل تلقائي إلى «الرؤية»، وقد هيّأت لمثل هذا الإنجاز أن يكون واقعًا لا حلمًا، وحقيقة محلقة لا طموحًا كسيحًا.

فإن قَصرتَ النظر الآن وقيّدته في محيط ما حقّقه «التخصصي» فلا بد أنك ذاكر لأكيد ما صدح به ولي العهد الأمين في حق هذا الصرح الطبي الوطني العملاق، حين أكّد على ضرورة تطوير العمل في مستشفى الملك فيصل التخصصي ورفع كفاءته التشغيلية والمالية.

رسالة التقطها من عنته بالإشارة، وشملته بالتعميم، وخصصته بالمسؤولية المباشرة، فأدركها إدراك وعي ببصيرة مفتوحة، وفهم مرادها.

جاء حديث الدكتور ماجد بن إبراهيم الفيّاض، المستشار بالديوان الملكي الرّئيس التّنفيذي للمستشفى، في مقال له بعنوان «وطن يتجدّد وقيادة تصنع التّاريخ» ما نصّه «لم يكن التّخصُّصي مجرد مؤسّسة تعالج، بل منصةً للتّميُّز والمعرفة والتّدريب، ومركزًا يستقطب الكفاءات، ويحتضن العقول، ويقود مبادرات نوعيّة وأبحاثًا جعلته في مصاف المراكز الطبّية العالميّة.

حقّقنا خلال السنوات الأخيرة إنجازات متتابعة في مجالات الجراحة الدّقيقة، وزراعة الأعضاء، وأبحاث السّرطان، والرّعاية التّخصُّصيّة النّادرة، إضافة إلى خطوات رائدة في التّحوُّل الرّقمي الصّحّي وتوظيف الذّكاء الاصطناعي لخدمة المرضى».

عندما تتكامل لأي مؤسسة رؤية مستشرفة، وإدارة ضابطة، فلا غرو أن يكون النجاح حليفها، وبلوغ المراقي ديدنها، وانفساح الطموح بلا سقوف مقود حركتها لشارف المقامات، وسامق الإنجازات.

حلول «التخصصي» في المرتبة الثانية عشرة عالميًا لأمر يستحق الفخر والزهو والتيه، عمل بعد جهد مضنٍ، أكسبه سمعةً عالمية، وبوّأه مكانة تتقاصر دونها صروح سبقته في عمر التشييد، ناف عليها بسريع الإنجاز، فكانت خطوته أسبق، وإنجازه مضطرد، مسطّرًا إنجازات نوعية رسّخت مكانته في عالم الطب، فأصبح مرجعًا عالميًّا في الجراحات الروبوتية وزراعة الأعضاء والطب الدقيق، في إنجازات هي الأولى من نوعها عالميًا زراعة كبد كاملة لطفل، واستئصال ورم داخل الجمجمة، وزراعة مزدوجة لمضخات مساعدة للبطينين، ضمن جراحات روبوتية متقدّمة، وسط سياق عالمي يتنامى فيه الدور المحوري للمراكز الطبية الأكاديمية،

مواصلًا ترسيخ مكانته عالميًا كمؤسسة صحية تخصصية تسهم في تطوير المعرفة الطبية والارتقاء بجودة الرعاية الصحية، من خلال نموذج متكامل يجمع بين التميّز السريري وبناء القدرات الطبية المتقدمة.

وزد من الشعر بيتًا عندما تدرك أن التخصصى صُنّف العلامة التجارية الصحية الأعلى قيمة في المملكة والشرق الأوسط، وأُدرج ضمن قائمة مجلة «نيوزويك» لأفضل مستشفيات العالم لعام 2025، وأفضل المستشفيات الذكية لعام 2026، وأفضل المستشفيات التخصصية لعام 2026، هذه المكانة خلاصة مسار طويل من العمل المؤسسي العميق، والرهان الواعي على العلم بوصفه استثمارًا استراتيجيًا، وعلى الإنسان بوصفه جوهر أي نهضة صحية حقيقية.

هذا الصعود عالميًا يعبّر عن ترسيخٍ مستدام لموقع المملكة ويكشف عن تحوّل «التخصصي» من مؤسسة وطنية إلى علامة طبية دولية ذات ثقلٍ معرفي وسمعة مهنية راسخة؛ فالاعتراف العالمي لا يُمنح بالمجاملات، بل يُنتزع عبر الأداء المتراكم، والنتائج القابلة للقياس، والقدرة على إحداث أثر حقيقي داخل المنظومة الصحية العالمية.

المؤسسات الطبية الكبرى لم تعد تُقاس بحجم مبانيها أو عدد أسرّتها، بل بقيمة أصولها غير الملموسة؛ المعرفة المتراكمة، التجارب السريرية الرائدة، السمعة المؤسسية، والقدرة على إنتاج العلم لا استهلاكه فقط.

ما تحقّق انعكاس لتحوّل وطني أوسع يرى في الصحة ركيزة سيادية، وفي البحث العلمي قوة ناعمة، وفي الإنسان محور التنمية. صعود يفتح أفقًا جديدًا لدور سعودي متقدّم في صياغة مستقبل الطب عالميًا، لا بوصفه متلقيًا للتجارب، بل شريكًا أصيلًا في صناعتها وتوجيه مساراتها..

فلن تكون «المرتبة الثانية عشرة»، على علوّها، مستقر «التخصصي» في رحلة صعوده، التي لا تقنع إلا بالصدارة دون مزاحمة، والأوّلية دون منافس، وإن هذا لوشيك الحدوث طالما بقيت «الرؤية» معاشة واقعًا، ومنجزة حضورًا باهرًا.

ورجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

منذ ساعتين

العين التي تراك كما أنت..

يقول دوستويفسكي:

«في أفضل حالاتك، لن تكون كافياً للشخص الخطأ، وفي أسوأ حالاتك ستظل ذا قيمة للشخص المناسب».

فالقَبول الحقيقي لا يُقاس بدرجة كمالك، بل بنقاء نظرة من يراك.

فحين يحبك أحدهم لجوهرِك، لا يطالبك أن تكون في أفضل صورة، بل يراك كافياً حتى في انكسارك.

أما مَن لم يُخلق لك، فكل اجتهادك سيبدو ناقصاً في عينيه؛ لأن عينيه لم تُصمّما لترياك.

فالقَبول الحقيقي ليس ثمرة الكمال، بل هو نِعمة الإدراك حين تقع عينٌ صادقة على روحك فتراها كما هي، لا كما يُراد لها أن تبدو.

مقولة تفتح باباً واسعاً على سؤال الوجود الإنساني ذاته

لماذا لا يُدرك بعض الناس قيمتنا مهما فعلنا؟

ولماذا يرى آخرون فينا جمالاً لا نراه حتى نحن في أنفسنا؟

الجواب يكمن في العيون التي تبصر الجوهر لا المظهر.

فالعين الخاطئة، مهما تأملت فيك، لا ترى سوى ما ينقصك.

هي كمرآة مكسورة تُعيد إليك صورتك مشوهة، وتُشعرك أن الخطأ فيك، لا في انعكاسها.

أما العين الصحيحة، فهي كضوءٍ خافت في ليلٍ حالك، ترى ما وراء ظلامك، وتُدرك أن الكسر فيك ليس عيباً بل حكاية.

الإنسان الصحيح لا يُرهقك بالمقارنة، بل يَسندك بالاحتواء. فالقيمة لا يمنحها الجمال أو النجاح، بل من يملك عيناً تُبصِر حقيقتك دون أن تهرب منها.

ثمة حقيقة إنسانية عميقة يوشك معظم البشر أن يغفلوا عنها وهي أنك لست مطالباً بأن تكون كاملاً كي تُحب، ولا أن تبلغ ذروة الاتزان لتُقبل، ولا أن تلمع لتُرى.

في عالمٍ يتفنن في المقارنة، ويقيس الناس بمقاييس النجاح والهيئة والمكانة،

يأتي الحب الصادق كفعل تمرد نادر.

يقول لك «ابقَ كما أنت، فهكذا أراك جميلاً».

لا يُحاول إصلاحك كما يُصلح الناس عطب الأشياء، بل يحتضنك كما يحتضن العاشق عشقه القديم بتقديسٍ

ذلك الشخص الذي يُبصرك في لحظة ضعفك ولا يهرب، الذي يُصغي لصمتك كأنه موسيقى، الذي لا يراك عبئاً بل مهمة من نور. هو الشخص الذي خُلق ليُعيد ترتيبك من الداخل دون أن يمسك بيدك. هو الشخص الذي يجعل فوضاك قابلة للحياة، ويحوّل هشاشتك إلى نوع من الجمال الإنساني الذي لا يُفسَّر.

من لا يُخلق لك، سيظل يراك أقل مما أنت عليه؛ لأنه ببساطة لم يُبرمج ليفهمك، لم يُمنح الشفرة التي تُفسّر وجودك.

مهما اجتهدت أمامه، ستبقى بالنسبة له محاولة غير مكتملة، وما أقسى أن تُحب من لا يرى فيك سوى النقص، وأن تُهدر وقتك في إصلاح صورتك في مرآته بينما كان عليك فقط أن تُبدّل المرآة.

القيمة لا تُقاس بما نُقدّمه، بل بمن يُحسن النظر إلينا حين نكون عاجزين عن التقديم. فكم من جميلٍ شوهته نظرة، وكم من بسيطٍ صار عظيماً بعينٍ أحبّت صدقه.

ابحث عمّن يراك بعين الروح لا بعين المقاييس. عمّن يراك كافياً حتى وأنت في قاع حزنك. عمّن يُدرك أن سقوطك لا يُنقصك، بل يُذكّره بأنك إنسان.

هؤلاء فقط الذين يُمكن أن نُسميهم بتوأم الروح، ليس المهم أن تكون محبوباً من الجميع، بل أن تُحاط بأرواح قليلة، صافية، ترى فيك المعنى لا المظهر، وترى في عثراتك جمال السعي، وفي ضعفك قوة الإنسان حين يُصر على أن يكون.

23:56 | 11-02-2026

واحشني زمانك... وداعًا ثريا قابل!   

برحيل الشاعرة ثريا قابل، تنطفئ شمعة دافئة من شموع الوجدان السعودي، ويخفت صوت أنثويّ كان يعرف كيف يربّت على القلوب، وكيف يعالج أحزان الأرواح بذات الرقة والحنان.

آمنت ثريا بأن الفرح لا يمكن أن يكون حبيس الصدر، فهو كالنور يحتاج إلى الانبعاث، وكالنبتة تحتاج إلى أن تُروى، وأن السعادة لا تُحتكر، لكن إذا منحتها لغيرك تتضاعف وتعود إليك بصورة أعمق.

وهذا ما فعلته بنا ثريا.

جدة اليوم أكثر صمتًا، والبحر أقل ثرثرة، والرواشين العتيقة تنكس خشباتها حزنًا، لفقدهم ابنةً بارةً بهم عزيزة على قلوبهم.

حلّقت روحها بعيدًا لتلاقي ربها، في موكب يليق باسمٍ كتب نفسه في ذاكرة الأغنية السعودية بحبرٍ لا يبهت.

ثريا لم تكن مجرد شاعرة، بل كانت وجدانًا حيًّا، وصوتًا حمل ملامح الناس، ولهجة الحارة، وملح البحر، ودفء البن الحجازي.

ما قالت ثريا هجرًا حين صدحت، ولم تفسّق قولًا حين نظمت، ولم تهتك شعرًا حين أبدعت، وإنما خرجت قوافيها تمجّد الحب، وتمدح رقيق المشاعر، وترطّب الوجدان، وتمنح النفس طاقة الأمل، وتبعث في الروح دواعي الصدق في المشاعر.

من أزقة جدة القديمة خرجت تلك الزهرة النادرة، يتيمة الأب، قوية القلب، مؤمنة بأن الحرمان لا يكسر الأرواح بل يصقلها.

اختارت الشعر نافذة تطل منها على العالم، لتعلن أن للمرأة في هذا الوطن صوتًا، وأن للكلمة الأنثوية أفقًا آخر، أوسع، وأكثر صدقًا، وأكثر قدرة على إضاءة العتمة، نغمة مختلفة، لا تتكئ على الزخرف، ولا تتوارى خلف الغموض.

لغتها فصيحة مشبوبة بالعاطفة، محلية النكهة، خفيفة على الروح، عميقة في الإحساس. مزجت حزنًا دفينًا برغبة جارفة في الانعتاق، فأثارت جدلًا لم يحدّ من حضورها، بل صنع لها سُلّمًا صاعدًا نحو آفاق أرحب.

وجد عمالقة الغناء في كلماتها عذوبة لا تنضب.

طلال مداح بصوته الماسي، فوزي محسون بعذوبة ألحانه، محمد عبده بوهجه الطربي؛ جميعهم مرّوا من بوابة ثريا، فغنّوا نصوصها بصدق، وتحوّلت قصائدها إلى ذاكرة جمعية تحفظها القلوب قبل الأسماع.

من (بشويش عاتبني) إلى (حاول كده وجرب)، ومن (تمنيت من الله) إلى (اديني عهد الهوى) وصولًا إلى (واحشني زمانك)، كلماتها مرآة لحنينٍ سعوديٍّ أصيل، لا يتصنّع ولا يتكلّف.

أما (من بعد مزح ولعب) فبقيت أيقونة لا تشيخ، قصيدة عاشقة صارت نشيدًا عربيًا خالدًا، عذبة، صادقة، شفافة كمطرٍ يغسل التعب عن القلوب.

وأغنية (كأني عمري ما حبيت) ليست سوى وشوشة حنان في أذن كل عاشق؛ اعتراف نقي بأن الحب بداية دائمة، وأن الإحساس الأول لا يفقد دهشته.

كلماتها محلية حجازية بروحٍ إنسانية، تحمل رائحة الحارة وصوت البحر ولهجة الناس، فتصل إلى الجميع بلا استئذان.

جرأة ثريا لم تكن صدامًا، بل حبًّا للحياة، وإيمانًا بأن الجمال أرقى من أن يُقمع.

كتبت بمدادٍ من شوق وأنوثة ووعي، لتؤكد أن الفن ليس ترفًا، بل حياة موازية نلجأ إليها عندما تضيق بنا السبل.

علّمتنا أن الحب أعظم قصيدة، وأن الغناء وسيلة الروح كي تتحرر وتطير.

هي فراشة من نور، لا تحترق بالنار، بل تصنع من ضوء الشموع شعرًا، ومن الدموع أناشيد. التهمت رحيق الحياة، وحوّلته إلى قصائد، فبقيت أغانيها أريجًا متواصلًا، يعبق في فضاء الذكرى.

جمعت بين صرامة الوعي ورهافة الإحساس، بين قوة الصوت وأنوثة البوح، بين جدة الصغيرة وفضاء العالم العربي الكبير.

أغنية (بودي لو يكون الناس) مثال صافٍ على حبٍّ لا يخجل من إعلان نفسه للكون؛ أمنية سماوية بأن يصير العالم رداءً يستر الغيرة، وبأن يجتمع العاشقان تحت سماء واحدة بلا خوف.

أي صدق أعذب من هذا، وأي حب أصفى من حبٍّ يطلب الستر لا الامتلاك.

ثريا لم تكتب عن الحب فقط؛ كانت الحب ذاته.

كانت تقول بالكلمات ما يعجز عنه البوح، وتجعل البساطة عمقًا، والمفردة جسدًا نابضًا بالإحساس.

رحل الجسد وبقي الصوت، غابت صاحبة القصيدة وبقيت القصيدة وطنًا صغيرًا نعود إليه كلما اشتقنا.

كان شعرك حادينا، ورسولنا المبشّر في طيّات الحب لمن نود، وسطور الغرام لمن نعشق، العزاء لكل قلب تعلّم من كلماتها كيف يحب، وكيف يحزن بكرامة، وكيف يبتسم للذكرى رغم الفقد.

واحشني زمانك يا ثريا أنا وكل من استمع أو قرأ كلماتك وذاب طرباً لروعتها.

عزاؤنا أن صوتك لا يرحل وإنما يمكث في الأرض يواسينا.

00:09 | 9-02-2026

في القلب فراغ يكمُل بأنثى..!

«الصِّبا والجمالُ مِلكُ يَديك ِ

أيُّ تاجٍ أعزُّ من تاجَيكِ!

نصبَ الحُب عرشَه فسألنا

من تُراها له فدلَّ عليكِ

فاسكُبي روحَكِ الحنونَ عليه

كانسِكاب السماء في عينيكِ

ما تغنّى الهزارُ إلا ليُلقي

زفراتِ الغرامِ في أذنيكِ

سَكِرَ الروضُ سكرةً صرعتهُ

عند مجرى العبيرِ من نهديكِ

قتلَ الوردُ نفسَه حسداً منكِ

وألقى دماه في وجنتيكِ

والفراشاتُ ملَّتِ الزهرَ لمّا

حدّثتها الأنسامُ عن شفتيكِ

رفعوا منكِ للجمالِ مثالاً

وانحنوا خُّشعاً على قدميكِ»

دَفقةُ الشعر التي يسكبها بشارة الخوري تُشبه انبعاثاً جماليّاً يتجاوز المديح إلى نوعٍ من الطقوس السرّية للأنوثة، أنوثةٌ تُعامل لا ككائنٍ يُوصَف، بل ككونٍ يُكتشَف.

بشارة يرفع المرأة إلى مقامٍ يتعانق فيه الأسطوري مع الحسيّ، ويتشابك فيه العطرُ مع الفتنة، والدهشةُ مع الوله.

تنبض القصيدة بطاقةٍ غريزيةٍ صافية، كأن الشاعر يعيد تشكيل صورة الحُسن على ضوء رؤيته الخاصة، حيث الجمال ليس زينةً تُرى، بل قوةٌ مطلقة تخلق محيطها وتغيّر ملامح الطبيعة من حولها.

القصيدة لا تصف امرأةً فحسب، بل تخلقها..

«الصبا والجمال ملك يديكِ»، كلمات تعلن امتلاكاً لا يصدر عن نزعة تملك، بل عن دهشة المتلقي أمام كائنٍ يسيطر على مفاتيح العمر وجذوة الحُسن في آنٍ واحد.

الشاعر لا يبدأ بالإعجاب، بل يبدأ بالتسليم. ينتقل من موقع الشاعر إلى موقع المريد.

وتستمر الأبيات في هندسة عرشٍ الحبّ؛ الحب ليس حدثاً يأتي من الخارج، بل يقوم ويجلس ويتوّج صاحبة القصيدة.

السؤال البلاغي «من تراها له فدلّ عليك» يضع الأنوثة في مركز الإجابة الكونية، كأن الوجود في حالة بحثٍ عن الجمال، وكلما بحث وصل إليها.

ثم تتصاعد الموسيقى الداخلية للنص «فاسكبي روحك الحنون عليه» تعبير يجعل من الحب كائناً يحتاج رعايتها كي يكتمل.

هنا يعلو صوت الشاعر على حدود الغزل التقليدي؛ لأن المحبوبة لا تُحَبّ فحسب، بل تُعطي للحب نفسه معناه، فهي مصدر العاطفة.

وتتحرّك الطبيعة كلها داخل النص كأنها تلميذة في محرابها، الهزار يتغنى ليبوح لها، الروض يسكر من أثر نهديها، الورد ينتحر غيرةً من لونها، الفراشات تهجر الزهر لأن أنساماً أسرّت إليها بسرّ شفتيها.

هذه الحركة الكونية العجيبة ليست زخرفاً، بل ديناميكياً بنائيّاً يقصده الأخطل الصغير، فهو يستحضر الطبيعة لا باعتبارها خلفية مجازية، بل بصفتها مرايا لعاطفة تتجاوز قدرة اللغة على التعبير المباشر.

كل عنصرٍ طبيعي هنا لا يقوم بوظيفته المعتادة، العطر يسكر، الورد يغار، الفراشات تملّ، النسيم يتكلّم، الطبيعة كلّها تتشقق كي تتسع لصورة واحدة «تفخيم الأنوثة» بطريقة تتجاوز الحدود المألوفة للغزل لتتحوّل إلى إنشادٍ يتخذ الطابع الطقوسي.

انحناء الجمال عند قدميها ليس مجازاً للتقديس، بل إعلان أنّ الجمال نفسه وجد مثالَه فيها.

هذه اللغة ليست لغة وصف، بل لغة مسّ؛ لغة تلامس الجسد، لكنها لا تهبط به إلى الابتذال.. العطر، النهد، الشفتان، كلها عناصر تتحرّك في سياق جمالي يشبه نحتاً يضيء ولا يُعرّي.

القصيدة مزيج نادر من الرقة والفتنة، من الهيام والسموّ، من الشهوة الشفيفة والإجلال العميق.

تتجلى براعة بشارة الخوري في تحويل الأنثى إلى كائنٍ شعري قادر على تحريك الطبيعة وتغيير قوامها، مع إبقاء كل شيء مغلّف ببهاء صوفي لا يخلو من حرارة التراب.

كلمات ليست مديحاً لامرأة، بل مديح للجمال نفسه؛ الذي يستعير وجهها كي يبوح بنفسه، والشاعر الذي يستعير لغته كي يلامس الضوء دون أن يحترق.

إنه نصّ يرفع الأنثى إلى مقامٍ لم يكتبه شاعرٌ إلا وهو تحت وطأة سحرٍ غير معلن، سحرٌ يخلق من بيتٍ واحدٍ تاجاً، ومن امرأةٍ واحدةٍ كوكباً، ومن قصيدةٍ قصيرةٍ سماءً لا تتوقف عن الإشعاع.

00:00 | 5-02-2026

طب الجينوم ثورة علمية في عالم الإنسان..

شهدت الرياض المؤتمر الدولي للطب الجينومي للعام 2026، بحضور 250 مختصاً من داخل المملكة وخارجها نُوقشت

أبحاثهم على طاولة مستشفى الملك فيصل التخصصى ومركز الأبحاث، وشملت دور الذكاء الاصطناعي وتقنيات الأوميكس المتعددة في ربط البحث العلمي بالتطبيق السريري، وتوظيف التقنيات الجينومية المتقدمة والتحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تفسير البيانات الحيوية المعقدة وتعميق فهم الآليات الجزيئية للأمراض، لتعزيز دقة التشخيص وتسريع تطوير العلاجات الموجّهة، للتكامل بين البحث العلمي والممارسة السريرية، لصالح الإنسان، لتصبح المملكة مركزاً عالمياً للابتكار الطبي وأنموذجاً رائداً للأنظمة الصحية المرنة محققة أحد أهداف الرؤية القديرة التي تطابقت فيها الشعارات مع الأفعال، والنظريات مع التطبيق، والهمة المتوثبة مع القمة الشاهقة، استشعرتها القلوب الصادقة للمضي بها نحو التطبيق الفعلي واستلهام كافة التجارب والتقنيات الطبية المتطوّرة، وتوطينها على أرض الوطن.

هذه الرؤية القديرة ألزمت مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث المدعوم في مسيرته من ولي أمر الوطن بتطوير الرعاية الصحية التخصصية وتطويع البحث العلمي لخدمة المريض، وتطوير التشخيص والعلاج والطب الدقيق، وتوظيف التقنيات الجينومية المتقدمة والتحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتفسير البيانات الحيوية المعقدة لتعزيز دقة التشخيص وتسريع تطوير العلاجات الموجّهة، ومواكبة التحولات العالمية في مجالي الطب الجينومي، ليدخل إلى قلب الممارسة السريرية، ويتبدل المشهد الطبي كلية.

لم يعد المرض مجرد أعراض متناثرة أو ملاحظات سريرية يُستدل بها على التشخيص، بل أصبح يُفهم من خلال بنيته الأساسية المتجذّرة في الجينات، محددة المسار الصحي للإنسان فهو الخريطة البيولوجية الأولى التي تخزن التعليمات الوراثية التي تصنع الفروق الفردية وتكشف الاستعدادات المرضية.

التخصصي من المؤسسات الرائدة عالميًا في طب الجينوم، وتعود جذوره إلى تسعينات القرن الماضي ويُعدُّ واحداً من أفضل عشرة مشروعات في علم الجينوم والذي دشَّن مختبره المركزي سمو الأمير محمد بن سلمان في العام 2018م

ليتم بناء بنية تحتية متقدمة، تشمل قراءة الجينوم الكامل، وتحليل الموروثات الدوائية، والتشخيص الجيني للأمراض المعقدة والحالات المستعصية التي تعجز الفحوص التقليدية عن تفسيرها.

ويتوسع الطموح ليشمل تطبيقات ذكية للجينوم في الوقاية المبكرة، والتنبؤ بالمخاطر الصحية، وتشخيص الأمراض النادرة، والكشف عن مسببات العدوى الخفية، ودعم برامج التشخيص الوراثي للأجنة قبل الحمل أو قبل الزراعة.

انعكس أثره الإيجابي على المنظومة الصحية للمواطن عبر خفض الوفيات الناتجة عن أمراض وراثية خطيرة، وتقليل الأخطاء الدوائية، وتعزيز قدرة الأطباء على اتخاذ قرارات مبنية على بيانات علمية دقيقة.

ودمج الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الجينية الضخمة، وتطوير أبحاث العلاجات الجينية والخلوية، وتوسيع نطاق الفحوص الجينية السريرية، بما ينسجم مع أهداف الرعاية الصحية في رؤية السعودية، التي تبنّت الطب الشخصي والجينومي لرعاية صحية متقدمة تعتمد على العلم والدقة والابتكار.

في كل إنجازٍ طبي نوعي، تتبدّى صورة الإنسان وهو يُنتَشل من حافة الخطر إلى فسحة الأمل، وتتكشف براعة العلم الذي لم يعد يكتفي بمعالجة المرض، بل يطارد جذوره، ليمنح الجسد فرصاً أطول لحياة سعيدة محاطاً بمعجزات الطب وفتوحاته التي حققت للإنسانية ما كانت تحلم به من إطالة عمرها لتعيش جودة الحياة وحلوها نَوْل من مغزل «الرؤية» والقادم أحلى وأجمل.

23:59 | 1-02-2026

أي سرٍّ فيك إنّي لست أدري..؟

(كل ما فيك من الأسـرار يغري

خطرٌ ينســــابُ من مفترّ ثغر

فـتنة تـــــعصف مــن لفتة نحرِ

قدر ينسج من خصلة شـــــعر

زورق يســبحُ في موجةِ عطرِ

في عباب غامض التيار يجري

واصلاً ما بين عينيك وعمري

رفرف الصمتُ ولكن ها هنا

كل ما فيك من الحســــن يغني

آه كم مـن وتر نـــام عــــلى

صدر عـــودٍ نومَ غاف مطمئنِ

كلمات لا تُقرأ بل تُرتشف، تنساب في الروح كما ينساب الضوء على صفحة ماءٍ ساكن، وتترك في الداخل تموّجاً لا يعرف السكون.

الدكتور إبراهيم ناجي شاعر الوجدان العربي يكتب نصاً يحوّل الجمال إلى معزوفة، ويمنح الأنثى حضوراً يقترب من الأسطورة، ويجعل من العاطفة لغةً لا تُتقنها إلا الأرواح التي تعرف أن الحبّ فنّ قبل أن يكون نزوة.

البداية مشغولة بسؤال يفتح بوابة الدهشة.

أي سرٍّ فيك إنّي لست أدري

الجملة ليست اعترافاً بالعجز فقط، بل انبهارٌ لا يريد أن يُفسَّر.

يعلن أنّ جمالها ليس حدثاً يُدرك بالعقل، بل لغزٌ تُصغي له الحواس ولا تفكّه.

يتقدّم النص بخطواتٍ موسيقية رشيقة كل بيت يلمع كضربة بتول على وترٍ ناعم.

الخطر ينساب من (مفترّ ثغر)، والفتنة تعصف (من لفتة نحر)، والقدر يُنسج (من خصلة شعر).

الجمال هنا عاصفةٌ تشتعل من التفاتها، مصيرٌ يتكوّن من خصلات شعرها، موجةٌ يبحر فيها زورقُ الروح.

أسلوب يشي بمهارة ناجي في تحويل الجزئيات إلى كواكب، واللمسات إلى مصائر.

يتحوّل العطر إلى موج، والموج إلى بحر، والبحر إلى عباب غامض التيار،

كأنّ الأنثى هي الجغرافيا الكبرى التي يسافر فيها الرجل دون أن يبلغ منتهاها

فضاءٌ متسع، وعمق لا يُحد، وزمانٌ يربط ما بين العين والعمر.

الصمت نفسه يأخذ شكلاً جديداً

(رفرف الصمتُ ولكن ها هنا / كل ما فيك من الحسن يغني)

الصمت لا يكون سكوناً، بل جناحاً يخفق.

جمالها يفعل ما لا تفعله الحروف، ويغني بما يتجاوز قدرة اللغة على البيان، ويزرعان في القصيدة إيقاع الوجدان القديم، وتراً ينام على صدر العود، نوماً غافياً مطمئناً تشبيه مشرق يكشف عن طمأنينة الشاعر في حضورها، كأنّ جمالها يسكّن ضوضاء القلب، ويعيد اتزان العالم مهما اضطرب.

تتقدّم القصيدة إلى منطقة فلسفية أعمق.. الدنيا (هجير)، رمضاء ملتهبة، وكل الظلال تتلاشى... إلا ظلّها.

هي الظلّ الوحيد الذي لا يذوب، ولا يتحوّل، ولا يتلاشى تحت شمس الحياة الحارقة.

بهذا التصوير، تتجاوز المرأة كونها مخلوقاً جميلاً لتصبح (مأوى)، (ظلاً روحياً)، (ملاذاً من القسوة)، ثم تأتي المفارقة البديعة، العالم كله يزخر بالحسن، لكن سرّ جمالها لا يشبه جمال الأشياء.

في الدمى جمال جامد، وفيها جمالٌ حيّ.. ينبض، يتنفس، يشتعل.

الضياء نفسه رمز النور المطلق يصبح حالكاً إن لم يمرّ من نافذتها.

كأنّ الدنيا لا تتجلّى إلا من خلال حضورها، ولا تُرى إلا بعينيها، ولا تكتمل إلا إذا انكسرت أضواؤها على سطح روحها.

يُصعّد الشاعر انبهاره إلى ذروة شفّافة، أقصى الأماني لا تطلب جسداً ولا لقاءً

بل خيالاً من خيالها.

حبٌّ لا يطلب الامتلاك، بل يريد البقاء في دائرة الضوء التي تصنعه هي.

قصيدة ( القيثارة) ليست نصاً غزلياً عابراً بل لوحةٌ موسيقية كاملة، تتداخل فيها الألوان مع النغم، ويتحوّل فيها الصوت إلى ضوء، والضوء إلى عطر، والعطر إلى مدى يتسع للحلم.

ناجي يقدّم جمالاً لا يتغنّى بالمظهر، بل يصف الحالة الشعورية التي يخلقها الحضور الأنثوي في قلب الرجل.

اضطراب، سكينة، دهشة، رسوّ، وهج... ثم هدوء يشبه هدأة وترٍ نام على صدر العود.

موسيقى وهابية تتنفس مع الكلمات، وتزيدها وضوحاً، وتمنح القارئ شعوراً بأن النص ليس قصيدة تُقرأ بل أنشودة تُعاش.

هذا النص واحدٌ من تلك الأعمال التي تثبت أن الشعر العظيم لا يشيخ، وأن الجمال الصادق لا يفقد بريقه، وأن الكلمات في يد شاعرٍ مثل ناجي تتحول إلى قيثارة تعزف داخل القلب قبل أن تصل إلى الأذن.

00:02 | 29-01-2026

المملكة.. وأد الفتنة وحسم العبث !

ظلت علاقة المملكة العربية السعودية بجارتها الشقيقة اليمن، على مر الحقب والعهود والسنوات، موسومة بالتقدير، والاحترام المتبادل، والاهتمام المتعاظم بالقضايا التي تهم البلدين، على كافة المستويات؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في تكامل وتماهٍ اقتضته عوامل الجوار والطبيعة والتداخل المشترك بين الأسر والقبائل،

وأصبح أمن كلا البلدين منعقدًا بأمن الآخر، وأي مؤثر لا بد وأن ينتقل أثره إلى الآخر؛ ولهذا نهضت المملكة نهوض عزم وحزم؛ قائدة التحالف لنجدة اليمن في الملحمة التاريخية «عاصفة الحزم» التي انطلقت، لإعادة الشرعية إلى ربوع اليمن، وإزالة شبح الخطر الحوثي الذي تمدد واستفحل، وأحدث انقلابًا عسكريًا وأمنيًا، ومثّل تهديدًا صارخًا لوحدة اليمن، وسلامة أرضه وترابه، بما حمله من أجندة شكّلت في جوهرها ارتهانًا لأبواق الصفوية، وتمريرًا خفيًا؛ بل وعلنيًا، لخطابها، فكانت «عاصفة الحزم» السيف الذي اجتث ذلك الخطر المحدق، والبلسم الشافي الذي وأد الفتنة قبل أن تستفحل وتستشري.

رافق ذلك المسعى النبيل مسار تنموي قامت به المملكة ممثلة في البرنامج السعودي لإعمار اليمن، بجانب مركز الملك سلمان للإغاثة، اللذين عملا في تزامن من أجل نهضة اليمن وخروجه من كبوته، وضمان استقراره وأمنه، وتضميد جراحه.

ولمّا كانت المملكة من الحرص بحيث لا تقبل أي تدخّل خارجي في حق اليمن وقرار شعبه، فلزمها من باب أولى أن لا تقبل بأي انحراف عن الغايات النبيلة التي نهض بها «تحالف دعم الشرعية»، فما قامت به أبوظبي في جنوب اليمن لا يخرج توصيفه المباشر والصادق عن كونه شقًا للصف، وسلوكًا مجافيًا يعبث بأمن اليمن ويدفع بجنوبه نحو الفوضى والتخريب وعرقلة الجهود التي يقوم بها «التحالف» بقيادة المملكة، فدعم أبوظبي للهارب عيدروس الزبيدي لا يمكن أن يُفهم في أي سياق تبريري، ولا واصف له إلا أنه انحراف واضح عن أهداف «التحالف»، والسعي نحو تحقيق مصالح ذاتية، تتوازى وتتصادم مع مصالح الشعب اليمني الشقيق، وتدفع به نحو التفتيت والتشرذم والاحتراب، بما يعني بداهة خلق واقع أمني قلق سيمتد أثره الحارق بكافة الاتجاهات، أولها أمن وسلامة المملكة وأراضيها وشعبها، وما كان لقيادة المملكة أن تقبل بذلك، ولا أن تغض الطرف عنه، بالغًا ما بلغ تقديرها لأبوظبي وقيادتها، وهو تحرّك؛ بقدر ما يتّسم بالحزم في مواجهة أبوظبي، ينطوي كذلك على قدر كبير من مراعاة أواصر العلاقات بين البلدين الشقيقين، وهو ميزان دقيق، تجلّت فيه حكمة المملكة وقيادتها، بحزم لا رخاوة فيه، وعزم يقرأ التاريخ جيدًا، ويعرف مآلات المواقف، وتقديرات الظروف، وهو موقف تستطيع أن تقرأه بوضوح في مرآة البيت السيّار للحكيم المتنبي، وفيه:

فَإِن يَكُنِ الفِعلُ الَّذي ساءَ واحِدًا

فَأَفعالُهُ اللائي سَرَرنَ أُلوفُ

وسيبقى موقف المملكة على هذا الحال، حريصة على العلاقات الوطيدة القائمة على الاحترام المتبادل، ورعاية المُثل العليا التي تحفظ الأمن والسلام في المنطقة بأثرها، بجانب تأكيدها الذي لا محيد عنه باتخاذ كافة الإجراءات الحازمة والحاسمة حيال أبوظبي لو أنها استمرت في مشاغبة الداخل اليمني بمثل هذه التصرفات غير المقبولة على الإطلاق، والتي تتنافى جملة وتفصيلًا مع أسس ومبادئ «التحالف»، وأهدافه الواضحة والمعلنة.

ولا يذهبن الظن الآثم بالبعض إلى اعتبار أن استضافة المملكة في العاصمة الرياض لقيادات وشخصيات من جنوب اليمن، الأسبوع الماضي، من باب فرض أجندة سعودية عليه، ورسم واقع جديد لا ينسجم ومطالبات وأماني وتطلعات شعب جنوب اليمن، بل جاءت الاستضافة تحضيرًا للمؤتمر الذي دعت إليه المملكة، بتهيئة كافة الظروف اللوجستية للإخوة اليمنيين، للتحاور والتشاور بعيدًا عن أي ضغوط خارجية، وبحثًا لقضاياهم وشؤونهم وفق ما تقتضيه مصلحة بلادهم، والوصول إلى حلول تدفع باتجاه استقراره وشيوع الأمن في ربوعه،

بتأكيد مطلق من المملكة وقيادتها أن خيارات أبناء جنوب اليمن ستظل بأيديهم ورؤاهم، ولا دور للمملكة سوى تهيئة الظروف المناسبة لاتخاذ قرارات خارج دوائر الانفعال والتأثير والضغوط الخارجية، عبر حوار شامل حر وصريح، تشارك فيه جميع الشخصيات والقيادات الجنوبية، دون وصاية من أحد، ودون هيمنة مكوّن من المكوّنات تفرضه جهة بعينها، أو تحمله أجندتها ومطامحها الخاصة والعامة، بما يجعل من مسار الحوار المنتظر في المؤتمر سلسًا ومحدد الأهداف، بتأكيد واحترام كافة الخيارات، بما فيها الدعوات التي تنادي بانفصال الجنوب، فمتى ما كان ذلك خيارًا يمنيًا خالصًا، دون ضغوط من الخارج، فسيجد كافة التقدير والاحترام والقبول من المملكة وقيادتها، قياسًا على موقفها الراسخ من أحقية الشعب اليمني في معالجة قضاياه بنفسه، ولعل هذا ما استشعره الإخوة اليمنيون الذين خرجوا في مليونية جماهيرية شهدتها العاصمة عدن ظهر يوم الجمعة المنصرف، فجاء بيانها معضدًا لموقف المملكة، مثمّنًا لجهودها، مشيدًا بدور قيادتها الرشيدة، في أكثر من فقرة وموضع؛ حيث ذهب إلى القول بصريح العبارة التي لا تحتمل تأويلًا أو مداجاة مؤكدة دعمها الكامل لمسار الحوار الجنوبي الشامل الذي ترعاه المملكة العربية السعودية الشقيقة، باعتباره مسارًا جادًا وصادقًا ومضمونًا وآمنًا ومكملًا لإرادة شعب الجنوب وداعمًا لها، وفرصة تاريخية لترتيب الصف الجنوبي، وصياغة رؤية وطنية تعبّر عن تطلعات شعبنا الجنوبي، وتؤسّس لمسار سياسي منظم، واقعي، وقابل للضمان والتنفيذ، وضامن لخيار استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة. على هذا ستظل المملكة، حارسة الأمن العربي، الحريصة على الاستقرار في كل ربوعه، والمضمدة لجراحه، والباعثة على قوائم نهضته وتنميته حتى تبلغ شعوبه ما تأمل وترجو في مستقبل أيامها، ويكفي الدور الذي تقوم به اليوم حيال قضية السودان، والصومال، وليبيا، وسوريا، والقضية الفلسطينية، وكل القضايا التي تنهض بها نهوض حسم وعزم.

23:58 | 25-01-2026

«الفهمُ» من نعمةٍ إلى عبءٍ وجودي..!

يقول فرانز كافكا:

«تبدأ حياتك محاولاً فهم كلّ شيء، وتنهيها محاولاً النجاة من كلّ ما فهمت».

فالفهم لا يمنح الطمأنينة دائماً، بل يحمّل الإنسان وزناً إضافياً.

بداية نعتقد أن المعرفة ستنقذنا، وأن تفسير العالم سيجعلنا أكثر أماناً.

مع الوقت، تتراكم الحقائق، ونكتشف أن كل ما عرفناه يجرّدنا من بساطتنا الأولى، ليصبح الفهم كشفاً لا يمكن التراجع عنه.

هذا التحوّل يعبّر عن الانتقال من فضول بريء إلى وعي مثقل.

مدهشة مقولة كافكا تُظهر كيف يبدأ الإنسان رحلته متشبثاً بفكرة الفهم الشامل، ثم ينتهي به المطاف محاولاً النجاة من حصيلة وعيه.

المعرفة لا تمنح السكينة على الدوام، بل تزيد الحمل الداخلي، فهي توسّع الإدراك وتبدّد الأوهام.

مع انكشاف العالم على حقيقته تتراجع براءة النفس الأولى، ويتحوّل الإنسان من باحثٍ عن تفسيرٍ لكل شيء إلى كائنٍ يحاول التكيّف مع ما اكتشفه في حياته.

يبدو الوعي، في بداياته، كنافذة مشرعة على فضاءٍ مفعمٍ بالوعود، نقترب منه بلهفة المسافر الذي يظن أنّ اتساع الرؤية يساوي اتساع الطمأنينة.

نتعامل مع المعرفة بوصفها صكّ نجاةٍ مبكر، وكأنّ العالم يخضع لمعادلةٍ بسيطة يكفي أن تُفهم كي تستقيم.

غير أنّ كافكا، بقدرته على تفكيك النفس البشرية، يقدّم لنا المفارقة الكبرى الفهم لا يُنقذ دائماً، أحياناً يجرّح الوعي، كلما اتّسع، اتّسع معه الإدراك بالهشاشة.

الإنسان يكتشف طبقات النفس البشرية يتفاجأ بأنّ خلف الوجوه أقنعةً،

وخلف الكلمات نوايا، وخلف الطمأنينة صراعاً صامتاً.

كلُّ خطوة نحو العمق تكشف تشقّقات لم نكن نراها، وتضعنا أمام أسئلةٍ لا تتوقف.

من يظنّ أن الفهم يحرّر، سيكتشف أنه قد يربطه إلى عبءٍ لا يُرى.

هناك مرحلة في التجربة الإنسانية يتراجع فيها بريق الفضول أمام سطوة الحقيقة.

نكتشف أنّ ما ظننّاه مفتاحاً للخلاص قد يصبح باباً يفتح على تياراتٍ قاسية.

نتعلّم أن المعرفة تكسر الوهم، وأن الوهم مهما بدا سخيفاً كان يمنح شيئاً من الدفء. وما إن تتراجع طبقات الوهم حتى ينكشف العالم على صلابته، ويقف الفرد عارياً أمام أسئلته ما الغاية؟ ما المعنى؟

وكيف نعيش دون أن يفترسنا هذا الإدراك المتعاظم؟

يتحوّل الإنسان من باحثٍ عن فهمٍ شامل إلى كائنٍ يحاول تنظيم زحام الفهم داخل ذاته. النجاة لم تعد هروباً من الحقيقة، بل أسلوباً للتعايش معها، لعبة توازن دقيقة بين ما ندركه وما نستطيع تحمّله.

لذلك تظهر آليات داخلية مثل التخفّف من الإفراط في التحليل والقبول بأنّ العالم لا يُفهم كاملاً.

فكثرة الكلام تستدعي كثرة الوعي، وكثرة الوعي تُنهك.

فالفهم يسلّط الضوء على ما كنا نتجاوز عنه، ويبدّد تلك الطبقة الناعمة من السذاجة التي كانت تتيح لنا التنفّس بلا خوف.

ومع ذلك، لا يعود الفرد قادراً على العودة إلى ما قبل الوعي؛ فكلّ كشفٍ نهائي، وكلّ حقيقةٍ تُدرك، تصبح جزءاً من الذات، مهما حاولنا تجاهلها.

والوصول لنقطة النجاة التي تحدّث عنها كافكا ليس يأساً، بل نضج. نضجٌ يعترف بأنّ المعرفة ليست دائماً طريقاً مستقيماً نحو الخلاص، وإنما عبءٌ يحتاج إلى مهارة حمله دون أن يفتك بنا. عندئذٍ يصبح الإنسان أكثر لياقةً روحية، وأكثر عمقاً في عيشه. تلك هي معادلة الوعي يبدأ بوهج، وينتهي بحكمةٍ صامتة.

يبدأ برغبةٍ في الفهم، ويصير محاولةً للنجاة من فائض الفهم. وبين البداية والنهاية رحلةٌ طويلة تفرض على الإنسان أن يعيد تشكيل قلبه كي يحتفظ بالسلام وسط ضجيج الحقيقة.

هكذا يتجلّى القول الكافكي، لا كتشاؤمٍ بل كإضاءة: ليس كل ما نفهمه يريحنا، وليس كل ما نعرفه يجب أن نطارد جذوره.

أحياناً يكفي أن ندرك القدر الذي يسمح لنا بالعيش بكرامةٍ داخل هذا العالم المضطرب، وأن نُبقي في داخلنا مساحة صغيرة للبساطة، كي لا يجعلنا العقل المنهك غرباء عن أنفسنا.

23:59 | 21-01-2026

السعودية حين سبقت الجميع.. أمريكا وخطر الإخوان..!

لم يكن ترحيب قيادة المملكة العربية السعودية بتصنيف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان «منظمات إرهابية»، مع فرض عقوبات عليها وعلى أعضائها، إلا من باب مكانة الولايات المتحدة الأمريكية عالمياً، وقدرتها على إنفاذ إرادتها السياسية بما تمتلكه من تأثير لا يخفى في مفاصل السياسة العالمية.

سبقت المملكة الجميع بزمن طويل في التنويه بخطر «الإخوان»، والجماعات المتناسلة من أفكارهم المفارقة للشرع، والمباينة للتعاليم الدينية الصريحة، وهو عين ما أشار إليه الأمير تركي الفيصل في مقاله المميّز بصحيفة الشرق الأوسط 16 يناير 2026م، تحت عنوان «الأصوات النّشاز ومواقف المملكة»

بقوله: إنَّ مَنْ يَقُودُ العالمَ الإسلاميَّ إلى النَّهجِ العقائديِّ الصَّحيحِ، هي المملكةُ، والأمير محمد خاصَّةً، تحتَ زعامةِ خادمِ الحرمينِ الشريفينِ

بلْ إنَّ جماعةَ «الإخوانِ المسلمينَ» مُصَنَّفةٌ لدَى السُّلطاتِ السعوديةِ جماعةً إرهابيةً مُنذُ عهدِ المغفورِ له الملكِ عبدِاللهِ، وكذلكَ ما يُسمَّى داعِشَ وكذلك بيان هيئة كبار العلماء في المملكة بتاريخ 10 نوفمبر 2020م، وغيرها من المقالات الناقدة، والبيانات المصرحة بخطر الإخوان وتفكيرهم السرطاني، هذا السبق السعودي يضع التصنيف الأمريكي في خانة المتأخّر كثيراً عن إدراك حجم خطر «الإخوان»، ومدى التأثير الذي أحدثته في بنية المجتمعات التي غزوها، وبذور الشر التي دسّوها في بعض العقول، وتلغيمها للأجواء، مما كان يستوجب التبكير بهذا التصنيف منذ عقود مضت، قياساً على وضوح رسالتهم، التي لم تكن بحاجة للبحث الدقيق، والعمل الاستخباراتي المضني، فكل شيء كان يدور في العلن، وبجهير الصوت، وتعدّى من النظرية إلى التطبيق في كثير من الأعمال الإرهابية. وهي علامات استفهام تظل حائرة في داخلي عن إجابة شافية حول تأخر الولايات المتحدة عن اتخاذ هذا القرار البدهي، قريناً ذلك مع استفهام آخر حول تجزئتها لفروع «الإخوان»، بحيث يصبح بعضها «إرهابياً»، فيما سكت التصنيف عن بقية الفروع.

والحقيقة التي لا مراء حولها ولا جدال، أن «جماعة الإخوان»، من دون جماعات الإسلام السياسي، تتحرّك بمفهوم يلغي الحدود، ولا يعترف بالأوطان، ويجعل «الفكرة» هي الوطن الحقيقي، الواجب مناصرته والذود عنه، في أي بقعة حلّوا فيها. بهذا المفهوم ينسفون فكرة «تجزئتهم»، والتعامل معهم على اعتبارهم جزراً متفرقة، وأرخبيلاً منقطع الأوصال، بل يؤكدون بالتنظير المتبوع بالعمل أنهم جسم واحد، بما يتطلّب معالجة واحدة لشمول الكيان، وليس تجزئةً ترى في بعضهم «إرهابيين»، وما دونهم حالة «بين بين» إلى حين،

على نحو ما ذهبت إليه المملكة وقيادتها منذ وقت مبكر، وبخاصة في هذا العهد الموسوم بـ«الحزم والعزم»، فقد أخذت «الإخوان» جملة واحدة، ولم تنظر لفرع دون فرع لقناعة راسخة بأن الفرع يتبع الأصل، والأصل فاسد المعتقد، مُلغّم الفكر، ومفارق لروح الجماعة، وإن تزيّا بالإسلام، وتلبّس بالخطاب الديني.

وهو قول لا نرسله إرسال انفعال وتجنٍّ، ولكن نستقرئه استقراء فحص وتدقيق منذ جهر حسن البنا بفكرته، وتقعيد سيد قطب لها وبخاصة في كتابه «في ظلال القرآن»، الذي يمثّل المنجم الفكري الذي متح منه واستقى «الإخوان» مساقي التطرّف والغلو والذهاب إلى تفسيق المجتمعات وتبدعيها وصولاً إلى تكفيرها بالمطلق، على نحو ما أورده أحد كبار منظري هذه الجماعة، الدكتور يوسف القرضاوي الذي كتب في مذكراته الموسومة بـ«ابن القرية والكُتّاب - ملامح سيرة ومسيرة» ما نصّه:

(إنّ فكرة التكفير لمسلمي اليوم لم ينفرد بها كتاب المعالم، بل أصلها في الظلال وفي كتب أخرى أهمها العدالة الاجتماعية)، ويذهب إلى أبعد من ذلك في المذكرات نفسها بالقول (..وأخطر ما تحتويه التوجّهات الجديدة في هذه المرحلة لسيد قطب هو ركونه إلى فكرة التكفير والتوسّع فيه).

فإذا كان هذا هو رأي «القرضاوي»، بموقعه الذي عرف به بين الإخوان

فإنه، ومن باب أولى، النظر إلى هذه الجماعة بوصفها «كتلة صماء»، غير قابلة للتجزئة، قياساً على الأصل الذي استقت منه، والمعطن الذي غرفت منه، وإن كان ثمة تفاوت بينها، فلا يعدو أن يكون تفاوتاً في درجات القبح، والعنف، والغلو، والتطرف، دون خروج عن هذه الدوائر إلى براح السماحة والاعتدال والمنهج الإسلامي السليم.

الوجه الإيجابي لهذا التصنيف الأمريكي، يكمن في ما سيتبعه من إجراءات عملية وبخاصة التدفق المالي، والتمويل الذي يسخّره «الإخوان» في نشاطهم الهدام، على مستوى الدعاية الإعلامية، والترويج لأفكارهم الملغمة، والسيطرة على الميديا، وتمويل العمليات الإرهابية، وغيرها مما نشاهده اليوم، ونلمس أثره السلبي على المجتمعات.

على أن الجهد الأكبر يجب أن يتجه نحو تفكيك منهج هذه الجماعة، وإخضاعه إلى التفنيد ونسف كافة المرتكزات التي يقوم عليها، وبخاصة في ما يتصل بمفاهيم «الحاكمية»، وجاهلية المجتمع وانقطاعه عن الدين، وحتمية الصراع، التي دأب سيد قطب في كتابه «ظلال» يطرق عليها طرقاً أخرج به مجتمعات المسلمين من الإسلام وألحقهم بالجاهلية الأولى قولاً واحداً، مقروءاً ذلك في الكثير من الشواهد طي كتابه الملغوم هذا ومن أبرزها قوله الصريح (إن وجود الأمة المسلمة قد انقطع منذ قرون كثيرة)، ومن هذا الموقف المكفّر للمسلمين انطلقت «السرورية»، وتبعتها الصحوة الكريهة وخرجت جماعة «التكفير والهجرة»، وانسلت «داعش»، إلى آخر هذه القائمة البائسة.

إننا في مسيس الحاجة إلى إخضاع منهج الإخوان المسلمين إلى الدرس العميق، وتسليط الضوء على كافة مرتكزاته التي قام عليها، ووضعها في ميزان الشرع، ومجادلتها بما تستحقه من البيان وفق رؤى الشرع الحنيف، والنهج الإسلامي القويم، القائم على العدل والمساواة والحرية، اتساقاً مع الآية الكريمة: «فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ»، وقوله تعالى: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ».

اللهم دمر الإخوان وأعوانهم ولا تذر على الأرض أحداً منهم.

23:48 | 18-01-2026

قلب حاضر وجسد غائب..!

كتبت غادة السمان إلى غسان كنفاني

أعلم أنك تفتقدني،

لكنّك لا تبحث عني،

وأنك تحبّني ولا تُخبرني،

وستظلّ كما أنت

صمتك يقتلني.

جاء ردّ غسان

لكنني متأكد من شيء واحد على الأقل،

هو قيمتك عندي.

كلّ ما بداخلي يندفع لكِ بشراهة،

لكن مظهري ثابت

فكتبت له غادة

لا يعنيني شعورك العظيم الذي تكنّه لي

إن كنتَ تتصرّف على عكسه تماماً.

قراءة سطور غادة وغسان تشبه الوقوف أمام مرآة صادقة لا تُجامل القلب، ولا تترك له فرصة الاختباء خلف الأعذار.

كلماتها ليست عتاباً عابراً، بل محاكمة أخلاقية لفكرة الحب الصامت، ذاك الذي يكتفي بالاشتعال الداخلي ويعجز عن أن يتحول إلى فعل، أو موقف، أو حتى إشارة تطمئن روحاً تنتظر.

غادة لا تشكّك في المشاعر، ولا تنكر عمقها، لكنها تضعها في ميزانٍ صارم، ميزان السلوك. الحب في تصورها، لا يُقاس بما يعتمل في الصدر، بل بما يصل إلى الطرف الآخر.

فما جدوى شعورٍ عظيم إن ظل حبيساً؟

وما قيمة حبّ لا يجرؤ على أن يُعلن نفسه، أو على الأقل يترجم ذاته إلى حضور، أو بحث، أو سؤال؟

اعترافها القاسي (صمتك يقتلني) ليس مبالغة عاطفية، بل توصيف دقيق للألم الذي يخلّفه الغياب المتعمّد.

الصمت، في العلاقات، ليس حياداً،

بل موقف من أقسى المواقف؛ لأنه يترك الطرف الآخر وحيداً مع تأويلاته،

وشكوكه، وأسئلته التي لا تجد جواباً.

الصمت هنا لا يعني العمق، بل العجز عن المواجهة، أو الخوف من دفع ثمن المشاعر.

غسان كنفاني، من جانبه، يكشف مأزقاً آخر مأزق الإنسان الذي يشعر بفيض داخلي، لكنه عاجز عن تحويله إلى حركة.

اعترافه بقيمتها، وباندفاع كل ما بداخله نحوها، يقابله ثبات المظهر.

ذلك الثبات ليس قوة، بل قيد.

كأن الداخل يركض، بينما الجسد مشدود إلى أرض التردد، وقيود الواقع، أو إلى خوفٍ من انكشاف الذات.

هنا تتجلى المفارقة المؤلمة.

شعور صادق، وسلوك مناقض. وهذه المسافة بين الداخل والخارج هي أكثر ما يُنهك العلاقات.

الإنسان لا يعيش داخل الآخر، ولا يسمع دقّات قلبه، ولا يرى نواياه.

الإنسان لا يملك سوى ما يُقدَّم له.

لذلك تصرّ غادة، بوضوح لا يعنيني شعورك العظيم إن كنت تتصرّف على عكسه تماماً. إنها لا تطلب المستحيل، بل تطلب الانسجام، تطلب أن يتصالح القلب مع الفعل.

في هذه الرسائل يتقاطع الحب مع الكرامة. غادة لا تساوم على الثانية باسم الأول.

هي تدرك أن قبول حبّ لا يُعبَّر عنه يعني قبول دور الضحية، انتظاراً بلا نهاية، وتعلّقاً لا يُكافأ. لذلك تأتي كلماتها حاسمة، ناضجة، خالية من التوسّل. إنها لا تقول أحبني أكثر، بل تقول كُن صادقاً مع ما تشعر به، أو اتركني بسلام.

حوار يختصر مأساة علاقات كثيرة.

أشخاص يحبّون بصدق، لكنهم يخشون الخطوة، يخافون الخسارة، أو يختبئون خلف الصمت بدعوى العمق.

في المقابل، قلوب أخرى لا تطلب إلا إشارة، تؤكد أن المشاعر ليست وهماً.

الحب، كما تراه غادة السمان، مسؤولية قبل أن يكون حالة وجدانية. هو شجاعة التعبير، وجرأة الانحياز، وصدق الظهور.

أما الحب الذي يكتفي بالاختباء داخل صاحبه، فيظل ناقصاً، مهما كان عظيماً، لأنه لا يحقّق الطمأنينة.

لا تنتصر هذه الرسائل لعاشقٍ على حساب آخر، بل تنتصر لفكرة واضحة

المشاعر التي لا تُعاش، ولا تُرى، ولا تُلمَس، تتحوّل إلى عبء.

والحب الحقيقي لا يقتل بالصمت، ولا يجرح بالتناقض، بل يضيء الطريق، ويمنح القلب سبباً كافياً ليبقى.

00:06 | 15-01-2026