ظلت علاقة المملكة العربية السعودية بجارتها الشقيقة اليمن، على مر الحقب والعهود والسنوات، موسومة بالتقدير، والاحترام المتبادل، والاهتمام المتعاظم بالقضايا التي تهم البلدين، على كافة المستويات؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في تكامل وتماهٍ اقتضته عوامل الجوار والطبيعة والتداخل المشترك بين الأسر والقبائل،

وأصبح أمن كلا البلدين منعقدًا بأمن الآخر، وأي مؤثر لا بد وأن ينتقل أثره إلى الآخر؛ ولهذا نهضت المملكة نهوض عزم وحزم؛ قائدة التحالف لنجدة اليمن في الملحمة التاريخية «عاصفة الحزم» التي انطلقت، لإعادة الشرعية إلى ربوع اليمن، وإزالة شبح الخطر الحوثي الذي تمدد واستفحل، وأحدث انقلابًا عسكريًا وأمنيًا، ومثّل تهديدًا صارخًا لوحدة اليمن، وسلامة أرضه وترابه، بما حمله من أجندة شكّلت في جوهرها ارتهانًا لأبواق الصفوية، وتمريرًا خفيًا؛ بل وعلنيًا، لخطابها، فكانت «عاصفة الحزم» السيف الذي اجتث ذلك الخطر المحدق، والبلسم الشافي الذي وأد الفتنة قبل أن تستفحل وتستشري.

رافق ذلك المسعى النبيل مسار تنموي قامت به المملكة ممثلة في البرنامج السعودي لإعمار اليمن، بجانب مركز الملك سلمان للإغاثة، اللذين عملا في تزامن من أجل نهضة اليمن وخروجه من كبوته، وضمان استقراره وأمنه، وتضميد جراحه.

ولمّا كانت المملكة من الحرص بحيث لا تقبل أي تدخّل خارجي في حق اليمن وقرار شعبه، فلزمها من باب أولى أن لا تقبل بأي انحراف عن الغايات النبيلة التي نهض بها «تحالف دعم الشرعية»، فما قامت به أبوظبي في جنوب اليمن لا يخرج توصيفه المباشر والصادق عن كونه شقًا للصف، وسلوكًا مجافيًا يعبث بأمن اليمن ويدفع بجنوبه نحو الفوضى والتخريب وعرقلة الجهود التي يقوم بها «التحالف» بقيادة المملكة، فدعم أبوظبي للهارب عيدروس الزبيدي لا يمكن أن يُفهم في أي سياق تبريري، ولا واصف له إلا أنه انحراف واضح عن أهداف «التحالف»، والسعي نحو تحقيق مصالح ذاتية، تتوازى وتتصادم مع مصالح الشعب اليمني الشقيق، وتدفع به نحو التفتيت والتشرذم والاحتراب، بما يعني بداهة خلق واقع أمني قلق سيمتد أثره الحارق بكافة الاتجاهات، أولها أمن وسلامة المملكة وأراضيها وشعبها، وما كان لقيادة المملكة أن تقبل بذلك، ولا أن تغض الطرف عنه، بالغًا ما بلغ تقديرها لأبوظبي وقيادتها، وهو تحرّك؛ بقدر ما يتّسم بالحزم في مواجهة أبوظبي، ينطوي كذلك على قدر كبير من مراعاة أواصر العلاقات بين البلدين الشقيقين، وهو ميزان دقيق، تجلّت فيه حكمة المملكة وقيادتها، بحزم لا رخاوة فيه، وعزم يقرأ التاريخ جيدًا، ويعرف مآلات المواقف، وتقديرات الظروف، وهو موقف تستطيع أن تقرأه بوضوح في مرآة البيت السيّار للحكيم المتنبي، وفيه:

فَإِن يَكُنِ الفِعلُ الَّذي ساءَ واحِدًا

فَأَفعالُهُ اللائي سَرَرنَ أُلوفُ

وسيبقى موقف المملكة على هذا الحال، حريصة على العلاقات الوطيدة القائمة على الاحترام المتبادل، ورعاية المُثل العليا التي تحفظ الأمن والسلام في المنطقة بأثرها، بجانب تأكيدها الذي لا محيد عنه باتخاذ كافة الإجراءات الحازمة والحاسمة حيال أبوظبي لو أنها استمرت في مشاغبة الداخل اليمني بمثل هذه التصرفات غير المقبولة على الإطلاق، والتي تتنافى جملة وتفصيلًا مع أسس ومبادئ «التحالف»، وأهدافه الواضحة والمعلنة.

ولا يذهبن الظن الآثم بالبعض إلى اعتبار أن استضافة المملكة في العاصمة الرياض لقيادات وشخصيات من جنوب اليمن، الأسبوع الماضي، من باب فرض أجندة سعودية عليه، ورسم واقع جديد لا ينسجم ومطالبات وأماني وتطلعات شعب جنوب اليمن، بل جاءت الاستضافة تحضيرًا للمؤتمر الذي دعت إليه المملكة، بتهيئة كافة الظروف اللوجستية للإخوة اليمنيين، للتحاور والتشاور بعيدًا عن أي ضغوط خارجية، وبحثًا لقضاياهم وشؤونهم وفق ما تقتضيه مصلحة بلادهم، والوصول إلى حلول تدفع باتجاه استقراره وشيوع الأمن في ربوعه،

بتأكيد مطلق من المملكة وقيادتها أن خيارات أبناء جنوب اليمن ستظل بأيديهم ورؤاهم، ولا دور للمملكة سوى تهيئة الظروف المناسبة لاتخاذ قرارات خارج دوائر الانفعال والتأثير والضغوط الخارجية، عبر حوار شامل حر وصريح، تشارك فيه جميع الشخصيات والقيادات الجنوبية، دون وصاية من أحد، ودون هيمنة مكوّن من المكوّنات تفرضه جهة بعينها، أو تحمله أجندتها ومطامحها الخاصة والعامة، بما يجعل من مسار الحوار المنتظر في المؤتمر سلسًا ومحدد الأهداف، بتأكيد واحترام كافة الخيارات، بما فيها الدعوات التي تنادي بانفصال الجنوب، فمتى ما كان ذلك خيارًا يمنيًا خالصًا، دون ضغوط من الخارج، فسيجد كافة التقدير والاحترام والقبول من المملكة وقيادتها، قياسًا على موقفها الراسخ من أحقية الشعب اليمني في معالجة قضاياه بنفسه، ولعل هذا ما استشعره الإخوة اليمنيون الذين خرجوا في مليونية جماهيرية شهدتها العاصمة عدن ظهر يوم الجمعة المنصرف، فجاء بيانها معضدًا لموقف المملكة، مثمّنًا لجهودها، مشيدًا بدور قيادتها الرشيدة، في أكثر من فقرة وموضع؛ حيث ذهب إلى القول بصريح العبارة التي لا تحتمل تأويلًا أو مداجاة مؤكدة دعمها الكامل لمسار الحوار الجنوبي الشامل الذي ترعاه المملكة العربية السعودية الشقيقة، باعتباره مسارًا جادًا وصادقًا ومضمونًا وآمنًا ومكملًا لإرادة شعب الجنوب وداعمًا لها، وفرصة تاريخية لترتيب الصف الجنوبي، وصياغة رؤية وطنية تعبّر عن تطلعات شعبنا الجنوبي، وتؤسّس لمسار سياسي منظم، واقعي، وقابل للضمان والتنفيذ، وضامن لخيار استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة. على هذا ستظل المملكة، حارسة الأمن العربي، الحريصة على الاستقرار في كل ربوعه، والمضمدة لجراحه، والباعثة على قوائم نهضته وتنميته حتى تبلغ شعوبه ما تأمل وترجو في مستقبل أيامها، ويكفي الدور الذي تقوم به اليوم حيال قضية السودان، والصومال، وليبيا، وسوريا، والقضية الفلسطينية، وكل القضايا التي تنهض بها نهوض حسم وعزم.