أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1775.jpg?v=1769684372&w=220&q=100&f=webp

عبداللطيف آل الشيخ

هل تُوزن الآراء بالحقيقة.. أم تُوزن الحقيقة بالآراء؟

الحقيقة لا تتغير لأنها أغضبتنا، ولا تصبح أقوى لأنها وافقتنا، ولا تضعف لأنها جاءت على لسان من نختلف معه، هذه بديهيات، لكنها لا تبقى بديهيةً دائماً.

ففي لحظةٍ ما، ومن حيث لا يشعر الإنسان، تنقلب العلاقة بين الحقيقة والرأي، فيصبح الرأي هو المعيار، وتصبح الحقيقة مطالبةً بأن تثبت توافقها معه، لا العكس، ومن هنا يبدأ واحدٌ من أخطر التحولات الفكرية.

الرأي، في طبيعته، اجتهاد، وقيمة الاجتهاد لا تأتي من صاحبه، بل من مقدار اقترابه من الحقيقة، ولهذا ظل الإنسان، عبر تاريخه، يغيّر آراءه كلما اتسعت معرفته؛ لأن الفكرة كانت وسيلة، لا غاية، ولأن الحقيقة كانت أكبر من أن يحتكرها رأي واحد.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتغير موقع الرأي، حين لا يعود وسيلةً إلى الحقيقة، بل يتحول إلى هوية، وعندها لا يعود نقد الرأي مراجعة لفكرة، بل يُستقبل كما لو كان حكماً على صاحبه، ولا يعود الاعتراف بالخطأ تصحيحاً للمعرفة، بل يُفهم على أنه تنازل عن المكانة، وشيئاً فشيئاً يفقد العقل حريته، لا لأنه توقف عن التفكير، بل لأن التفكير نفسه أصبح يعمل في اتجاه واحد، هو الدفاع عما استقر عليه، لا اختبار صحته.

لهذا لا تنتهي كثير من النقاشات، مهما كثرت فيها الأدلة، فالمشكلة ليست دائماً في نقص البرهان، بل في أن وظيفة البرهان تغيرت، فلم يعد يُستخدم لاكتشاف الحقيقة، بل لتأكيد القناعة السابقة، ولم يعد السؤال «أين الدليل؟»، بل أصبح السؤال «أين الدليل الذي يؤيدني؟».

وهنا يختل المعيار.. فبدلاً من أن تُوزن الآراء بالحقيقة، تُوزن الحقيقة بالآراء، وبدلاً من أن يمنح الدليل الرأي قيمته، يصبح الرأي هو الذي يمنح الدليل قيمته، فإذا وافقه قُبل، وإذا خالفه رُفض، قبل أن يُقرأ، وقبل أن يُناقش.

ولا يقف أثر هذا التحول عند حدود الأفراد، بل يمتد إلى المجتمع كله؛ لأن الحوار يفقد وظيفته، ويصبح الاصطفاف بديلاً عن التفكير، وتتحول المراجعة إلى ضعف، والنقد إلى خصومة، ويختلط احترام الإنسان بتحصين رأيه، حتى يغدو تغيير الموقف أصعب من اكتشاف الحقيقة نفسها، وعندها لا يخسر المختلفون وحدهم، بل يخسر المجتمع المعيار الذي يميز بين قوة الحجة، وقوة صاحبها.

ولا يبقى هذا التحول محصوراً في الأفراد والمجتمعات، بل يمتد إلى المؤسسات أيضاً؛ لأن المؤسسة التي لا تراجع أفكارها، لن تراجع قراراتها، والقرار الذي يستمر لأنه صدر، لا لأنه صواب، يتحول مع الزمن إلى عبء، مهما كانت النوايا حسنة، فالمؤسسات لا تكبر بعصمة قراراتها، بل بقدرتها على مراجعتها.

ولعل أكثر ما تحتاجه المجتمعات ليس مزيداً من المتحدثين، بل مزيداً من الذين يستطيعون، في اللحظة المناسبة، أن يقولوا لأنفسهم قبل أن يقولوها لغيرهم، «لقد كنت أرى الأمر على نحو مختلف، ثم غيّرت رأيي»، فهذه الجملة لا تُضعف العقل، بل تثبت أنه ما زال حياً.

فالإنسان لا يكبر لأنه لم يخطئ، ولا ينضج لأنه انتصر في كل جدال، ولا يقترب من الحقيقة؛ لأنه تمسك بكل آرائه، إنما يكبر حين يصبح احترامه للحقيقة أكبر من تعلقه برأيه، وينضج حين يدرك أن قيمة العقل لا تُقاس بعدد الأفكار التي دافع عنها، بل بعدد الأفكار التي امتلك شجاعة مراجعتها.

نقطة آخر السطر:

الحقيقة لا تخسر حين نراجع آراءنا، بل نحن الذين نخسرها حين نجعل آراءنا هي المعيار الذي تُقاس به الحقيقة.

فالسؤال الذي يستحق أن يبقى، ليس: «من صاحب الرأي الصحيح؟»، بل: «هل ما زلنا نزن آراءنا بالحقيقة، أم بدأنا نزن الحقيقة بآرائنا؟».

منذ ساعتين

حين يلتقي الليبرالي والنسوية

يصعب النظر إلى بعض السجالات الجارية في منصات التواصل الاجتماعي بين سعوديين محسوبين على الليبرالية، وأصواتٍ نسوية، بوصفها مجرد خلافٍ حول حقوق المرأة، أو حدود الحرية الشخصية، لأن المتابعة تكشف أن الخطابين، على الرغم من اختلاف مفرداتهما، وجمهورهما، يلتقيان أحياناً عند فرضيةٍ واحدة، مفادها أن المجتمع السعودي لم يبلغ بعد درجة النضج التي تؤهله لتعريف نفسه، وترتيب أولوياته من داخله.

ولا بد من توضيحٍ مبكر.. فالقضية هنا ليست الليبرالية بوصفها فكرة، ولا النسوية بوصفها مطلباً، وإنما ما يُطرح باسميهما، حين يتحول الدفاع عن الحرية إلى ازدراء المجتمع، أو تتحول المطالبة بالعدالة إلى وصايةٍ جديدة على اختيارات الناس.

الليبرالي يقول، إنه يدافع عن حرية الفرد، وتقول النسوية، إنها تدافع عن حقوق المرأة، وكلا المطلبين مشروع من حيث الأصل، لكن المشكلة لا تكمن في العنوان، بل في اللحظة التي تتحول فيها حرية الفرد إلى معيارٍ لإدانة المجتمع، أو تتحول فيها حقوق المرأة إلى مشروعٍ يعيد تعريف الأسرة، والعلاقة بين الجنسين، من زاوية صراعٍ دائم.

هنا تظهر التوأمة بين الخطابين، لا بوصفها تحالفاً منظماً، ولا باعتبارها تنسيقاً مباشراً، بل باعتبارها التقاءً وظيفياً في النتيجة. فالطرفان قد يختلفان في اللغة، والأولويات، لكنهما يلتقيان عندما يصبح المجتمع نفسه موضع اتهام، لا بعض ممارساته فحسب.

بعض الليبراليين لم يعودوا ينظرون إلى الليبرالية باعتبارها آليةً لحماية الاختلاف، بل باعتبارها معياراً للحكم على المجتمع. فمن وافق رؤيتهم أصبح متقدماً، ومن خالفها وُضع في خانة التقليد، أو الانغلاق. وهكذا ينتقل الخطاب من الدفاع عن حق الفرد في الاختيار، إلى الطعن في حق المجتمع نفسه في أن يحتفظ بمنظومته الثقافية، والأخلاقية.

وبعض الأصوات النسوية تبدأ من مظالم حقيقية، أو اختلالاتٍ اجتماعية تستحق المعالجة، لكنها لا تتوقف دائماً عند معالجة الظلم، بل تتوسع أحياناً في تفسير العلاقة بين الرجل، والمرأة، باعتبارها صراعاً على السلطة، وتنظر إلى الأسرة بوصفها بيئةً محتملة للقمع، وإلى الأمومة باعتبارها وظيفةً فرضها المجتمع، وإلى الاختلاف بين الجنسين بوصفه صناعةً ثقافية ينبغي تفكيكها.

والمشكلة ليست في طرح هذه الأفكار، فالنقاش مشروع، بل في تحويلها إلى معيارٍ وحيد، يكاد يتهم المرأة التي تختار الأسرة، والأمومة، عن قناعة، بنقص الوعي، بينما يُحتفى بالاختيار المعاكس بوصفه الدليل الوحيد على التحرر. عندها يصبح الخلل في المعيار، لا في الاختيار.

فإذا كان المجتمع السعودي قد شهد خلال السنوات القليلة الماضية تحولاتٍ واسعة في تعليم المرأة، وعملها، وحضورها الاقتصادي، والإداري، والثقافي، وإذا كانت هذه التحولات قد جاءت من خلال مشروع الدولة، وبتأييدٍ اجتماعي متزايد، فلماذا يصر بعض الخطاب على قراءة المرأة السعودية بالمعجم القديم نفسه؟

الفجوة بين واقعٍ يتسع فيه حضور المرأة يوماً بعد يوم، وخطابٍ لا يزال يصفها بالصورة السابقة نفسها، تطرح سؤالاً مشروعاً.. هل ما زال هذا الخطاب يصف الواقع، أم أنه أصبح محتاجاً إلى صورته القديمة كي يحافظ على مبرراته؟

هذا السؤال لا يتهم النيات، لكنه يضع المجهر على وظيفة الخطاب. فكلما تغير الواقع، كان من الطبيعي أن تتغير أدوات قراءته، أما الإصرار على الصورة القديمة، رغم اتساع الفرص، وتغير البنية الاجتماعية، فيجعل الخطاب أقرب إلى الدفاع عن نفسه، منه إلى تفسير المجتمع.

من هنا يبدو التقاء بعض الليبراليين، وبعض النسويات، مفهوماً. فالطرف الأول يوفر الغطاء الفكري الذي يصور القيم الاجتماعية باعتبارها قيوداً على الفرد، والطرف الثاني يوفر الغطاء الحقوقي الذي يعيد تقديم الصراع مع المجتمع باعتباره دفاعاً عن المرأة، بينما تكون النتيجة المشتركة هي نزع حق المجتمع في تعريف الطبيعي، والمقبول، والمتوازن.

المفارقة، أن الخطابين اللذين يرفعان شعار الحرية لا يتسامحان دائماً مع المرأة التي تختار الأسرة، والأمومة، والمحافظة على قيمها، كما لا يتسامحان مع الرجل الذي يؤمن بالشراكة من داخل ثقافته، شراكة تقوم على المسؤولية، والرضا، والاحترام المتبادل، لا على الإكراه من أي طرف.

وهنا ينبغي تثبيت قاعدةٍ لا غنى عنها.. المجتمع ليس سلطةً مطلقة على الفرد، والفرد ليس وصياً مطلقاً على المجتمع. فلا الأغلبية تملك إهدار الحقوق باسم الهوية، ولا صاحب الفكرة يملك إعادة تعريف المجتمع كله باسم الحرية.

المجتمع السعودي ليس مثالياً، ولم يدّع يوماً أنه بلا أخطاء، لكن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإهانته، بل بفهمه، ولا ينجح باستيراد صراعاتٍ تاريخية نشأت في بيئاتٍ مختلفة، بل بقراءة الواقع المحلي، وتطويره من داخله، دون تحويل الهوية إلى تهمة، أو الفرد إلى ذريعةٍ لإلغاء المجتمع.

القضية إذاً ليست رفض الليبرالية، أو النسوية، لمجرد أسمائهما، بل مساءلة ما يُطرح باسميهما.. هل يسعى إلى توسيع العدالة، والخيارات، داخل المجتمع، أم إلى إعادة تشكيل المجتمع على صورة جماعةٍ ترى نفسها أكثر وعياً منه؟

نقطة آخر السطر:

حين يلتقي الليبرالي الذي يزدري المجتمع، مع النسوية التي تخاصمه، فهما لا يصنعان مشروع تحريرٍ جديداً، بل يعيدان إنتاج الوصاية القديمة.. بعد تغيير أسماء الأوصياء.

00:02 | 26-07-2026

انتهى زمن المثقف الوصي

كان المثقف في زمنٍ مضى يحتل مساحة أكبر من حجمه الحقيقي، لا لأنه الأكثر معرفة بالضرورة، ولا لأنه الأقدر على إنتاج الحلول، بل لأن المجتمع كان محدود المصادر، وكانت المنابر قليلة، وكانت المعلومة تمر من بوابات ضيقة، ومن يملك المنبر يملك حق التفسير، ومن يملك حق التفسير يقترب من سلطة التوجيه، حتى نشأ نموذج المثقف الذي لا يكتفي بأن يقول رأيه، بل يتحدث كأنه الناطق باسم المجتمع، والمفسر الوحيد لتحولاته، وصاحب الحق في تحديد ما ينبغي أن تفعله الدولة، وما يجب أن يقبله الناس، وما عليهم أن يرفضوه.

ذلك الزمن انتهى، وانتهى معه الامتياز الذي عاش عليه بعض المثقفين طويلاً، فالسعودية اليوم لا تبحث عمّن يشرح لها كيف تفكر، ولا تنتظر من أحد أن يرسم لها الطريق من مقعده، لأنها أصبحت دولة تعرف ما تريد، وتملك أدواتها، وتبني قراراتها على المؤسسات، والبيانات، والخبرة، والقياس، ولم يعد الخطاب مهما بدا لامعاً قادراً على منافسة مشروع ينجز، أو دراسة تحلل، أو تخصص يقدم حلاً قابلاً للتطبيق.

التحول هنا ليس عداءً للثقافة، ولا تقليلاً من قيمة المثقف الحقيقي، بل نهاية لوظيفة الوصاية التي تسللت إلى المشهد الثقافي تحت مسميات كثيرة، فالمشكلة لم تكن يوماً في من يفكر، بل في من يظن أن تفكيره يمنحه سلطة على الآخرين، ولم تكن في من يكتب، بل في من يتعامل مع الكتابة باعتبارها تفويضاً دائماً لتوجيه الدولة والمجتمع، حتى بدا بعضهم وكأن وجوده ضرورة، وأن غيابه فراغ، وأن رأيه ليس رأياً بين آراء، بل ميزاناً تقاس به المراحل.

اليوم تغيّر السؤال كله، فلم يعد أحد يسأل: من قال؟ بل: ماذا قدم؟ ولم تعد الأسماء الكبيرة تكفي وحدها لصناعة التأثير، لأن القيمة انتقلت من شهرة المتحدث إلى كفاءة الفكرة، ومن بريق العبارة إلى قوة النتيجة، ومن الحضور الإعلامي إلى الأثر الذي يمكن قياسه، وهذا هو السبب الحقيقي في تراجع أسماء كثيرة كانت تملأ الشاشات والصفحات، ثم اختفت من المشهد من دون قرار يمنعها، ومن دون خصومة تخرجها، لأنها ببساطة فقدت الوظيفة التي صنعت حضورها.

بعض الأسماء القديمة لم تختف لأنها تعرضت للإقصاء، بل لأنها لم تدرك أن الأدوات تغيرت، وأن المجتمع الذي كانت تخاطبه لم يعد هو المجتمع نفسه، وأن الدولة التي كانت تحاول أن تلقنها لم تعد تنتظر منها الوصفة، وأن الناس الذين كانوا يتلقون الرأي من نافذة واحدة أصبحوا أمام آلاف المصادر، وأن المعرفة لم تعد حكراً على الكاتب، ولا الدراسة حكراً على الأكاديمي، ولا التحليل حكراً على من يجيد الحديث الطويل، فحين تتسع مصادر المعرفة تضيق مساحة الوصاية، وحين تتقدم المؤسسات يتراجع نفوذ الفرد الذي بنى مكانته على احتكار التفسير.

السعودية الجديدة لا تعادي المثقف، لكنها لا تمنحه مكانة لمجرد أنه مثقف، ولا تعتبر المقال مشروعاً، ولا تعتبر الخطابة إنجازاً، ولا تضع صاحب اللغة في مرتبة صاحب النتيجة، فهي تبحث عن خبير يقرأ الأرقام، وباحث يفهم المتغيرات، ومختص يعرف أين الخلل، وقائد مشروع يحول الفكرة إلى واقع، وهذا لا يعني أن الكلمة فقدت قيمتها، بل يعني أن الكلمة أصبحت مطالبة بأن تثبت صلتها بالواقع، وأن تقدم معرفة، وأن تفتح مساراً، وأن تساعد على الفهم، لا أن تكتفي باستعراض صاحبها.

لقد انتقل مركز الثقل من سلطة الخطاب إلى سلطة الكفاءة، وهذا التحول أعمق من أن يكون مجرد تغيير في الذائقة، لأنه يعيد ترتيب مكانة الناس داخل المجال العام، فالمكانة لم تعد تُمنح لمن يتحدث أكثر، بل لمن يعرف أكثر، ولا لمن يعترض بصوت أعلى، بل لمن يقدم بديلاً أفضل، ولا لمن يصنع انطباعاً، بل لمن يصنع أثراً، ولهذا فإن بعض المثقفين الذين عاشوا طويلاً على مهاجمة القرارات وتفسير المجتمع وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد لا يكافئ الضجيج، ولا يمنح الأفضلية لمن يصف المشكلة من بعيد.

الفرق بين المثقف الوصي والخبير واضح، فالمثقف الوصي يطلب منك أن تصدقه لأنه يرى ما لا تراه، أما الخبير فيضع أمامك ما يمكن اختباره، والمثقف الوصي يدافع عن مكانته، أما الباحث فيدافع عن منهجه، والمثقف الوصي يحتاج إلى جمهور يؤمن به، أما المختص فيحتاج إلى نتيجة تؤكد كفاءته، ولذلك فإن الزمن الجديد لا يلغي الفكر، بل يحرره من سلطة الأشخاص، ولا يلغي الثقافة، بل يعيدها إلى وظيفتها الطبيعية، أداة للفهم، والنقد، وتوسيع الوعي، لا منصة لمنح الأوامر.

الدولة الحديثة لا تبني مستقبلها بالمقولات الكبرى، ولا تدير ملفاتها بمزاج كاتب، ولا تغيّر سياساتها لأن صوتاً ارتفع، بل تعتمد على أجهزة، وفرق عمل، ومراكز بحث، وخبرات متخصصة، ومؤشرات تقيس النجاح والفشل، وعندما تصبح المعرفة عملاً مؤسسياً لا بطولة فردية، يسقط تلقائياً الوهم القديم الذي يجعل المثقف فوق المجتمع، وتتحول قيمته من كونه وصياً على الوعي إلى كونه مساهماً في إنتاجه.

لهذا، فإن غياب كثير من الأسماء عن المشهد ليس لغزاً، ولا مؤامرة، ولا خصومة مع الثقافة، بل نتيجة طبيعية لانتهاء صلاحية الدور الذي أدته، فبعضها لم يختف لأن الناس تغيرت عليه، بل لأنه لم يتغير معهم، وبعضهم لم يخسر حضوره لأن المنابر ضاقت، بل لأن المجتمع اتسع، وبعضهم لم يفقد تأثيره لأن الدولة تجاهلته، بل لأن الدولة لم تعد تحتاج إلى من يشرح لها نفسها.

السعودية اليوم لا تبحث عن مثقف يرفع إصبعه في وجهها، بل عن عقل يضيف، ولا عن اسم يملأ المشهد، بل عن كفاءة تملأ الفراغ، ولا عن خطاب يصف المستقبل، بل عن عمل يصنعه، وهنا يكمن التحول الحقيقي، فالمثقف الذي يفهم عصره سيجد مكانه، والمثقف الذي يراجع أدواته سيبقى، والمثقف الذي يتحول من واعظ إلى باحث، ومن وصي إلى شريك، ومن نجم إلى منتج معرفة، لن يخاف من المرحلة الجديدة.

أما من لا يزال يعتقد أن المجتمع ينتظر وصايته، وأن الدولة تحتاج إلى حكمته، وأن المنبر يمنحه سلطة، فسيكتشف متأخراً أن المشكلة ليست في تراجع الثقافة، بل في تقدّم الكفاءة.

نقطة آخر السطر:

لم ينته زمن المثقف، الذي انتهى هو زمن المثقف الذي ظن أن الكلام يمنحه حق الوصاية، فالدول لا يقودها من يصف الطريق، بل من يعرف كيف يبنيه.

00:00 | 19-07-2026

ما بعد الصحوة.. من يُعرِّف الليبرالي العربي الآن؟

مقدمة: مفارقة الانتصار الحزين:

منذ عقود.. خاض التيار الليبرالي العربي معاركه الكبرى تحت لافتة واحدة رئيسية: مواجهة تيار الصحوة وتمدد الإسلام السياسي، من الإخوان إلى السرورية وغيرهم، وكان الظن السائد أن انحسار هذا الخصم وتفكك بنيته التنظيمية والخطابية سيفتح الباب تلقائياً لتدشين «العصر الذهبي» لليبرالية العربية، غير أن الواقع الراهن صدم الجميع بمفارقة حادة: فالأزمة الراهنة لم تولد من صعود الخصوم، بل من غيابهم، فبدل أن يخرج التيار الليبرالي من هذه المعركة أكثر قوة وتماسكاً، تبدّد في فضاء التشتّت، وبدا كمن فقد بوصلته وحضوره الفاعل في اللحظة التي تلاشت فيها جبهة الخصم، مما يضعنا أمام السؤال الجوهري الذي يفرضه المشهد اليوم: من يُعرِّف الليبرالي العربي الآن؟

المحور الأول: التأصيل التاريخي..الحضور كرد فعل:

لم تتشكّل الليبرالية العربية المعاصرة في معظم تجلياتها كحركة فلسفية نابعة من تراكم معرفي مستقل، بل ولدت وتغذت بوصفها «كتلة دفاعية» أو رد فعل مباشر على الهيمنة الأيديولوجية لتيار الإسلام السياسي، لقد استمد الخطاب الليبرالي شرعيته وحيويته من التناقض مع الآخر، فكان يكتسب ملامحه من خلال نفي أطروحات الصحوة والرد على أدبياتها وتفكيك فتاواها، هذا الارتباط الشرطي جعل الوجود الليبرالي وجوداً «تفاعلياً» بالدرجة الأولى، يتحرك بحركة الخصم ويسكن بسكونه، عوضاً عن أن يكون مشروعاً يمتلك جدول أعمال ذاتي البناء، والقدرة على توجيه الرأي العام بأدواته الخاصة.

المحور الثاني: السؤال والجواب.. تفكيك أبعاد المأزق:

س: هل كانت الليبرالية العربية مشروعاً فكرياً متكاملاً، أم خطاب معارضة بالدرجة الأولى؟

فكرياً: يرى جانب واسع من النقاد الثقافيين أن هذا التيار ظل أقرب إلى «ليبرالية صحفية»، مجرد آراء وانطباعات تُنشر على صفحات الجرائد والمواقع وتفتقر إلى عمق المرجعيات الفلسفية والسياسية الكبرى كحقوق المواطنة ومأسسة الفكر الفردي، في المقابل.. يمكن الدفع بأن غياب المؤسسات الحاضنة لا ينفي المضمون جملة وتفصيلاً، إذ توجد كتابات وتضحيات جادة ناقشت دولة القانون وحقوق المرأة، لكن مأزقها الحقيقي تمثّل في كونها ظلت جهوداً مبعثرة وفردية، عجزت عن التحوّل إلى تيار منظم يضاهي تنظيم أدوات الصحوة.

س: كيف انعكس غياب الخصم التقليدي على الأداء الإعلامي لليبراليين؟

إعلامياً: تشكّل الحضور الليبرالي عبر ثقافة «الاشتباك» والمناظرات الساخنة، وعندما خفت صوت الطرف الصحوي، وجد العديد من الرموز المحسوبة على الليبرالية أنفسهم بلا قضايا واضحة، وبلا «موضوع» للاشتغال عليه، فانكشف أن رصيدهم الجماهيري كان مبنياً على كراهية الجمهور للتشدّد الصحوي لا على الإيمان بطروحاتهم، في المقابل.. يُجادل البعض بأن هذه طبيعة المنصات الإعلامية الحديثة التي تقتات على الاستقطاب الثنائي، وبالتالي فإن العيب يعود لطبيعة الوسيط الإعلامي، وليس لجوهر المحتوى الفكري وحده.

س: ما طبيعة التحالف الاجتماعي الذي التفّ حول الشعارات الليبرالية؟

اجتماعياً: إن قطاعاً واسعاً من الجمهور الذي دعم الخطاب الليبرالي إبان سطوة الصحوة لم يكن مقتنعاً بالفلسفة الليبرالية كرؤية شاملة للحياة.. بل كان تحالفاً مرحلياً للتخلص من القيود الاجتماعية المفروضة وتوقاً للانفتاح، في المقابل يُنظر إلى هذا التحوّل من زاوية إيجابية باعتبار أن تحقق تلك المطالب على أرض الواقع يمثل نجاحاً عملياً للأفكار الليبرالية، وإن غاب المصطلح، فالغاية هي جودة الحياة والحرية الاجتماعية لا التمترس خلف المسميات.

المحور الثالث: الدولة كفاعل بديل يقود التغيير:

تجلّت المفارقة الكبرى في المشهد العربي، و«السعودي تحديداً» حين تولت «الدولة» مباشرة وبقرارات سيادية مركزية تنفيذ حزمة واسعة من الإصلاحات الاجتماعية والحقوقية، مثل تمكين المرأة والانفتاح الثقافي وتقليص نفوذ التشدّد، لقد أُنجزت هذه المطالب دون حاجة لوساطة فكرية من النخبة الليبرالية، ودون انتظار لتراكم مشروعهم الثقافي، هذا التحوّل وضع الليبرالي التقليدي في مأزق «الوظيفة المفقودة»، إذ تبنت المؤسسة الرسمية أدوار التحديث الإيجابي الفعلي، مما جعل النخبة الفكرية تظهر كمتفرج أو ملتحق بالركب، بدلاً من كونها فاعلة وصاحبة التأثير الأكبر في توجيه الرأي العام.

ومع ذلك.. قد يرى آخرون أن هذه الإصلاحات لم تكن لتنجح بالفاعلية نفسها لولا التراكم الفكري الذي سبقها، وأن الأفكار كثيراً ما تمهّد للطريق قبل أن تتحوّل إلى سياسات، غير أن الفارق الجوهري هنا أن القرار السيادي هو الذي نقل الفكرة من هامش المقال إلى أرض الأفعال، وأثبت أن التغيير الاجتماعي لا يكتمل بمجرد الخطاب، بل يحتاج إلى دولة تملك شجاعة الحسم، وقدرة التنفيذ، و«شرعية» تحويل الممكن النظري إلى واقع إيجابي برؤية الدولة.

المحور الرابع: مأزق المصطلح..وعلاقة الجيل الجديد:

يعاني مصطلح «الليبرالية» في الفضاء العربي من هشاشة بنيوية قديمة، فقد ارتبط في الأذهان كمنتج مستورد أكثر من كونه مفهوماً متجذراً في البيئة المحلية، وهو ما استغله خصومه لربطه بالانسلاخ القيمي، واليوم يبدو أن الجيل الجديد من الشباب يمارس بعضاً من الأنماط الليبرالية المتسقة مع رؤية الدولة كواقع مُعاش في تفاصيله اليومية، وخياراته الشخصية، لكنه يرفض تبني المصطلح كـ«هوية أيديولوجية» أو الانضواء تحت لواء نخبة يراها تنتمي لحقبة الصراعات الفكرية القديمة، بل تبناها كهوية وطنية واعية.

هنا تحديداً تتضح الأزمة في صورتها الأعمق: إنها «أزمة شكل لا أزمة جوهر»، فالذي يمر بمأزق حقيقي هو الاسم والنخبة والذاكرة الصراعية المرتبطة بالمصطلح، أما المنطقي والمتسق من المضامين التي كان الخطاب الليبرالي يدافع عنها فقد تحوّلت إلى ممارسة اجتماعية طبيعية، بلا لافتة أيديولوجية، وبلا حاجة إلى خطاب يعرّفها نيابة عن أصحابها، لقد بات المصطلح وسماً تاريخياً مثقلاً بالمعارك الفردية، ومجرداً من دلالته الفلسفية البنائية.

استحقاق اللحظة الراهنة:

إن نقد الحالة الليبرالية العربية اليوم ليس باباً من أبواب الشماتة، بل هو ضرورة منهجية لتشريح الواقع، لقد زال العذر التاريخي الذي تذرع به هذا التيار لعقود، وهو وجود الخصم المهيمن، وبات الليبراليون العرب أمام استحقاق حتمي ومصيري: إما الانتقال من ضفة «رد الفعل والتفاعل الإعلامي» إلى ضفة «الفعل والفكر المنهجي المستقل»، فذلك ليس اعترافاً بانكماش الدور، بل إعادة تعريفٍ له؛ لأن المجتمعات لا تحتاج في كل مرحلة إلى من يوجّه الرأي العام بالطريقة نفسها، بقدر حاجتها إلى من يؤصل منجزاتها، ويحولها من قرارات ناجحة إلى ثقافة مستقرة، لا بوصفه بديلاً عن الدولة، ولا منافساً لقرارها، بل بوصفه جهداً معرفياً يؤصل المكتسبات، ويحميها فكرياً، ويمنحها قدرة على الاستمرار بعد تبدل الأزمنة، والأشخاص، والمزاج العام.

فوظيفة الفكر ليست أن يزاحم «القرار السيادي» في موقعه، بل أن يشرح معناه، ويحرس منطقه، ويمنحه عمقاً يتجاوز لحظة التنفيذ، أما إذا بقي التيار الليبرالي أسير ذاكرته القديمة، ومعاركه المنتهية، ورموزه التي اعتادت أن تُعرّف نفسها بخصومها، فسيبقى الاسم مجرد أثر من حقبة تاريخية مضت، وانتهت بانتهاء المعركة التي أنتجته، وعندها لن يكون الليبرالي العربي هو من يعرّف نفسه، بل ستعرّفه الدولة بالفعل، وسيعرّفه الجيل الجديد بالممارسة، وسيبقى هو واقفاً على هامش المصطلح، يتأمل اسماً لم يعد قادراً على حمل معناه.

00:02 | 12-07-2026

ظلامية التنويريين

من أكثر مفارقات المشهد الثقافي العربي إثارةً للتأمل، أن بعض من يرفعون راية التنوير، يمارسون، من حيث لا يشعرون، أو ربما من حيث يشعرون، أكثر الأساليب ظلامية، وليس المقصود هنا كل من ينتمي إلى المدرسة التنويرية، أو يتبنى قيم العقل، أو الحرية، أو النقد، فالتنوير في أصله قيمة إنسانية نبيلة أسهمت في تحرير العقل، وتوسيع آفاق المعرفة، لكن الحديث هنا عن فئة حولت التنوير من منهجٍ للتفكير إلى أيديولوجيا للإقصاء، ومن مساحة للحوار إلى منصة لاحتكار الحقيقة.

فالظلامية ليست مرتبطة بمرجعية دينية، أو سياسية، أو فلسفية بعينها، وإنما هي حالة ذهنية تبدأ عندما يعتقد الإنسان أنه وحده يملك الحقيقة، وأن الآخرين لا يملكون إلا حق الاقتناع بها، وهي لا تُقاس بالشعارات، بل بطريقة التعامل مع المخالف، وبالقدرة على قبول التعدد، وبالاستعداد للاعتراف بإمكان الخطأ، ولهذا فإن الظلامية لا تبدأ حين يُطفأ الضوء، بل حين يدّعي أحدهم أنه وحده يملك مفتاحه.

ولذلك، فليس كل من يصف نفسه بالتنويري تنويرياً، كما أن ليس كل من ينتقد الخطاب التنويري عدواً للعقل، فالتنوير الحقيقي منهج، لا لقب، وسلوك، لا شعار.

المشكلة تبدأ حين يتحول التنوير من دعوة إلى التفكير إلى سلطة فكرية تحتكر تعريف العقل، وتوزع صكوك الحداثة، وتمنح شهادات التقدم، وتسحبها ممن يخالفها، عندها لا يعود الحديث عن تحرير الإنسان، بل عن استبدال وصايةٍ بوصاية، وكهنوتٍ بكهنوت.

ولهذا نلاحظ، أن بعض الأصوات التي تتحدث كثيراً عن الحرية، لا تمارسها إلا مع من يشبهها، أما المختلف معها، فتلاحقه بأوصاف جاهزة، كالتخلف، والرجعية، والظلامية، دون مناقشة حججه، وكأن المشكلة ليست في الفكرة، بل في مجرد وجود صاحبها.

ومن اللافت أيضاً، أن بعض هؤلاء يتحدثون عن التعددية، لكنهم لا يحتملون تعددية المرجعيات، يقبلون اختلاف المدارس الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، لكنهم يضيقون ذرعاً بأي حضور للدين في المجال العام، حتى لو جاء ضمن الأطر النظامية، وبالوسائل السلمية، وفي إطار حق المجتمع في التعبير عن هويته، وقيمه، وليس المقصود منح أي مرجعية حصانة من النقد، فكل فكرة قابلة للنقاش، لكن الخصوصية الحضارية يجب أن تُفهم قبل إصدار الأحكام عليها.

والأخطر من ذلك، أن بعض الخطابات التي تتدثر بمفردات التنوير تسعى إلى إعادة تشكيل الوعي وفق تصورات مستوردة، تتعامل مع الخصوصية الثقافية، والدينية بوصفها عائقاً، لا مكوناً حضارياً، والمشكلة ليست في الاستفادة من تجارب الآخرين، بل في استيراد حلول نشأت في سياقات تاريخية مختلفة، ثم إسقاطها على مجتمعات تختلف عنها في تاريخها، وبنيتها، ومنظومتها القيمية.

فالنسخة الأوروبية المتشددة من العلمانية جاءت نتيجة صراع تاريخي خاص، أما المجتمعات الإسلامية فلها سياق مختلف، ولذلك فإن نقل الحلول دون فهم طبيعة المشكلات ليس انفتاحاً، بل اختزال للتاريخ، وتحويل للفكر إلى قوالب جاهزة.

وفي السياق السياسي، يبرز نمط آخر يستحق التأمل، فبعض الخطابات التي تقدم نفسها بوصفها مشاريع إصلاح فكري، لا تنشغل بإنتاج المعرفة بقدر انشغالها بإضعاف الثقة بالموروث، والتشكيك المستمر في المؤسسات الدينية، والاجتماعية، وتصوير المجتمع وكأنه يعيش أزمة دائمة مع هويته، وهنا يصبح من المشروع التساؤل، هل الغاية هي الإصلاح الفكري فعلاً، أم إعادة تشكيل البيئة الثقافية وفق تصورات سياسية، وفلسفية تتجاوز مجرد النقاش المعرفي؟

وهذا السؤال لا يُطرح من باب التخوين، ولا من باب صناعة المؤامرات، بل لأن التاريخ يعلمنا أن الأفكار قد تتحول إلى أدوات لتحقيق أهداف سياسية، وثقافية، واجتماعية، ولذلك فإن أي خطاب، مهما كان عنوانه، يجب أن يخضع للنقد.

ومن المفارقات أيضاً، أن بعض من يهاجمون «تسييس الدين»، يمارسون في المقابل «تسييس الثقافة»، فيوظفون المفاهيم الفكرية لخدمة اصطفافات سياسية، ويوزعون أوصاف العقلانية، والتقدمية وفق الموقف السياسي، لا وفق قوة الحجة، كما يحاول بعضهم احتكار قراءة التاريخ، وكأن الرواية الصحيحة لا يملكها إلا فريق واحد.

والأشد غرابة، أن بعض من يطالبون بتحرير الإنسان من سلطة المؤسسات، يعيدون إخضاعه لسلطة أخرى أكثر قسوة، هي سلطة «الرأي المقبول»، فإذا خالفهم أحد، لم يُحاكم قانونياً، بل حُوكم اجتماعياً، عبر التشهير، والإقصاء، وحملات التخوين، وهكذا تنتقل الرقابة من المؤسسة إلى المنصة، بينما يبقى الاستبداد هو الاستبداد، مهما تبدلت أدواته.

ولا يمكن تجاهل أن بعض المنصات الإعلامية، والثقافية، رسخت معادلة توحي بأن التنوير لا يكون إلا بمخاصمة التراث، وأن الحداثة لا تتحقق إلا بإضعاف المرجعية الدينية، بينما تثبت التجارب الناجحة أن المجتمعات الأكثر استقراراً هي التي أحسنت الموازنة بين الأصالة، والتطوير، لا تلك التي أعلنت الحرب على هويتها.

والمجتمع السعودي يقدم اليوم مثالاً واضحاً على ذلك، فهو يعيش مشروعاً تنموياً واسعاً، وإصلاحات اقتصادية، واجتماعية، وتشريعية عميقة، دون أن يتخلى عن هويته، أو يدخل في خصومة مع دينه، وثقافته، وهذه التجربة تؤكد، أن التحديث لا يستلزم القطيعة، وأن التطور لا يعني الانسلاخ.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مشروع فكري هو أن يتحول إلى أيديولوجيا مغلقة، ترى نفسها وحدها ممثلة للعقل، وتعتبر كل مخالفة لها دليلاً على الجهل، أو سوء النية، فعند هذه اللحظة يسقط شعار التنوير، وتبدأ الظلامية، مهما كانت الأسماء براقة، ومهما كانت الشعارات لامعة.

فالتنوير الحقيقي لا يخاف من السؤال، ولا يحتكر الحقيقة، ولا يصادر المخالف، ولا يستبدل وصاية الأمس بوصاية جديدة، لأن العقل لا يحتاج إلى أوصياء، كما أن الحرية لا تتجزأ، والنقد لا يكون صادقاً إلا إذا شمل الجميع، دون انتقائية، ودون حصانات فكرية.

ليست الظلامية إذن ديناً، ولا مذهباً، ولا تياراً سياسياً، بل عقلٌ لا يحتمل شريكاً في الحقيقة، مهما كان الشعار الذي يرفعه، ومهما كان الضوء الذي يدّعي أنه جاء ليحمله.

00:03 | 5-07-2026

سعوديون ولو كَرِهَ الكارهون..

في عالمٍ تتغير فيه التحالفات بسرعة، وتتبدل فيه المصالح بين ليلة و ضحاها، وتُصنع فيه الأزمات أحياناً أكثر مما تُصنع الحلول، تقف المملكة العربية السعودية أمام جملة من التحديات السياسية التي لا يمكن لعاقل أن ينكر وجودها، لكنها في الوقت ذاته تقف أمامها بثقة دولة تعرف نفسها جيداً، وتعرف وزنها الحقيقي، وتدرك أن مكانتها لم تأتِ من فراغ، ولا من ظرف عابر، ولا من دعم مؤقت، بل من تاريخ طويل من البناء، والقيادة، والحكمة، والثبات.

السعودية اليوم ليست مجرد دولة إقليمية مؤثرة، بل أصبحت رقماً صعباً في المعادلات الدولية الكبرى، وكلما ارتفع شأن دولة ارتفع معها حجم الاستهداف، فهذه سنة السياسة منذ فجر التاريخ، إذ لا تُحارب الدول الضعيفة، لأنها ببساطة لا تستحق العناء، بينما تُستهدف الدول الصاعدة لأنها تغيّر الموازين، وتعيد توزيع النفوذ، وتفرض واقعاً جديداً لا يروق لكثيرين.

من أبرز التحديات التي تواجه المملكة اليوم الحملات الإعلامية المنظمة التي تُدار من منصات مختلفة وبلغات متعددة، بهدف التشكيك في نجاحاتها أو التقليل من إنجازاتها أو تشويه صورتها أمام العالم، والحقيقة أن هذه الحملات لم تعد تستهدف السياسات السعودية فحسب، بل أصبحت تستهدف الهوية الوطنية ذاتها، لأنها تدرك أن قوة المملكة الحقيقية لا تكمن فقط في اقتصادها أو جيشها أو نفوذها السياسي، بل في تلاحم شعبها مع قيادتها، وفي إيمان السعوديين بمشروع دولتهم.

ومن التحديات كذلك محاولات بعض القوى الإقليمية استثمار الاضطرابات المحيطة بالمنطقة لتحقيق مكاسب سياسية على حساب استقرار الدول العربية، وهنا تبرز السعودية كدولة تدفع دائماً نحو التهدئة والحلول السياسية والحفاظ على مؤسسات الدول، بينما يراهن آخرون على الفوضى والانقسام والمليشيات والحروب بالوكالة، لذلك لم يكن غريباً أن تتحول المملكة إلى هدف دائم لمن يتضرر من مشاريع الاستقرار.

كما تواجه المملكة تحدياً آخر يتمثل في سرعة التحولات الدولية، فالعالم يعيش مرحلة إعادة تشكيل واسعة لمراكز القوة الاقتصادية والسياسية، وهذا يتطلب يقظة دائمة ومرونة استراتيجية عالية، وهو ما أثبتته القيادة السعودية من خلال قدرتها على بناء علاقات متوازنة مع الشرق والغرب دون التفريط بالسيادة الوطنية أو الارتهان لأي محور دولي، وهذه معادلة ليست سهلة كما يتصور البعض.

ولعل من أخطر التحديات أيضاً محاولات اختراق الوعي الوطني عبر الفضاء الرقمي، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لحروب التأثير، ونشر الشائعات، وصناعة الانقسامات، وبث الإحباط، والتشكيك بكل إنجاز، وتصوير كل نجاح على أنه فشل، وكل تقدم على أنه مؤامرة، وكل قرار سيادي على أنه أزمة، وهنا لا تصبح المواجهة أمنية أو إعلامية فقط، بل تصبح مسؤولية مجتمعية ووطنية مشتركة.

لكن ما يغفل عنه خصوم المملكة، أن السعودي اليوم ليس هو سعودي الأمس، فقد أصبح أكثر وعياً، وأكثر إدراكاً لطبيعة ما يدور حوله، وأكثر قدرة على التمييز بين النقد الموضوعي والاستهداف المغرض، وأكثر فهماً لحجم التحولات التي تعيشها بلاده، لذلك تفشل كثير من محاولات التشويش قبل أن تبدأ.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه السعودية في الحقيقة ليس ما يأتيها من الخارج، بل أن تحافظ على وتيرة نجاحها المتسارعة، لأن الدول العظيمة لا تقاس بما حققته بالأمس، بل بما ستنجزه غداً، ولهذا تستمر المملكة في تطوير اقتصادها، وتنويع مصادر دخلها، وبناء الإنسان السعودي، وتعزيز حضورها الدولي، والاستثمار في المستقبل بثقة دولة تعرف أن الزمن يعمل لصالحها لا ضدها.

وإذا كان البعض ينزعج من صعود السعودية، فذلك شأنه، وإذا كان البعض يحاول إنكار مكانتها، فذلك حقه، وإذا كان البعض يراهن على تعثرها، فهذه مشكلته لا مشكلة السعوديين، لأن الوقائع على الأرض لا تُهزم بالشعارات، والإنجازات لا تُلغى بالحسد، والدول الكبرى لا تتوقف عند ضجيج العابرين.

سيبقى السعوديون، كما كانوا دائماً، السند الأول لدولتهم، والحصن المنيع لوحدتها، والظهير الصادق لقيادتها، لأن العلاقة بين الدولة وشعبها في المملكة ليست علاقة مصالح مؤقتة، بل علاقة تاريخ وهوية ومصير مشترك.

ولهذا كله نقولها بثقة لا تعرف التردد، وباعتزاز لا يحتاج إلى شهادة أحد، وبقناعة رسختها الوقائع قبل الكلمات:

سعوديون ولو كَرِهَ الكارهون.

00:02 | 28-06-2026

ثقافة الشحروريين

لا يمكن فهم ظاهرة محمد شحرور من خلال قراءة كتبه أو متابعة أطروحاته فقط، بل من خلال دراسة الثقافة التي نشأت حوله، تلك الثقافة التي أنتجت جيلاً من المدافعين عنه أكثر تشدداً في شحروريتهم من محمد شحرور نفسه.

ففي كثير من الأحيان تموت الفكرة ويبقى أتباعها، ويصبح التابع أكثر تطرفاً من المتبوع، وأكثر حماسة للدفاع عن أطروحاته من صاحب الأطروحة ذاتها، وهذه الظاهرة ليست جديدة في التاريخ الفكري، لكنها تتجلى بوضوح في الحالة الشحرورية المعاصرة.

إن ما يمكن تسميته بـ«ثقافة الشحروريين» لا يتمثّل فقط في تبني بعض الآراء الفقهية أو التفسيرات القرآنية التي طرحها محمد شحرور، بل في تبني منهج كامل في النظر إلى الدين والتراث والنصوص الشرعية، وهو منهج يقوم على افتراض ضمني مفاده أن الأمة الإسلامية طوال قرونها المتعاقبة كانت عاجزة عن فهم دينها الفهم الصحيح، حتى جاء شحرور ليكتشف ما غاب عن الصحابة والتابعين والأئمة والمفسرين والفقهاء عبر التاريخ. وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية.

فالثقافة الشحرورية لا تنظر إلى التراث الإسلامي بوصفه جهداً بشرياً قابلاً للنقد والمراجعة فحسب، بل تتعامل معه في كثير من الأحيان باعتباره عبئاً يجب التخلص منه، وعائقاً يمنع الوصول إلى فهم جديد للدين يتوافق مع القيم الفكرية السائدة في العصر الحديث.

ومن هنا نشأ الصدام الدائم بين الشحروريين ومفهوم المرجعية العلمية في الإسلام.

فالمدارس الإسلامية المختلفة عبر التاريخ كانت تختلف في الفروع، لكنها كانت تتفق على أصول المنهج، من الاحتجاج بالقرآن الكريم، والاحتجاج بالسنة النبوية، والاعتداد بفهم الصحابة، واحترام الإجماع، والاستفادة من تراكم الخبرة العلمية للأمة.

أما الثقافة الشحرورية، فتتعامل مع هذه المنظومة كلها بوصفها قابلة للتجاوز متى تعارضت مع القراءة الجديدة التي يقترحها صاحب الفكرة.

ولهذا لم يكن غريباً أن يتحول الجدل عند بعض الشحروريين من نقاش علمي إلى حالة من التمرد الدائم على كل ما هو مستقر في الوعي الإسلامي، فالسنّة النبوية تصبح موضع تشكيك، والإجماع يصبح مجرد رأي تاريخي، وفهم السلف يصبح مرحلة زمنية تجاوزها الواقع، والأحكام الشرعية المستقرة تصبح قابلة لإعادة الصياغة كلما تغيرت الظروف الاجتماعية أو القيم الثقافية السائدة.

وهنا يظهر السؤال الجوهري:

إذا كانت معايير فهم النص تتغيّر كلما تغيّر العصر، فما الذي يبقى ثابتاً من الدين؟

إن المشكلة في هذا التصور أنه ينقل مركز الثقل من النص إلى الإنسان، ومن الوحي إلى الواقع، ومن المرجعية الشرعية إلى المرجعية الثقافية.

فتصبح القيم السائدة بين الناس هي التي تحدّد معنى النص، بدلاً من أن يكون النص هو الذي يصحح القيم ويقوّم الانحرافات البشرية.

ولهذا يرى كثير من منتقدي الفكر الشحروري أن الخطر لا يكمن في نتيجة معينة توصل إليها شحرور، بل في المنهج الذي قاده إلى تلك النتائج.

فالنتائج قد تختلف من شخص إلى آخر، أما المنهج إذا فُتح بلا ضوابط فإنه يفتح الباب أمام عدد لا نهائي من التأويلات المتناقضة.

وعندما تصبح النصوص الدينية قابلة لإعادة التفسير وفق الرغبات الفكرية السائدة، يتحوّل الدين من مرجعية حاكمة إلى مادة قابلة لإعادة التشكيل المستمر.

ومن الملامح اللافتة في ثقافة الشحروريين أيضاً حالة التعالي المعرفي التي تظهر أحياناً في خطاب بعضهم. فمن يخالفهم يُتهم بالجمود، ومن يتمسك بالتراث يُوصف بأنه أسير الماضي، ومن يدافع عن فهم السلف يُصنف بوصفه عدواً للتجديد. وكأن الساحة الفكرية لا تحتمل إلا خيارين لا ثالث لهما: إما القبول بالمشروع الشحروري، أو الانتماء إلى معسكر التخلّف.

وهذه الثنائية المصطنعة لا تساعد على إنتاج حوار علمي حقيقي، بل تؤدي إلى مزيد من الاستقطاب الفكري.

واللافت أيضاً أن كثيراً من الشحروريين يرفعون شعار تحرير العقل، لكنهم يمارسون نوعاً آخر من الوصاية الفكرية، إذ يتحول شحرور نفسه إلى مرجعية شبه مقدسة لا يجوز الاقتراب منها أو نقدها.

فتجد من يرفض سلطة الفقهاء جميعاً، لكنه يقبل سلطة شحرور دون تردد.

ويرفض الاحتجاج بأقوال العلماء المتخصصين، لكنه يتعامل مع اجتهادات شحرور باعتبارها اكتشافات فكرية لا تقبل المراجعة.

وهنا تتحوّل الدعوة إلى التحرر من التقليد إلى شكل جديد من أشكال التقليد.

إن التجديد الحقيقي في الإسلام لا يعني هدم الأصول، ولا القطيعة مع التراث، ولا تحويل النصوص إلى مادة مرنة تتشكل وفق متغيرات العصر.

التجديد الحقيقي هو إحياء المعاني الصحيحة، وتنزيل الأحكام على الوقائع الجديدة، والاستفادة من أدوات العصر دون المساس بالثوابت التي قام عليها الدين.

أما تحويل القرآن إلى نص تابع للثقافة السائدة، وجعل الواقع حكماً على الوحي بدلاً من أن يكون الوحي حكماً على الواقع، فذلك ليس تجديداً، بل إعادة تشكيل للدين وفق معايير بشرية متغيرة.

كما أن الملاحَظ في الخطاب الشحروري أن كثيراً من الأسئلة تُطرح باعتبارها دليلاً على العمق الفكري، بينما لا يُمنح التراث الإسلامي فرصة عادلة للإجابة عنها، فيُقدَّم السؤال وكأنه حجة قائمة بذاتها، ثم يُصوَّر الجواب التراثي على أنه عجز أو هروب، بينما تُقدَّم إجابات شحرور باعتبارها الاكتشاف الوحيد الممكن، وهكذا تتحوّل ثقافة التساؤل من أداة بحث عن الحقيقة إلى أداة تشكيك في كل ما هو مستقر.

ولعل أخطر ما في الثقافة الشحرورية أنها لا تكتفي بمراجعة الاجتهادات البشرية، بل تنتهي عملياً إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والوحي، فبدلاً من أن يكون القرآن مرجعاً يوجّه الإنسان، يصبح الإنسان هو المرجع الذي يعيد توجيه فهم القرآن بحسب ما يراه مناسباً لزمانه وقيمه وظروفه.

وعند هذه النقطة يصبح الخلاف أعمق من مجرد اختلاف فقهي أو اجتهاد فكري؛ لأنه يتحوّل إلى خلاف حول مصدر المرجعية نفسه: هل المرجعية النهائية للنص أم للواقع؟ هل يُقاس الواقع بالوحي أم يُعاد تفسير الوحي وفق الواقع؟

ولهذا فإن قضية الشحرورية ليست قضية خلاف مع شخص بعينه، بل هي خلاف مع منهج يرى منتقدوه أنه يفتح الباب أمام تسييل الثوابت، وإضعاف المرجعيات العلمية، وإعادة إنتاج الإسلام بصورة مختلفة عن الصورة التي عرفتها الأمة عبر تاريخها.

ومن هنا، فإن الحديث عن ثقافة الشحروريين هو في جوهره حديث عن صراع بين منهجين: منهج يجعل النص الشرعي مرجعاً لتقويم الواقع، ومنهج يجعل الواقع مرجعاً لإعادة تفسير النص، وبين هذين المنهجين تتحدد طبيعة المعركة الفكرية التي ما زالت مستمرة حتى اليوم.

00:00 | 21-06-2026

من النقيض إلى النقيض: سيكولوجية الانقلابات الفكرية في عصر الهويات الرقمية

شهدت الساحة الفكرية والرقمية في منطقة الخليج العربي على مدار العقدين الماضيين بروز نمط من الشخصيات الإشكالية التي تخوض رحلة انتقال راديكالية من أقصى التديّن المتشدد إلى أقصى الخطاب التنويري أو العِلماني الحاد، متخذة من منصات التواصل الاجتماعي ساحة لمعركتها الوجودية و الفكرية.

إن الفهم العميق لهذه التحولات يتطلب تفكيكاً يتجاوز السطح السياسي، لينفذ إلى البنية السيكولوجية والاجتماعية التي تصنع هذا «الانقلاب الفكري».

أولاً: وهم الانتقال .. تغير المضمون وثبات البنية العقلية:

عند تحليل هذا الانقلاب، يبرز خطأ شائع يتجلى في استخدام الثنائية السياسية الغربية «يمين / يسار». في الواقع المحلي، لا يحدث التحول بين قطبين سياسيين، بل هو تحول في «طبيعة التديّن» و«المرجعية الأخلاقية». الانتقال الحقيقي هو من «اليقين المطلق الديني» إلى «اليقين المطلق اللا ديني».

من الناحية السيكولوجية، ينتمي الموقفان إلى عقلية واحدة هي عقلية امتلاك الحقيقة المطلقة. فالشخص هنا لا يغير طريقة تفكيره، بل ينقل تطرفه وحدته من وعاء إلى آخر. فيظل الخطاب التنويري الجديد محكوماً بالآليات الإقصائية نفسها التي كان يمارسها في ماضيه المتشدد، حيث أضحى هدم «الكتب الصفراء» بديلاً عن تكفير المخالفين، مع الإبقاء على الحدة المعرفية ذاتها.

إن ما يتغير في كثير من الأحيان هو المحتوى، أما البنية العقلية فتبقى على حالها، ولهذا يبدو الانتقال أحياناً أقرب إلى إعادة تموضع نفسي منه إلى مراجعة فكرية حقيقية.

ثانياً: صدمة الواقع والهروب من أزمة المعنى:

لا يعود هذا الارتداد المفاجئ إلى مراجعات معرفية هادئة، بل هو نتاج «صدمة واقعية» تخلخل المسلمات. فعندما تصطدم الأيديولوجيا المشحونة بالعواطف ببشاعة الأحداث الكبرى والمآسي الإنسانية، مثل الحروب والصراعات، يعجز الفكر التقليدي عن تفسير حجم العنف أو استيعاب التناقضات التي يراها الفرد أمامه.

هنا لا تتولد أزمة معرفة فحسب، بل تتشكل أزمة معنى وفراغ وجودي. يفقد الفرد ثقته في قدرة فكره القديم على منح الحياة معنى متماسكاً، فيصبح الانقلاب الحاد بمثابة آلية دفاع نفسية، ومحاولة يائسة لاستعادة الشعور بالقدرة على الفهم والتفسير عبر التماهي الكامل مع الخطاب النقيض.

ولأن الإنسان بطبيعته لا يحتمل الفراغ طويلاً، فإنه يسارع إلى استبدال يقين بيقين آخر، حتى لو لم يمنح نفسه الوقت الكافي لاختبار الأسئلة التي دفعته إلى هذا التحول أصلاً.

ثالثاً: خوارزمية «X» كمختبر لصناعة الهوية المتطرفة:

إن منصات التواصل الاجتماعي، وتحديداً منصة «X»، لا تمثل مجرد ناقل للأفكار، بل هي مُعيد تشكيل لبنية الوعي نفسها. فالخوارزمية الرقمية بطبيعتها تكافئ القطعية، والإيجاز الصادم، والبلاغة الخطابية الحادة، بينما تعاقب التوازن، والمراجعة الذاتية، والشك المنهجي الهادئ.

هذا المناخ يحول «المثقف الرقمي» إلى أسير لخوارزمية تطلب منه ضخ المزيد من التطرف لضمان البقاء والانتشار. وبالتالي يصبح مسار النقد المتوازن شبه مستحيل داخل هذه الفضاءات التي تعيش على الاستقطاب.

ومع مرور الوقت، لا يعود الفرد يعبر عن قناعاته فقط، بل يبدأ تدريجياً في إعادة تشكيل قناعاته بما يتناسب مع ما تكافئه المنصة. وهنا تتحول الخوارزمية من أداة تقنية إلى فاعل خفي يشارك في صناعة الهوية وتشكيل الاتجاهات الفكرية.

رابعاً: الهجرة الاجتماعية والبحث عن «قبيلة بديلة»:

يمتد هذا التحول إلى بعد سوسيولوجي عميق. فالشخص الذي يمر بهذا الانقلاب الحاد يخسر بالضرورة «قبيلته» الفكرية والاجتماعية الأولى، التي كانت تمنحه الدعم والاعتراف والشعور بالانتماء.

لذلك لا يعود خطاب الهجوم الشرس على الماضي محاولة لإقناع الطرف الآخر، بل يصبح «طقس مرور» وعرض هوية يقدمه لنظرائه الجدد.

إن المبالغة في مهاجمة الفكر التقليدي تمثل في كثير من الأحيان صك الولاء الذي يقدمه الفرد ليتم قبوله داخل «القبيلة البديلة».

ولهذا يفسر غياب الرغبة في الحوار الحقيقي، مقابل الحضور الطاغي للرغبة في الاستعراض الهوياتي وتأكيد الانتماء الجديد.

فالمعركة هنا لا تكون دائماً مع الأفكار القديمة، بقدر ما تكون مع الحاجة النفسية إلى إثبات المكان داخل الجماعة الجديدة.

خامساً: مأزق التنوير الانتقائي وغياب النموذج العملي:

تتجلى الهشاشة المعرفية لهذا الخطاب في تبنيه للتنوير والعلمانية كشعارات هوياتية مستوردة، بدلاً من كونهما ممارسة عملية معقدة ومليئة بالتسويات والتحديات.

يقع هذا الخطاب في فخ «التطرف المضاد» عندما يرفض التراث ككتلة واحدة مصمتة دون تفكيك سياقي، أو عندما يتعامل مع الموروث باعتباره مشكلة واحدة ذات حل واحد.

والمكمن الحقيقي لفشل هذا التنوير الانتقائي هو العجز عن تقديم البديل العملي القابل للعيش.

كيف سيبني هذا الخطاب مجتمعاً متماسكاً؟

ما مصدر القيم والأخلاق العامة في منظومته؟

كيف يواجه أسئلة الإنسان الأزلية حول الموت والمعنى والغاية؟

إن غياب الأجوبة العملية يحوّل التنوير المدّعى من مشروع نهوض معرفي إلى مجرد أداة لتصفية الحسابات النفسية مع الماضي، دون القدرة على بناء مستقبل فكري أو اجتماعي متماسك.

خلاصة التشريح: الارتداد الفكري كإنذار مبكر:

إن ظواهر الانقلاب الحاد من النقيض إلى النقيض، دون المرور بالمساحة الرمادية من الشك المتواضع والتردد المعرفي، تمثل إنذاراً مبكراً يكشف فشل كثير من المؤسسات الوسيطة، كالتعليم والأسرة والإعلام الجاد، في إنتاج أفراد قادرين على إدارة التعقيد والتعايش مع الأسئلة المفتوحة.

فالحل طويل المدى لا يكمن في مجابهة هؤلاء الأفراد داخل فضاء رقمي يقوم على الاستقطاب والإثارة، بل في إرساء نظم تربوية ومعرفية تنتج إنساناً متصالحاً مع فكرة ألا يكون متأكداً تماماً.

إن الهشاشة الفكرية ليست دائماً علامة ضعف، كما أن الشك ليس دائماً علامة ضياع. ففي كثير من الأحيان يكون الشك بداية الحكمة، وتكون القدرة على مراجعة الذات أكثر قيمة من القدرة على الانتصار في الجدل.

ولعل النضج الحقيقي لا يكمن في امتلاك الإجابات النهائية، بل في القدرة على إدارة التساؤلات الكبرى دون الهروب منها، وفي إدراك أن الحقيقة أوسع من أن يحتكرها فرد، وأعقد من أن تختزلها أيديولوجيا، وأعمق من أن تحتويها منصة رقمية واحدة.

00:14 | 14-06-2026

الطابور الخامس لم يعد يحتاج إلى عملاء

لسنوات طويلة ارتبط مفهوم الطابور الخامس بصورة العميل السري الذي يعمل لصالح خصم خارجي، وينقل المعلومات، ويبحث عن الثغرات، ويتحرك في الظل بعيداً عن الأنظار. كانت الصورة واضحة، وكان العدو معروفاً، وكانت المهمة الأساسية لذلك العميل هي الوصول إلى ما لا يجب أن يصل إليه. لكن هذه الصورة تنتمي إلى زمن مختلف. فالتحدي الأخطر الذي تواجهه المجتمعات اليوم لا يأتي دائماً من شخص جُنّد للعمل ضدها، بل قد يأتي من مواطن طبيعي يعتقد أنه يمارس حقه في التعبير، أو يؤدي واجباً وطنياً، أو يكشف حقيقة غائبة، بينما يساهم في الوقت نفسه، دون أن يشعر، في نشر الرسالة ذاتها التي كان الطابور الخامس التقليدي يحتاج سنوات طويلة لإيصالها.

لقد تغيرت طبيعة الصراع، في القرن الماضي كانت المعركة تدور حول المعلومة، أما اليوم فهي تدور حول تفسير المعلومة.

لم تعد القيمة الحقيقية في امتلاك الخبر، بل في القدرة على توجيه فهمه، وصياغة الرواية التي تحيط به، وتحديد الزاوية التي ينظر منها الناس إليه.

ولهذا انتقلت كثير من معارك التأثير من غرف العمليات المغلقة إلى المنصات الرقمية المفتوحة، حيث تُصنع الانطباعات اليومية، وتتشكل القناعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتتكون الصور الذهنية عن الدول والمجتمعات والمؤسسات.

في هذا العالم الجديد، لم يعد الطابور الخامس بحاجة إلى اختراق أنظمة الدولة بقدر حاجته إلى اختراق طريقة تفكير المجتمع.

ولعل أخطر ما في هذا التحول أنه لا يعتمد غالباً على الكذب الصريح.. فالكذب يمكن اكتشافه ومواجهته، أما إعادة ترتيب الحقائق فهي أكثر تعقيداً، يمكن للخبر أن يكون صحيحاً، ويمكن للرقم أن يكون دقيقاً، ويمكن للواقعة أن تكون حقيقية، لكن المشكلة تكمن في كيفية تقديمها، وفي حجم التركيز عليها، وفي السياق الذي توضع فيه.

فقد يتحول إنجاز كبير إلى خبر عابر، بينما تتصدر ملاحظة هامشية واجهة النقاش لأيام، وقد يُختزل مشروع ضخم في خطأ محدود، أو يُقاس نجاح مسار كامل باستثناء فردي لا يمثل القاعدة. هنا لا يجري تزوير الواقع، بل إعادة هندسته ذهنياً حتى يرى الناس الجزء ويغيب عنهم الكل.

ولهذا لم يعد السؤال الأهم: هل المعلومة صحيحة أم خاطئة؟

السؤال الأكثر أهمية أصبح: لماذا تُعرض هذه المعلومة بهذه الطريقة تحديداً؟

هذه هي المنطقة التي تعمل فيها أدوات التأثير الحديثة، ومن يتابع المشهد الرقمي يلاحظ أن كثيراً من الرسائل المؤثرة لا تنتشر بسبب قوتها الفكرية، بل بسبب قدرتها على إثارة المشاعر. فالخوارزميات لا تكافئ بالضرورة المحتوى الأكثر دقة، بل المحتوى الأكثر تفاعلاً. والغضب يتفاعل أكثر من الهدوء، والخوف ينتشر أسرع من الطمأنينة، والصدمة تحصد اهتماماً أكبر من التحليل المتزن.

ومن هنا نشأت ظاهرة يمكن تسميتها «اقتصاد التشاؤم».

ففي البيئة الرقمية الحالية أصبح التشاؤم مادة جاذبة، وأصبح الإحباط منتجاً قابلاً للتداول، وأصبحت المبالغة في تصوير الأزمات أكثر قدرة على الانتشار من القراءة المتوازنة للواقع.. وكلما ارتفع مستوى القلق، ارتفع معه مستوى التفاعل، وكلما ارتفع التفاعل، زادت فرص ظهور المحتوى وانتشاره.

وهنا تبدأ المفارقة.. فكثير من الأشخاص الذين يساهمون في نشر هذه الرسائل لا يعملون لحساب جهة ما، ولا ينتمون إلى مشروع منظم، بل قد يكونون مقتنعين تماماً أنهم يؤدون دوراً إيجابياً. لكن النتيجة النهائية لا تُقاس بالنوايا، بل بالأثر.

ولهذا فإن الطابور الخامس الحديث لا يحتاج دائماً إلى تجنيد أفراد كما كان يحدث في الماضي. يكفي أحياناً أن تُصنع رواية جذابة، ثم يتولى آلاف الأشخاص إعادة نشرها، والدفاع عنها، وتوسيع انتشارها، حتى تتحول إلى حقيقة متداولة بصرف النظر عن دقتها أو اكتمالها.

وتزداد هذه الظاهرة وضوحاً في المنصات الصوتية، حيث تمنح نبرة المتحدث إحساساً فورياً بالمصداقية. فالصوت قادر على خلق علاقة عاطفية سريعة بين المتحدث والمستمع، وقد ينجح في تجاوز أسئلة عقلية كثيرة كان القارئ سيتوقف عندها لو قرأ الفكرة مكتوبة.

كما ساهمت هذه البيئة في بروز ما يمكن تسميته «خبير المقهى الرقمي»؛ وهو الشخص الذي يتحدث بثقة مطلقة في أعقد الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، دون أن يقدم مصدراً موثوقاً أو بيانات قابلة للتحقق. والخطورة هنا لا تكمن في وجود الرأي، فالرأي حق مشروع، بل في تحويل الانطباعات الشخصية إلى حقائق عامة، وتحويل الثقة بالنفس إلى بديل عن المعرفة.

ومع ذلك فإن الخلط بين التخريب والاختلاف يبقى خطأً كبيراً. فالمجتمعات الواثقة لا تخاف من النقد، والدول القوية لا تبني استقرارها على الصمت. الاختلاف جزء من الحيوية الطبيعية لأي مجتمع، والنقد الموضوعي ضرورة للتصحيح والتطوير.

لكن الفارق يظهر عندما يتحول النقد إلى مشروع دائم لإنتاج الإحباط، وعندما يصبح التشكيك غاية مستقلة لا وسيلة للوصول إلى الحقيقة، وعندما يُختزل الواقع كله في سلبياته فقط، وكأن النجاح استثناء نادر والفشل هو القاعدة الثابتة.

إن أخطر ما يمكن أن تخسره المجتمعات ليس معلومة، بل الثقة. فالثقة هي الرصيد الذي يسمح للمجتمعات بالاستمرار، ويسمح للمؤسسات بالعمل، ويسمح للناس بالنظر إلى المستقبل بوصفه فرصة لا تهديداً دائماً.

ولهذا فإن مواجهة الطابور الخامس الرقمي لا تكون بالصراخ المضاد، ولا بتحويل المنصات إلى ساحات تخوين، ولا بإطلاق الأحكام على كل رأي مختلف. المواجهة الحقيقية تبدأ ببناء وعي نقدي قادر على التمييز بين الخبر وتفسيره، وبين الحقيقة والانطباع عنها، وبين النقد الذي يسعى إلى البناء والنقد الذي لا يعيش إلا على هدم الثقة.

لقد تغيّر الطابور الخامس كثيراً منذ ظهوره قبل نحو قرن. لم يعد يختبئ خلف الأبواب المغلقة، ولم يعد يحتاج بالضرورة إلى عميل سري أو شبكة تجسس تقليدية.

في كثير من الأحيان يكفي أن ينجح في إقناع الناس بأن لا شيء يستحق الثقة، وأن كل نجاح وهم، وأن كل مؤسسة موضع شبهة، وأن المستقبل مجرد نسخة أكبر من المخاوف الحالية.

00:02 | 7-06-2026

منكرو السنّة.. حين يلتقي التفكيك الديني مع الأجندة السياسية

من الخطأ اختزال ظاهرة إنكار السنّة النبوية في كونها مجرد خلاف فقهي أو نقاش أكاديمي حول مصادر التشريع، فالقضية في جوهرها أكبر من ذلك بكثير، لأنها تمس البنية التي حفظت الإسلام عبر القرون، وتفتح الباب أمام إعادة تعريف الدين وفق أهواء الأفراد ومتطلبات اللحظة السياسية.

منكر السنّة لا يهاجم القرآن، بل يبدأ من نقطة أكثر حساسية، يتحدث عن الاكتفاء بالقرآن، ثم ينتهي عملياً إلى إسقاط المصدر الذي يشرح القرآن ويبيّن أحكامه ويحول نصوصه إلى واقع معاش، وبهذا يصبح الدين قابلاً لإعادة الصياغة وفق قراءات شخصية لا ضابط لها ولا مرجعية تحكمها.

ولهذا لم يكن مستغرباً أن تجد هذه الفكرة قبولاً لدى بعض المشاريع الفكرية والسياسية المعادية للعالم الإسلامي، فحين تُنزع السنّة من مكانتها، يُصبح من السهل تفكيك المنظومة التشريعية والأخلاقية والحضارية التي تشكّلت عبر أربعة عشر قرناً، وعندما يفقد المجتمع مرجعيته الجامعة، يتحوّل إلى جماعات متفرقة، لكل منها تفسيرها الخاص للدين وقراءتها الخاصة للنصوص.

إن أخطر ما في الفكرة ليس ما تقوله، بل ما تؤدي إليه، فهي لا تكتفي بإسقاط كتب الحديث، بل تسقط معها تراكمات علمية هائلة، وجهود آلاف العلماء، ومنظومة معرفية كاملة قامت على التمحيص والنقد والتدقيق، وهي بذلك تنقل المسلم من مرجعية الأمة إلى مرجعية الفرد، ومن العلم المتراكم إلى الرأي الشخصي.

وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئاً، فهو أن استهداف الأمم يبدأ غالباً باستهداف مراجعها الكبرى، وليس من قبيل المصادفة أن تكون السنّة النبوية هدفاً دائماً للتيارات التي تسعى إلى إعادة تشكيل الوعي الإسلامي، لأن إسقاط السنة لا يعني إسقاط مصدر تشريعي فحسب، بل يعني إضعاف الرابط الذي وحّد فهم المسلمين لدينهم عبر العصور.

ولعل المفارقة الأبرز أن كثيراً من منكري السنّة يعتقدون أنهم يحررون الإسلام من التراث، بينما النتيجة العملية التي يصلون إليها هي تحرير كل إنسان من أي مرجعية سوى نفسه، وعندما تصبح الذات هي المرجع الأعلى، لا يبقى دين واحد، بل أديان بعدد القراءات والأهواء.

وهنا تتجاوز المسألة حدود الجدل الديني إلى أبعاد سياسية وحضارية أوسع، فالمجتمعات التي تفقد مراجعها المشتركة تصبح أكثر قابلية للاختراق الفكري والاستقطاب والتفكك، ولهذا تجد بعض المنهجيات المعادية للإسلام وللعالم الإسلامي مصلحة مباشرة في انتشار هذه الأطروحات، لأنها تساهم في إضعاف البنية الفكرية التي شكّلت هوية المسلمين وحافظت على تماسكهم عبر القرون.

لهذا فإن قضية السنّة ليست قضية تاريخية، وليست سجالاً بين المحدثين وخصومهم، بل قضية تتعلق بمستقبل الفهم الإسلامي نفسه، فالأمم لا تُهزم فقط بالجيوش والاقتصاد، بل قد تُهزم أيضاً عندما تُفكك مراجعها الفكرية من الداخل، ويُزرع الشك في المصادر التي حفظت هويتها ووحدتها واستقرارها المعرفي عبر الأجيال.

ومن هنا تبدو خطورة إنكار السنّة مضاعفة، فهو من جهة يطعن في أحد أهم مصادر التشريع الإسلامي، ومن جهة أخرى يقدم خدمة مجانية لكل مشروع سياسي أو فكري يسعى إلى إضعاف المرجعيات الجامعة، وتفكيك البنية الثقافية والحضارية للأمة الإسلامية، تحت شعارات تبدو براقة في ظاهرها، لكنها في نتائجها تقود إلى فراغ فكري لا يخدم إلا خصوم هذه الأمة ومشاريعها الكبرى.

00:17 | 31-05-2026