يقول دوستويفسكي:

«في أفضل حالاتك، لن تكون كافياً للشخص الخطأ، وفي أسوأ حالاتك ستظل ذا قيمة للشخص المناسب».

فالقَبول الحقيقي لا يُقاس بدرجة كمالك، بل بنقاء نظرة من يراك.

فحين يحبك أحدهم لجوهرِك، لا يطالبك أن تكون في أفضل صورة، بل يراك كافياً حتى في انكسارك.

أما مَن لم يُخلق لك، فكل اجتهادك سيبدو ناقصاً في عينيه؛ لأن عينيه لم تُصمّما لترياك.

فالقَبول الحقيقي ليس ثمرة الكمال، بل هو نِعمة الإدراك حين تقع عينٌ صادقة على روحك فتراها كما هي، لا كما يُراد لها أن تبدو.

مقولة تفتح باباً واسعاً على سؤال الوجود الإنساني ذاته

لماذا لا يُدرك بعض الناس قيمتنا مهما فعلنا؟

ولماذا يرى آخرون فينا جمالاً لا نراه حتى نحن في أنفسنا؟

الجواب يكمن في العيون التي تبصر الجوهر لا المظهر.

فالعين الخاطئة، مهما تأملت فيك، لا ترى سوى ما ينقصك.

هي كمرآة مكسورة تُعيد إليك صورتك مشوهة، وتُشعرك أن الخطأ فيك، لا في انعكاسها.

أما العين الصحيحة، فهي كضوءٍ خافت في ليلٍ حالك، ترى ما وراء ظلامك، وتُدرك أن الكسر فيك ليس عيباً بل حكاية.

الإنسان الصحيح لا يُرهقك بالمقارنة، بل يَسندك بالاحتواء. فالقيمة لا يمنحها الجمال أو النجاح، بل من يملك عيناً تُبصِر حقيقتك دون أن تهرب منها.

ثمة حقيقة إنسانية عميقة يوشك معظم البشر أن يغفلوا عنها وهي أنك لست مطالباً بأن تكون كاملاً كي تُحب، ولا أن تبلغ ذروة الاتزان لتُقبل، ولا أن تلمع لتُرى.

في عالمٍ يتفنن في المقارنة، ويقيس الناس بمقاييس النجاح والهيئة والمكانة،

يأتي الحب الصادق كفعل تمرد نادر.

يقول لك «ابقَ كما أنت، فهكذا أراك جميلاً».

لا يُحاول إصلاحك كما يُصلح الناس عطب الأشياء، بل يحتضنك كما يحتضن العاشق عشقه القديم بتقديسٍ

ذلك الشخص الذي يُبصرك في لحظة ضعفك ولا يهرب، الذي يُصغي لصمتك كأنه موسيقى، الذي لا يراك عبئاً بل مهمة من نور. هو الشخص الذي خُلق ليُعيد ترتيبك من الداخل دون أن يمسك بيدك. هو الشخص الذي يجعل فوضاك قابلة للحياة، ويحوّل هشاشتك إلى نوع من الجمال الإنساني الذي لا يُفسَّر.

من لا يُخلق لك، سيظل يراك أقل مما أنت عليه؛ لأنه ببساطة لم يُبرمج ليفهمك، لم يُمنح الشفرة التي تُفسّر وجودك.

مهما اجتهدت أمامه، ستبقى بالنسبة له محاولة غير مكتملة، وما أقسى أن تُحب من لا يرى فيك سوى النقص، وأن تُهدر وقتك في إصلاح صورتك في مرآته بينما كان عليك فقط أن تُبدّل المرآة.

القيمة لا تُقاس بما نُقدّمه، بل بمن يُحسن النظر إلينا حين نكون عاجزين عن التقديم. فكم من جميلٍ شوهته نظرة، وكم من بسيطٍ صار عظيماً بعينٍ أحبّت صدقه.

ابحث عمّن يراك بعين الروح لا بعين المقاييس. عمّن يراك كافياً حتى وأنت في قاع حزنك. عمّن يُدرك أن سقوطك لا يُنقصك، بل يُذكّره بأنك إنسان.

هؤلاء فقط الذين يُمكن أن نُسميهم بتوأم الروح، ليس المهم أن تكون محبوباً من الجميع، بل أن تُحاط بأرواح قليلة، صافية، ترى فيك المعنى لا المظهر، وترى في عثراتك جمال السعي، وفي ضعفك قوة الإنسان حين يُصر على أن يكون.