ديربي العاصمة لم يكن مجرد مباراة تنتهي بنتيجة، بل كان اختباراً مفتوحاً لثقافة كروية تتغير بسرعة، ولطريقة تفكير جديدة في إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع المنعطفات الكبيرة. في هذا النوع من المباريات لا تكفي الحماسة ولا تكفي السمعة ولا تكفي أسماء النجوم؛ لأن الديربي بطبيعته لا يمنحك شيئاً مجاناً، بل يجبرك على أن تكون يقظاً أمام كل لحظة يمكن أن تقلب المشهد من الصفر إلى اتجاه آخر.
نقطة التحول الأوضح كانت طرد نواف العقيدي، هذه ليست لقطة عابرة في دفتر مباراة، بل لحظة تعيد توزيع أدوار المباراة كلها. عندما يفقد فريق حارسه في ديربي، فأنت لا تخسر لاعباً فحسب، بل تخسر توازن الفريق النفسي والعددي، وتخسر تركيبة الخطوط وتضطر لاستبدال لاعب بحارس، معها تفقد الجرأة في التقدم، والثقة في النفس؛ لأن أي كرة تصبح محسوبة، وأي اندفاع يصبح مخاطرة. هنا يبدأ الديربي في التحول من مباراة مفتوحة إلى مباراة تحت ضغط القرار، وتحت ضغط التوقيت، وتحت ضغط عقلية من يستغل الوضع بأقل مجهود وأكبر مكسب.
لا أخفيكم أنني لست مع طرد العقيدي في اللقطة الناعمة التي تحولت إلى تراجيديا، لكن ذلك يقودنا إلى دور التقنية حيث لا يمكن تجاهله فالـ(VAR) من زاوية القانون هو آلية لضبط القانون، ولتقليل الخطأ الفادح ولمنح العدالة فرصة ثانية، لكن في زاوية أخرى، وهي زاوية الأفكار داخل المنافسة، أصبحت التقنية جزءاً من اللعبة نفسها. بعض الفرق تتعامل معها كوسيلة لضمان العدالة، وبعضها يتعامل معها كمساحة يمكن توظيفها لمصلحته عبر رفع مستوى الاحتكاك، وتحويل اللقطة الرمادية إلى ملف قابل للتأويل، واللعب على الحافة النفسية للحكم والخصم. والتأثير في الثقافة التي تتشكل حولها «ثقافة تبحث عن القرار بقدر ما تبحث عن الهدف، وتحتفي بالشاشة أحياناً كما تحتفي بالشباك».
في هذا السياق يظهر معنى صبر إنزاغي في الشوط الأول. الصبر هنا لم يكن تراجعاً ولا خوفاً، بل كان إدارة واعية للمباراة. أغلق المساحات، خفف المخاطر، وراكم الثبات الذهني حتى تأتي اللحظة المناسبة. إنزاغي استهلك طاقة خصمه ثم ضرب عندما بدأت القرارات الثقيلة في الظهور وبدأت المباراة في فقدان توازنها.
وبخبرتي كنت أعتقد أن خيسوس مع لحظة التعادل سيغير حسابات اللعبة جذرياً؛ باعتبار التعادل في (ديربي) بهذا الضغط وبعد سلسلة أحداث مفصلية ليس نتيجة صغيرة يمكن تجاهلها، بل هو نقطة يمكن البناء عليها لحماية الفريق من خسارة قد تمتد آثارها إلى مباريات أخرى في الدوري. كان المنطق يقول: العب على أقل الخسائر، حافظ على التعادل، خذ النقطة وأغلق المباراة، ثم اذهب إلى الدوري بذاكرة هادئة بدل أن تفتح أبواب المخاطرة. الديربي لا يطلب منك دائماً أن تنتصر، أحياناً يطلب منك ألا تخسر، وهذه القدرة بالذات هي ما يميز المدرب الذي يدير الموقف عن المدرب الذي يطارد الصورة المثالية، لكن البرتغالي لم ينجح في إدارة هذه اللحظة كما ينبغي، لم يقرأ التحول النفسي الذي يرافق التعادل في مباراة مشحونة، ولم يتعامل مع المباراة كمرحلة جديدة تتطلب تخفيضاً قسرياً للإيقاع وتضييقاً للمساحات وتغيير شكل المغامرة. فبعد الطرد والتعادل كان يمكنه تحويل المباراة إلى مساحة آمنة وإيقاع أهدأ خلال الدقائق الثلاثين المتبقية.
أعتقد أنه من الأهمية بمكان استثمار هذا الديربي لسرد حكاية ثقافية حول كرة القدم اليوم التي تذهب باتجاه التقنية وتستمد طاقتها من ثقافة الجماهير، تلك الجماهير التي تعتقد أن الطعن في الظهر خيانة، وأن المعارك لها قيم ومبادئ متعارف عليها، لكن كرة القدم ليست الحقيقة بل هي لعبة، وأنها لم تعد صراعاً على الكرة فقط، بل صراع على القرار، وعلى إدارة اللحظة، وعلى فهم أن التقنية أصبحت جزءاً من ثقافة اللعب لا مجرد أداة تحكيم.
ويبقى الهلال والبرد شبيهان بالقسوة وترك الندبات على الآخرين.


