بين حين وآخر، تطل علينا أبواق تقتات على «نوستالجيا» بائسة، تردد أسطوانة مشروخة مفادها أن الحروب أو الأزمات الكبرى ستعيد الإنسان السعودي إلى «الإبل والتمر».

هذا الطرح، في ظاهره وعيد، وفي باطنه جهل مركب ببنية المجتمع السعودي واقتصاده. هم يظنون أن «الخيمة» كانت هروباً من واقع، بينما هي في وجداننا «خيار» وقيمة، ويرون في «الإبل» وسيلة نقل بائدة، ونحن نراها رمزاً للصلابة والارتباط بالأرض.

إن الفارق الجوهري بيننا وبينهم يكمن في مفهوم «العودة»؛ فالعالم حين ينهار يعود إلى «العدم»، أما نحن فحين تشتد الأزمات، نرتكز على «الأصل».

أولاً: مغالطة «الصفر» التاريخي:

يروّج العقل الغربي، وبعض من سار في ركابه، لفكرة أن الرفاه السعودي هو حالة طارئة قابلة للزوال، ويغيب عن هؤلاء أن الإنسان في هذه الأرض لم يبدأ من «الصفر» مع تدفق النفط، بل بدأ من «القيم».

القوة التي مكّنت الأجداد من تطويع الصحراء القاسية هي ذاتها التي تدير اليوم أعقد المنظومات التقنية والصناعية، وإن «الإبل والتمر» بالنسبة للسعودي ليست حالة فقر انتهت، بل هي «الجينوم الثقافي» الذي لم يغادر المائدة ولا المجلس ولا الوجدان.

نحن لا نعود إليها «اضطراراً» لأننا لم نتركها أصلاً، بل جعلناها جزءاً من سيادتنا، فالسعودية اليوم هي من تقود العالم في أبحاث الإبل وتطوير صناعات التمور كأمن غذائي عالمي.

ثانياً: تحت الأقدام..

فوق التوقعات:

عندما نتحدث عن الاقتصاد، يغرق «الحاقد» في لغة الأرقام الجافة، بينما نتحدث نحن عن لغة «السيطرة»، فنحن لا نملك النفط كسلعة للبيع فقط، بل نملك «مفاتيح الطاقة» التي تحرك المصانع في الشرق والغرب، وعندما تهتز سلاسل الإمداد العالمية، يكتشف العالم أن «المخصبات» والأسمدة السعودية هي التي تنقذ مزارع أوروبا وأمريكا من البوار.

إننا نتحكم بـ20% من ثروات العالم، لا لنكدسها، بل لنرسم بها خارطة التوازن الدولي. فمن يهددنا بالعودة إلى الماضي، ينسى أن مستقبله هو مرتبط بمدى استقرار حاضرنا.

ثالثاً: «السيادة الروحية»

والمكانية:

هناك مفهوم لا يفهمه إلا السعودي، وهو علاقة «الأرض بالذات». في الأزمات، يبحث المواطن في الدول الأخرى عن ملجأ أو مهرب، بينما يزداد السعودي «التصاقاً» برماله. هذه الروح القتالية والانتماء للأرض ليست شعارات، بل هي واقع يترجم في الدفاع عن المكتسبات. نحن شعب يمتلك «مرونة حضارية»؛ نستطيع إدارة أضخم الصناديق السيادية ببدلاتنا الرسمية، وفي المساء ننصب خيامنا في قلب «الدهناء» لنمارس طقوسنا العربية الأصيلة بكل فخر. هذا التناغم بين «الحداثة الفائقة» و«الأصالة المتجذرة» هو الذي يحمينا من الانهيار النفسي الذي يصيب المجتمعات المادية عند أول اهتزاز.

رابعاً: تحويل التهديد

إلى فرصة استراتيجية:

إن العالم الذي يهددنا بالانهيار هو عالم يعيش على «الاستهلاك»، بينما نعيش نحن على «الإنتاج» والتحكم. نحن نصدّر المقويات الحيوية التي تضمن استمرار الحياة الحيوانية والزراعية في دول تعتمد اقتصاداتها بالكامل على ما نقدمه لها. إذاً، المعادلة مقلوبة؛ فالمحتاج هو من يقف خارج حدودنا، وليس من يسكن داخلها. السعودية اليوم ليست مجرد رقم في منظومة، بل هي «المنظومة» ذاتها في كثير من القطاعات الحيوية.

نقطة آخر السطر:

إلى كل من يراهن على سقوطنا أو عودتنا لمربعات قديمة: إننا لا نخشى العودة للبدايات، لأن بداياتنا كانت شريفة، صلبة، ومستمدة من عقيدة وأرض لا تخون صاحبها. لكننا في الوقت نفسه، نبني للمستقبل بأدوات لا يملكها غيرنا. نحن «أسياد الصحراء» و«قادة التكنولوجيا»، ومن يظن أن الإبل والتمر هي نقطة ضعفنا، فقد أخطأ العنوان.. هي قوتنا الناعمة، وما تحت أقدامنا هو قوتنا الخشنة، وبين هذا وذاك يقف شعب لا يعرف المستحيل.